الجمعة، 26 نوفمبر 2010

الفاعلية هي المقياس
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
أعني بالفاعلية الأثر العملي لأفكارنا على أرض الواقع..فكل عمل أو قول لا يحقق نتائج عملية تساهم في سبيل نهضة الأمة واستعادة دورها الحضاري فهو فاقد للفاعلية ويدخل في باب اللغو والمراء والجدل الذي لا طائل منه..
أستطيع أن أدلل على مبدأ الفاعلية من سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ رضي الله عنه حين أخبره النبي بأن كل من مات وهو يشهد أنه لا إله إلا الله يدخل الجنة، فسأله معاذ هل يخبر الناس بذلك، فرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم: دعهم يعملوا..
في هذا الحديث تتضح لنا فكرة الفاعلية بشكل جلي..فهذا الحديث يحمل بشارةً عظيمةً وهي الجنة، إلا أنه رغم ذلك وفي بعض الظروف فإنه حديث غير فاعل اجتماعياً وذلك لأنه ربما يبعث في النفوس الكسل والتراخي, لذلك لم يحب النبي صلى الله عليه وسلم أن ينتشر هذا الحديث بين الناس..
لقد سمعت أحد الدعاة الأفاضل وهو يحدث الناس عن الجنة وقصورها وحور عينها، ويسرد قصصاً تسمو بالروح إلى عنان السماء وتزيد المؤمن شوقاً إلى لقاء الله حتى يصير حاله كحال عمير بن حمام وهو يود ألا يطول عمره حتى يأكل التمرات، لكنني سألت نفسي: هل يكفي أن نذكر هذه القصص المشوقة وحسب، وما قيمة أن نشحن الناس بكل هذه الطاقة الروحية ثم لا نبصرهم بسبيل إلى توظيفها في عمل إيجابي فعال يعود بالنفع على المجتمع والأمة..
إن وجود هذه الأشواق الروحية العظيمة في نفوس الشباب مع انعدام الوعي والفقه ربما يعود بآثار عكسية على الأمة، وهذا ما نراه فعلاً في الصومال والعراق وأخواتهما، فتجد شباباً لا تنقصهم الحماسة الدينية والرغبة الصادقة في الجهاد ولكن ينقصهم ترشيد هذا الجهاد .فهم يتحرقون شوقاً للجنة ونعيمها، ويريدون أن ينالوها بأقصر طريق، وفي ظل غياب الفقه يصبح الموت هدفاً لذاته دون إفادة الأمة في شيء فيبحثون عن أول سوق أو متجر أو مركز شرطة ليفجروا أنفسهم تعجلاً للجنة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً..
إن الحديث عن الجنة حتى يكون فاعلاً لا مدمراً فإنه يجب أن يأتي في سياق فاعل، وهذا هو منهج القرآن الكريم فلا تجد آيةً تتحدث عن الجنة إلا وتربط هذا الحديث بذكر عدد من الأعمال الصالحة.
إن الفاعلية تعني أن نوجه هذه العواطف المتقدة في نفوس الشباب في عمل إيجابي، فيثمر الإيمان بالآخرة صلاحاً في الدنيا، وما أجمل الكلمة التي قالها الشهيد إبراهيم المقادمة رحمه الله أننا بحاجة إلى السياسي الذي يعيش بروح الاستشهادي..فالسياسي وحده ربما يغلبه الهوى ويسلك طريق الفساد والمصالح الشخصية، والاستشهادي وحده يموت دون أن ينتفع الناس به.لكن المزج بينهما ينتج عملاً مبدعاً متقناً..
والقرآن الكريم بأكمله هو كتاب يدعو للفاعلية فهو كتاب عملي يذم الانشغال بالقضايا الجدلية التي لا أثر لها في أرض الواقع "فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهراً"، وحين كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم في قضايا لا يبنى عليها عمل كان القرآن يتجاهل الإجابة التي يتوقعونها ويجيب في اتجاه آخر أكثر نفعاً وعمليةً وهو ما يسمى بأسلوب الحكيم.من ذلك قوله تعالى "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ". فالسؤال كان ماذا ينفقون لكن القرآن أجاب عن مواطن الإنفاق، لأنه لا قيمة للنفقات إن لم توجه إلى وجهتها الصحيحة.
ومن معالم فاعلية القرآن أسلوب التجريد ، وهو من الخصائص العظيمة التي تميزه عن غيره من الكتب، فهو كتاب غير محشو بالتفاصيل الظرفية ولكنه يركز دائماً على موطن العبرة والاتعاظ، والتركيز على موطن العبرة والعمل هو بالضبط فكرة الفاعلية.
لكن المسلمين يسيرون في اتجاه معاكس تماماً لمراد القرآن فيتركون الدروس العملية التي يتضمنها القرآن ويركزون جهدهم في الجدل في اسم الشخص أو القرية أو التاريخ الذي يتحدث عنه القرآن، وفي ذلك تجريد للقرآن من فاعليته، فالقرآن يتعمد تجاهل هذه التفاصيل حتى يقدم لنا منهجاً عاماً يصلح للتطبيق في كل الحالات والأوقات..
فكرة الفاعلية نجدها في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً حين سأله رجل: متى الساعة، فكان رده:وماذا أعددت لها، فالمهم هو العمل والإنجاز.
لقد انتبه فقهاء المسلمين رحمهم الله إلى فكرة الفاعلية، فكرهوا الأسئلة الافتراضية الخيالية، ولم يكن أحدهم يجيب عن السؤال إلا إذا وقع فعلاً وأطلقوا على من يشغل نفسه بالأسئلة المنفصلة عن الواقع ب "الأرأيتيون" نسبة إلى "أرأيت" التي تكثر من افتراض حالات غير واقعية..وهذا يعني أن وظيفة الفكر هي أن يجيب على التحديات العملية الواقعية، وأن ينبع ابتداءً من الواقع ويصب في خدمة الواقع..أما أن يكون الناس وهمومهم وقضاياهم في واد، والمفكرون في واد آخر فهذا لون من ألوان الترف، فوظيفة المفكر هي أن يبحث عن إجابات لهموم الناس الملحة، وأن يقدم لهم أفكاراً نهضويةً قابلةً للتطبيق لا أن يكون في برج عاجي أو مكتب مكيف يثير مسائل جدلية وأفكاراً نظريةً لا تهم الناس..
إن الأمم والمجتمعات لا تتقدم إلا بالفكر الفاعل النهضوي الحضاري، أما الانشغال بالكلام النظري والمسائل التي تجاوزها الزمن فإنه ينشئ أمةً منسلخةً عن الواقع والحضارة ليس لها أي إسهام في خدمة البشرية وهذا هو حال أمتنا اليوم مع الأسف الشديد.
من مظاهر غياب الفاعلية في واقع أمتنا الانشغال بالقضايا التاريخية التي تجاوزها الزمن فتجد من الناس من لا يزال جامداً في عصور قد خلت ويناقش أحداثاً شبع أصحابها موتاً وأفضوا إلى ما قدموا، ولم يعد مهماً معرفة من كان منهم محقاً ومن كان مبطلاً.
إن التركيز على أخطاء الماضي وتراكماته وعقده هي فكرة معوقة للنهوض ومكبلة للانطلاق ومضادة للفاعلية..
من مظاهر غياب الفاعلية في حياتنا هو تناول قضايا جدلية مثل خلق القرآن أو معنى الاستواء على العرش، أو العلاقة بين ذات الله وصفاته، وهي مسائل لا تزيد إيمان المؤمنين ولا تهدي الكافرين ولا تساهم في رفعة أو حضارة، وإذا كان متفهماً أن تناقش هذه القضايا في مرحلة تاريخية ساد فيها علم الكلام والجدل، فإنه لا توجد أي فائدة لإعادة إحيائها من مرقدها في عصر سادت فيه قيم الإنجاز والتقدم والعمل..
إن الفكرة الفاعلة ليست هي الجدال في العلاقة في صفات الله وذاته، ولكنها في استحضار معاني صفات الله في نفوسنا..
إن عدم الانتباه إلى عنصر الفاعلية في ترتيب أولوياتنا واهتماماتنا يرسخ واقع الغياب الحضاري للأمة الإسلامية، ويجعلها عالةً على الأمم تهتم بالصورة وتفتقد إلى العمق، وفي الحديث النبوي أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي هو المؤمن الفاعل الذي يترك أثراً ويقدم إنجازاً ملموساً ينفع الناس، أما المؤمن الضعيف فربما يصلي ويصوم ويقرأ القرآن، ولكنه سلبي منطوٍ على ذاته لا ينفع الناس في شيء، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستعيذ بالله من جلد الفاجر وعجز الثقة.
نجد غياب الفاعلية متجسداً في زهد الشباب بالعلوم النهضوية التي تحتاجها الأمة، وانصرافهم إلى النحو واللغة والشعر وغير ذلك من العلوم النظرية التي لم تعد ذات أثر كبير في نهضة الأمم .فتجد أحدهم يحفظ آلافاً من أبيات الشعر، ويحدثك بفصحى متقعرة متكلفة، ويقضي الساعات الطوال في سيرة سيبويه والأصمعي، ويعد رسائل في الماجستير والدكتوراة في مواضيع موغلة في الفرعية مثل أحوال إعراب حتى ومتى، وهو يظن أن الأمة يكفيها أن تحفظ المعلقات السبع وأن تتقن قواعد النحو والإعراب لتستعيد أمجاد الماضي، ولو أن هؤلاء توجهوا إلى علوم حديثة مثل الإدارة والاقتصاد ودراسة الحضارة الغربية لكان ذلك خيراً لهم وأنفع لقومهم..
ونحن لا نذم الأدب والشعر والنحو بكليته ، ولكننا نذم المبالغة في الاهتمام به وتقديمه على العلوم الأكثر أهميةً في إنهاض الأمة..
ومن مظاهر افتقادنا للفاعلية هو أن تجد قصارى علم بعضهم هو الاهتمام بسند الأحاديث دون متنها فيظن أن العلم كل العلم هو في قوله حدثنا فلان عن فلان دون توجيه اهتمام مكافئ لمتن الأحاديث ومعانيها وإن كانت متناسبة مع اتجاه القرآن أو أنها مدلسة، والاقتصار على السند وحده لا يحتاج أكثر من شخصية متقنة للحفظ، أما الاهتمام بالمتن ففيه تنمية لملكة النقد والتحليل وإعمال العقل والتدبر، وهذا ما نحتاجه لنخدم ديننا وندعو إليه..وقد حدث أن بعض العلماء الثقات ردوا أحاديث صحيحة السند، لا لقدح في رواتها ولكن بملكتهم النقدية التحليلية حيث وجدوها متعارضةً مع قطعيات القرآن ولا يمكن أن يقول الرسول شيئاً متعارضاً مع القرآن.
وما دام الحديث عن الفاعلية فإنني أشفق على بعض الشباب والفتيات الذين يريدون أن يوظفوا التقنية الحديثة في الدعوة إلى دينهم دون مراعاة للفاعية، فلا يكاد يمر يوم إلا ويأتيني بريد الكتروني يتضمن دعاءً أو ذكراً أو حملةً لجمع مليون استغفار، أو جمع مليار صلاة على النبي، أو يستحلفك بالله أن تصوت على أحد المواقع الأجنبية لمنع حظر الحجاب، وما يجمع بين كل هذه الرسائل أنهم يستحلفونك بالله أن تعيد إرسالها وأنهم سيقاضونك يوم القيامة، وأن هذه فرصة للأجر الجزيل، وأن تقصيرك في إعادة إرسالها هو خذلان للدين..
وحين تصلني مثل هذه الرسائل آسف على هذه النظرة السطحية.فالدعوة إلى الدين لا تكون هكذا، ولو أنهم استغلوا هذه التقنية في تشكيل مجموعات بريدية لمناقشة أفكار ووسائل تحقق نهضة الأمة وتقترح الحلول للأزمات لخرجوا من دائرة النسخ واللصق وال"فورورد" ولوجد بينهم الإنسان المفكر المبدع، والاستغفار لا يكون بطبع كلمة الاستغفار مليون مرة على لوحة المفاتيح ،ولكنه يكون بإعادة تصحيح المسار، ونصرة النبي ليست بالتصويت على المواقع وحسب، ولكنها بإحياء سنته والتخلق بأخلاقه والدعوة إليها.
إن الأفكار لا تقاس بصحتها النظرية وحسب، ولكن يجب أن يضاف إلى عنصر الصحة عنصر الفاعلية أيضاً، فربما جادلك أحدهم في إحدى المسائل وأقنعك أنه على حق، لكن سواءً كان على حق أو على باطل فإن الأمر لن يختلف كثيراً لأن القضية من أصلها غير مهمة ولا يبنى عليها عمل، والقرآن لم يكن عظيماً بمبادئه النظرية وحدها رغم أهميتها، ولكنه كان عظيماً أيضاً بأثره النفسي والاجتماعي، ونجاحه في تغيير وجه التاريخ في بضعة عقود. وفي هذا رد بليغ على الماديين الذين لا يؤمنون بالآخرة، فإن جادلوك في مبادئ القرآن النظرية فلن يستطيعوا أن يجادلوا بالأثر العجيب الذي حققه القرآن نفسياً واجتماعياً وتاريخياً وحضارياً، وفي الإنجيل "من ثمارهم تعرفونهم".
إن فقه مبدأ الفاعلية يمنحنا القدرة على الموازنة بين الأولويات في أعمالنا، فمقياس أهمية أي عمل هو مدى تحقيقه لأكبر عائد ممكن من النفع الاجتماعي والحضاري، وخير الناس هو أنفعهم للناس.
والله أعلى وأعلم..

فلسفة العيد كما أفهمها

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

الدرس الأهم الذي أفهمه من العيد هو أن الإنسان يتعبد ربه حتى باللهو واللعب، وفي هذا دلالة فلسفية عميقة، فأن تكون الفرحة عبادة كما أن الصلاة والصوم والتعب عبادة في مواضع أخرى فهذا هو مفهوم التوحيد والوسطية.

التوحيد يعني أن يتحرر الإنسان من الخضوع لأي شيء من دون الله سواءً كان هذا الشيء مادياً أو معنوياً. فلا يخضع لحجر أو شجر أو بشر، وكذلك لا يخضع للهيئات والأحوال فتكون هي الغاية من دون الله..لأن الخضوع للشيء هو نوع من عبادته وهو بداية الإشرك مع الله..

ربما يكون واضحاً كيف يخضع الإنسان لهواه الظاهر من مال أو شهوة أو سلطان، ولكن كيف نفهم خضوع الإنسان للهوى الخفي فتتحول صور العبادة التي افترضها الله عليه من كونها عبادةً وقربى إلى كونها اتباعاً للهوى؟

يحدث ذلك إذا تحولت من كونها مجرد وسيلة إلى الله إلى غاية مقصودة بذاتها.مثلاً الصوم هو خضوع لله ونحن نفهم كيف أن الإفطار في رمضان هو مخالفة لأمر الله. ولكن كيف نفهم التشديد على ضرورة التعجيل في الإفطار حتى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم إن الناس لا يزالون بخير ما عجلوا الفطور..

ما هي كل هذه الأهمية لتعجيل الفطور حتى يجعله النبي مؤشراً على خيرية الأمة؟

الجواب والله أعلم أن التعجيل بالفطور يعني أن الإنسان ملتزم بالإسلام من طرفيه فهو في حالة التوازن والوسطية، ملتزم بالصوم أولاً، لكن هذا الالتزام مقيد بالحد والمدى الذي شرعه الله له، فالصوم ليس غايةً تقصد لذاتها ولو كانت مرضاة الله في الأكل آناء الليل وأطراف النهار لما تردد في فعل ذلك، وهذا يعني أنه متحرر من أي هوى ظاهرياً أو باطنياً، وأنه لم يعد متبعاً لحظوظ نفسه وميولها إلى أي اتجاه كان هذا الميل..

يفهم المرء كيف يكون إفطار رمضان اتباعاً للهوى، ولكن كيف يكون تأخير الإفطار كذلك، مع أن هذا التأخير في ظاهره دلالة تقوى وإيمان فهو يسبب للإنسان مزيداً من الجوع والعطش؟

والجواب يأتي من فهم عميق لسيكولوجية الإنسان فهو يملك قدرة هائلةً على التأقلم والتعويض، فإذا حرم من شيء فإنه مع مرور الوقت يألف هذا الحرمان فيصير مصدر استمتاع وتلذذ له..

وهذا ما نراه في واقعنا في حالة الفقراء مثلاً فمن يألف الفقر فإنه يصبح جزءً من كينونته النفسية، فإذا جاءته فرصة للغنى فإنه يزهد بها، وإن سعى إليها فليس سعياً جاداً لأن هناك دافعاً عميقاً لا شعورياً في داخله باللذة والاستمتاع بكونه فقيراً، وهنا نفهم العدالة الإلهية في تقسيم الناس إلى أغنياء وفقراء، فهذه تقسيمات ظاهرية لكن التأمل العميق يظهر أن كلا الفريقين منسجم نفسياً مع مستوى معيشته "يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر".

بهذا المنطق فإنه مع تعود الإنسان على الصيام فترات طويلة لا يظل الطعام هواه الرئيسي، ولكن يتحول هواه إلى البقاء على هذه الحالة من الجوع والعطش لفترات طويلة..فهو يتحرر من هوىً ليتبع لوناً آخر من الهوى

والإسلام يريد أن يحرر الإنسان تحريراً كاملاً فكما أنه يسعى لتحريره من أن يكون عبداً لهواه الظاهر، فهو يريد أن يحرره أيضاً من هواه الخفي..لذلك فإن خير الأمور الوسط ، والوسطية هي خاصية الدين حتى يظل الإنسان متوازناً بعيداً عن الإفراط أو التفريط..

نستطيع أن نقرب معنى الهوى الخفي باستحضار أمثلة أخرى.. مثلاً في الصلاة فكما أن الإنسان يتبع هواه ويتكاسل عن أداء الصلاة، لكنه إذا تغلب على هذا الهوى وصارت الصلاة جزءً من كيانه، فإنه يدخل إلى ميدان جديد للابتلاء فربما يتسلط عليه نوع من هوى آخر، وهو الرهبانية المتواصلة دون انقطاع، لذلك كان لا بد من جرعة توازنية فكانت هناك أوقات ثلاث تكره فيها الصلاة، وكان المنهج النبوي بأنه يصلي ويفتر، فكما أن المرء يتعبد الله بالصلاة فإن هناك أوقاتاً يتعبده بها بعدم الصلاة، وهذه الأوقات وإن كانت استثنائية وليست هي الأصل إلا أنها كافية لتحرير المؤمن من الخضوع لهيئة معينة وتحويلها إلى غاية في ذاتها، وضمان بقائه عبداً لله وحده، ونحن ندعو بعد كل أذان اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة لنتذكر أن الصلاة مجرد وسيلة وأن لها رباً نعبده ولا نعبدها.

مثال ثالث في الزواج فالعفة خلق حميد إلا أن الانقطاع الكامل عن الزواج فيه خروج عن شرع الله، وكما لذلك يتقرب الإنسان إلى الله بالتعفف فإنه يتقرب إليه أيضاً بقضاء شهوته..

وربما تكون هذه خاصيةً مميزةً لجميع شرائع الدين بأن كل عبادة هناك من جنسها ما يقابلها لإبقاء الإنسان في حالة التوازن والوسطية وحتى لا يميل كل الميل في أي اتجاه سواءً كان اتجاه التفريط والتحلل أو اتجاه الرهبانية والتبتل..فلا يكون الإنسان عبداً للملذات المادية، وفي ذات الوقت لا يكون عبداً للأهواء الخفية التي تتولد مع الإلف وطول العهد فتصير الأشياء التي ظاهرها تعب ومجاهدة هي مصدر تلذذ، وبذلك تتحول العبادة والتعفف والرهبانية من كونها مجاهدةً للهوى إلى هوى جديد..

فكما أن الأصل هو الإطالة والخشوع في الصلاة إلا أن هناك حقنةً توازنيةً نجدها في حث النبي على التخفيف في ركعتي الفجر النافلة، وكذلك التخفيف في حالة الإمامة بالمصلين، وكذلك تجوزه في الصلاة حين سمع بكاء أم الصبي..

ومثال آخر وهو قضية القتال فكما أن القتال بطبعه تكرهه النفس، إلا أن المقاتل مع طول الإلف فإنه يشعر بشهوة تدفعه إلى مواصلة القتال، وتحيّن فرصه، وهنا تكون مجاهدته لنفسه ليست في أن يقاتل ولكن في ألا يقاتل حين لا يكون القتال ضرورياً لإحقاق الحق والعدل..

إذاً التحرر الحقيقي ليس في ترك القتال كليةً ولا في اعتماده كليةً، ولكنه في تجرد النفس من أي هوى وتعاليها فإذا اقتضى الأمر قتالاً قاتل الإنسان وإذا اقتضى سلماً سالم دون أن تستهويه حالة فيخضع لها.

في ضوء هذه الفلسفة نفهم موقع العيد ضمن النسق الكامل فهو بمثابة الجرعة التي تعيد الإنسان إلى حالة التوازن وتضمن عدم انحرافه عن الطريق القويم.فإذا كان الإنسان طوال العام مجتهداً في الزهد في الحياة والتخفف من المباحات، فإن الإسلام يقول له في يوم العيد كما أنك تتقرب إلى الله طوال العام بالتخفف من المباحات فإن تقربك إلى الله في هذا اليوم هو باللهو واللعب وبالتوسع في المباحات وكما في الحديث عن أيام التشريق بأنها أيام أكل وشرب وذكر الله، فإن زعم إنسان أنه لا رغبة له بهذه الأمور وأنه يريد أن يظل في يوم العيد على ذات النمط المألوف من الزهد والانقطاع والاعتكاف فإننا نقول له:إنك لست صادقاً في عبادة الله، ولكنك تعبد إلفك ومعهودك، وحين يختار إحياء الأحزان وزيارة المقابر يوم العيد فهذا ليس بدافع التقوى، ولكن اتباعاً لشهوة خفية، لأن التقرب إلى الله في هذا اليوم هو بالأكل والشرب واللهو المباح..

أرأيتم كم هو ديننا عظيم!!

والله أعلى وأعلم..

الثلاثاء، 16 نوفمبر 2010

ازدهار الصورة وأفول المعنى
أحمد أبورتيمة
في هذه الأيام كما في كل عام يحج ملايين المسلمين إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة فيؤدون المناسك من إحرام وطواف وسعي بين الصفا والمروة ووقوف بعرفة، وذبح للأضحية، وتحليق لشعر الرأس ورجم للشيطان، ثم يعودون إلى بيوتهم..
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يخبر عن ثواب الحاج بأنه يرجع كما ولدته أمه فهذا يقتضي تحولاً نوعياً في مسار حياته، وانطلاقةً جديدةً إلى حياة ملؤها الصلاح والتقوى والسلام مع البشر، لكن واقع الحال على النقيض من ذلك فالحجاج إلا قليلاً منهم يعودون بعد حجهم إلى سابق عهدهم دون أن يتغير شيء، وهذا يعني أنهم كانوا يؤدون طقوساً شكليةً دون أن تتشرب قلوبهم معاني الحج وأسراره، والله لا ينظر إلى الصور ولكنه ينظر إلى السرائر..
الحج ليس سوى مثال واحد على أمة لم يعد نصيبها من دينها سوى الصور والشعائر الظاهرية الفارغة من أي مضمون روحي واجتماعي. فالمظاهر الإسلامية تطغى على حياتنا وعلاقاتنا الاجتماعية من المهد إلى اللحد حيث يستقبل المولود بالأذان والتحنيك والعتيقة، ويودع حين يغادر الحياة بالتغسيل والتكفين والصلاة عليه، وما بين هذين الحدين تزدهر الطقوس الاجتماعية، فيحيي الناس الأعياد والمناسبات الدينية، ويأكلون التمر والكعك في رمضان، ويتسابقون إلى الحج والعمرة كل عام، ويشيدون المساجد والمراكز الدينية، وعلى أبواب عيد الأضحى يحرصون على شراء الأضحية، ويظهر الورع في غير محله بتكرار نفس الأسئلة في كل عام عن حكم الأضحية الخرساء أو العرجاء أو العوراء فيما يذكر بأسئلة بني إسرائيل عن البقرة.
هذا الحرص على إحياء المظاهر الإسلامية ليس موضع انتقاد لو أنها كانت منسجمةً مع المعاني العميقة للعبادة، لكن ما يحدث أن هذه الصور تخفي في باطنها خواءً في المعنى وخبواً للروح التي من أجلها جاء الدين، فتجد فريقاً ممن يحرص على أداء العمرة في كل رمضان يغتصب حقوق أخواته في الميراث، أو يغش في تجارته، وتجد من يبني المساجد ويبالغ في زخرفتها هو ذاته من يأكل أموال الناس بالباطل، ومن يحرص على تقدم الصفوف في صلاة العيد والجمعة فاسداً في موقعه الإداري قد خان الأمانة، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل.
ونحن لا نعمم الحكم حتى لا نظلم ولكن هذه النماذج السلبية موجودة بكثرة.
لقد تنبه المفكر الجزائري مالك بن نبي رحمه الله إلى العلاقة بين الصورة والمعنى فبين كيف أن الحضارة في أوج قوتها وصعودها تزدهر فيها الفكرة والمعنى، فإذا جرت عليها سنة التاريخ وبدأت منحدر الهبوط واقتربت ساعة أفولها زاد اهتمام الناس بالصور والمظاهر والطقوس بينما خمدت حرارة الإيمان في الصدور..
إن مؤشر قوة الأمة هو قوة المعنى، أما ازدهار الصور والأشكال فهو دلالة ضعف وانحطاط
إن من يبالغ في إحياء الصورة بعد أن يميت المعنى، ويطلي نفسه بمظهر خادع من الطقوس والمظاهر فإنما يفعل ذلك بدافع نفسي ليملأ نقصه الداخلي ويحسم الصراع العنيف داخله بين القيم العليا التي ينبغي أن يكون عليها المجتمع وبين الواقع البائس المتراجع.
هذا التناقض بين الصورة والمعنى لا يخص أمة دون الأمم ولكنه مرض عام يصيب الجميع..فالحضارات في أوج صعودها وحيويتها يكون الإيمان فيها بالمبدأ عميقاً والنفوس مستعدة لبذل النفس والنفيس من أجل أن تحيى الفكرة، وهذه النخبة المبدعة هي التي تنهض بالفكرة وتنتصر لها حتى يمكن لها في الأرض.
فإذا مكن للفكرة في الأرض ودخل الناس فيها أفواجاً خلف من بعدهم خلف يؤثر الراحة والكسل، فهو قد وجد ثماراً يانعةً قطفها دون عناء، فيصبح جيلاً يستهلك ولا ينتج، ويقلد ولا يبدع فيخبو المعنى وتبقى الصورة، وحين يبقي الناس على الطقوس والمظاهر فذلك لإشعار أنفسهم بأنهم امتداد للحضارة العظيمة، ولكنهم يجمدون على ما وجدوا عليهم آباءهم وأسلافهم ويتوقفون عن الإبداع فتنتج أشكال ميتة جامدة يقدسونها ويعكفون لها، وهنا نفهم فكرة الوثن في القرآن الكريم، فالوثن هو تجسيم وتعلق بالصورة على حساب الفكرة "ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون".
يضرب لنا القرآن مثلاً عن ازدهار الصور في قصة آلهة قوم نوح وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فمبدأ هؤلاء الخمسة أنهم كانوا رجالاً صالحين، ولكن مع طول الأمد وتعاقب الأجيال خبا المعنى وبقيت الصورة، فاتخذوا أصناماً تعبد من دون الله، وتذرع بهم قوم نوح ليصدوا دعوته مع أنها امتداد لذات الدعوة الإصلاحية التي كان عليها هؤلاء الخمسة
نبقى مع القرآن وقصة أصحاب الكهف حيث تبرز فكرة المعنى والصورة، ففي مرحلة انطلاق الدعوة حيث حيوية الفتية ونشاطهم كما في مبدأ أي فكرة كان المعنى حاضراً قوياً:"إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً"، لكن حين دار الزمان دورته بعد ثلاثمائة سنة خفت المعنى في قلوب الناس واهتزت الفكرة فصاروا في شك من اليوم الآخر حتى اقتضى الأمر تذكيراً جديداً: "وكذلك بعثناهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة آتية"، رغم أنهم حافظوا على ازدهار الصورة والمظهر "لنتخذن عليهم مسجداً"..
إن إبقاء الصورة لا يتطلب جهداً كبيراً، ولا إقلاعاً ضد الجاذبية، لذلك تزدهر الصورة في فترات التراجع لسهولتها على النفس فهي أقرب إلى الجانب الاحتفالي منها إلى الالتزام والانضباط ولا تتطلب ذات الجهد والتكلفة التي يتطلبها إحياء المعنى والفكرة..
ولأن الصورة لا تتطلب مشقةً كبيرةً على النفس فلا غرابة أن نجد طواغيت الأرض يحتفون كثيراً بالمظاهر، فينشئون المساجد والمراكز الدينية، ويقيمون الاحتفالات في الأعياد والمناسبات، ويتقدمون الناس في الصلاة أمام الكاميرات، فيكبرون الله بألسنتهم بينما هم مؤمنون في قرارة أنفسهم أنه لا يوجد من هو أكبر منهم، ويكرمون حفظة القرآن، وربما يطبعون ملايين النسخ من المصحف الشريف، فيحسب الجاهل أن هذه الشكليات دليلاً على صلاح الحاكم، بينما يتخذ منها الحاكم وسيلةً لإسكات الناس، وليتركوا له الساحة فيطلق العنان لأهوائه، ويعم في عهده الظلم والفساد والرشوة، والتخلف..
"أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون"..
ولأننا في عصر ازدهار الصورة وأفول المعنى لم يعد مستغرباً أن نرى الفساد والواسطات والمحسوبيات وتدخل المعارف وأصحاب النفوذ تطال حتى العبادات التي يفترض أن يتقرب بها المرء إلى الله، فمن يملك واسطةً أو نفوذاً يستغله ليقدم اسمه على غيره في أسماء الحجاج..وفي هذا تناقض مريع فمن يبتغي رضا الله فإنه لا يمكن أن يدركه إلا بوسائل شريفة، ولكن ماذا نفعل ولم يعد حظنا من العبادة سوى صورتها..
إن الجمود على صورة الدين بعد قتل روحه قد جلب على البشرية كوارث عظيمة، فتحول أتباع الأنبياء إلى أعداء الأنبياء بعد أن طال عليهم الأمد، فرأينا المسيحي يبيد الشعوب باسم المسيح وتحت راية الصليب، ورأينا المسلم يفجر نفسه في أخيه المسلم بزعم الانتصار لدين محمد..ومحمد والمسيح عليهما الصلاة والسلام برءاؤ من ذلك.
لقد بين لنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن كل الصور لا تغني شيئاً عن المعنى، ولو كانت هذه الصورة هي الكعبة المعظمة ذاتها فحرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة، لكن المسلمين لم ينتفعوا كثيراً بهذا الهدي النبوي، فاستحلوا دماء بعضهم البعض لأتفه الأسباب، بينما قدسوا الرسوم والأشكال والأنماط التاريخية المجمدة..
إن الاهتمام بالطقوس دون الاستفادة من معانيها العميقة في الحياة هو تفريغ للدين من محتواه، والإسلام لم يسن الشعائر إلا لتحقيق الإصلاح النفسي والاجتماعي فإن لم تتحقق هذه الغاية فقدت هذه الشعائر فاعليتها، فالصلاة لمنح الإنسان السكينة ولنهيه عن الفحشاء والمنكر، والصيام لعلكم تتقون، والحج لإعطائنا دروساً في السلام والمساواة فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، فإن لم تتحقق هذه المعاني في حياتنا فإن الله غني عن صلاتنا وصيامنا "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"...
إذاً فالشعائر والمناسك ليست سوى وسيلة لتحقيق التطهر الداخلي "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم، وغاية الأنبياء الكبرى هي إقامة العدل في حياة الناس
"ليقوم الناس بالقسط"..
إن إحياء الدين يكون بإحياء معانيه ومقاصده الكبرى بإقامة العدالة الاجتماعية ورد الحقوق إلى أهلها وإنصاف المظلومين ومحاسبة الظالمين وإعمار الأرض التي استخلفنا الله فيها، وكما قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: حيثما كان العدل فثم شرع الله..
والله أعلى وأعلم..
ملحق:
أرسل إلي أحد الإخوة يسألني إن كان يفهم من مقالي بأنها دعوة للاهتمام بالمعنى وترك الشعيرة الإلهية إن تحقق المعنى بدونها فكان هذا هو جوابي له:
أشكرك على طرح هذا التساؤل لأن مثل هذه التساؤلات والاستدراكات هي التي تبين الفكرة وتجليها أكثر..
بالطبع فهذه ليست دعوة لترك الشعائر لأن الله عز وجل يقول "ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب..
الالتزام بالشعائر -حتى وإن كانت ظاهرية -هو مؤشر على صلاح الباطن لأن الإنسان حتى يلزم نفسه بأداء الشعائر الظاهرية فلا بد أن يصل الإيمان في داخله إلى درجة من العمق بحيث يتفاعل ويفيض..والإيمان الحقيقي لا يطيق أن يظل حبيس الصدور فيأبى إلا أن يعبر عن نفسه.والتعبير في حده الأدنى يكون بأداء هذه الشعائر..
أما من لا يؤدي الشعائر ويقول بأن قلبه أبيض فإنه كاذب في دعواه..لأنه لو كان إيمانه الداخلي متحققاً لنتج عن ذلك حالة من القلق الداخلي ولما استقر واطمأن إلا بأداء الشعائر..
موضع انتقادنا هو فقط حين لا يتجاوز المرء هذه الشعائر وينفذ إلى معانيها العميقة لأنه بذلك لم يحقق مقصود الله الذي وضحه في كتابه "لعلكم تتقون"..فمن يصوم ولا يحقق التقوى فليس له حظ من نصيبه سوى الجوع والعطش، ومن يصلي ولا ينتهي عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له..
ودعوتنا إلى هذا الصنف ليس بأن يترك الشعائر، بل أن يحافظ عليها ولكن ينميها بأن يفقه معانيها العميقة وأن يرى أثرها في واقع حياته..
هناك علاقة جدلية بين الشعيرة والمعنى فكما أن المعنى يفيض فيعبر عنه بالشعيرة، فكذلك فإن مزيداً من الشعائر في حالة سلامة القلب تؤدي إلى ترسيخ المعنى وتحقيق التقوى
حين يكون الأفراد والمجتمعات يفيضون بالمعنى فحينها يأتي دور المظهر أو الشعيرة أو النسك بأنها التعبير أو التجلي لهذه المعاني، وهي الرمز الذي يمثل القاسم المشترك للمؤمنين، ولا يمكن تصور أمة بدون مناسك. فالمناسك تمثل مظهر الوحدة العضوية والنفسية للأمة..
الرموز لها وظيفة حيوية في حياة الأمم ونحن لا ندعو للتخلي عنها ولكننا ندعو إلى أن تكون في موقعها الصحيح كتعبير عن معنى موجود وليس تعويضاً عن الخواء الداخلي.
مثلاُ في حالتنا الإسلامية صلاة الجمعة تعطي شعوراً اجتماعياً رائعاً، ومشهد الحجيج يعطي دفعةً روحيةً هائلةً، وهذه المظاهر التي يجمع عليها المسلمون ولا يمكن أن يجمعوا على أي مظهر آخر بنفس المقدار، لأن هذه الشعائر إلهية المصدر، لا يمكن أن نلغيها مهما حقق المسلمون من معان عميقة..لأن هذه الشعائر في ذاتها لها معنى فريد ومتميز..
والسلام عليكم..

الخميس، 11 نوفمبر 2010

عدلكم أفضل من حجكم أيها المسئولون
أحمد أبورتيمة
رحم الله المفكر الجزائري مالك بن نبي وهو يشرح لنا أطوار الحضارة، وكيف أن الحضارة في أوج قوتها وصعودها تزدهر فيها الفكرة والمعنى، فإذا جرت عليها سنة التاريخ وبدأت منحدر الهبوط واقتربت ساعة أفولها زاد اهتمام الناس بالصور والمظاهر والطقوس بينما خمدت حرارة الإيمان في الصدور..
في حياتنا تزدهر الطقوس والصور الإسلامية إلى حد كبير، فالناس يحيون الأعياد والمناسبات الدينية، ويقيمون الاحتفالات ويؤدون الطقوس والشعائر من صوم وصلاة، ويتسابقون إلى الحج والعمرة كل عام، ولكن الصورة لا تمضي على هذا النحو الإيجابي بعيداً، فتجد بعضاً ممن يحج إلى بيت الله الحرام ويؤدي العمرة في رمضان، ويسابق لشراء الأضحية ويهتم بزخرفة المساجد ويبالغ في الإنفاق عليها، ويقيم الاحتفالات ويوزع الحلوى في ذكرى المولد والهجرة تجد هذا البعض هو ذاته من يجمع أمواله بالحرام، وقد أثقل كاهله بحقوق الناس ومظالمهم، ويماطل في أداء الديون ورد الأمانات، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، فقرب أقاربه، وخان الأمانة التي اؤتمن عليها.
إن الاهتمام بالطقوس الظاهرية دون الاستفادة من معانيها العميقة في الحياة هو تفريغ للدين من محتواه، فالله عز وجل لم يفرض علينا الشعائر والمناسك إلا لتستقيم حياتنا النفسية والاجتماعية العميقة "لعلكم تتقون"، "ليقوم الناس بالقسط"، وما لم نحيي معاني هذه الشعائر في حياتنا تصبح بلا مفعول أو قيمة "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"..
حالة الازدهار في المظاهر والأشكال يمكن تعليلها بسهولتها على النفس فهي أقرب إلى الجانب الاحتفالي منها إلى الالتزام والانضباط ولا تتطلب ذات الجهد والتكلفة التي يتطلبها إحياء المعنى والفكرة..
لذلك لا غرابة أن نجد أصحاب السلطان في أي مجتمع يقيمون هذه الطقوس الظاهرية، بينما في سلوكهم الاجتماعي والسياسي هم أبعد ما يكونون عن روح الإسلام، فتجد الرئيس أو الوزير يؤدي صلاة الجمعة والعيد، ويقيم الاحتفالات الدينية، ويحج عاماً بعد عام، بينما هو مقصر في أداء أمانة الحكم وقد انتشر الظلم في عهده وعم الفساد وشاعت الواسطات والمحسوبيات..
حين يقوم المسئول بأداء الشعائر امتثالاً لفريضة افترضها الله عليه فإنه لا يسع أي مؤمن إلا أن يثني على ذلك ويدعو له بالقبول..
لكن الكارثة تكون حين تؤدى هذه الشعائر على حساب العدل الذي من أجله قامت السموات الأرض وعلى حساب حقوق الناس
في هذه الأيام مثلاً حيث الحج إلى بيت الله الحرام ترى بعض المسئولين يسارعون إلى مزاحمة الحجيج في قوافلهم إلى بيت الله الحرام، وقد أدى حجة الإسلام التي افترضها الله عليه من قبل، وربما تكون هذه المرة الثالثة أوالرابعة، مع أن هناك من الناس يتشوقون إلى الحج للمرة الأولى منذ سنوات ولم يخرج اسمه، وهناك من يتجاوز عمرهم الخامسة والستين أو السبعين ترى أعينهم تفيض من الدمع خوفاً أن يفوتهم قطار العمر دون أن يحجوا، وهم يشاركون في الاقتراع مرةً بعد مرة دون أن تخرج أسماؤهم..
ومما يزيد الأمر كارثية أن تكون تكاليف حج بعض هؤلاء المسئولين مقتطعةً من المال العام أو من أموال الحجاج، فيشكلون عبئاً إضافياً على الحجاج وعلى شعوبهم التي يقتطعون الأموال منهم، فصارت الشعوب في خدمة المسئول ورفاهيته، ولم يعد المسئول مسئولاً ومحاسباً من قبل الشعب..
وتكتمل قتامة المشهد حين يكون المسئول الذاهب إلى الحج مقصراً في وزارته أو مؤسسته ومفرطاً في الأمانة العامة، وربما تسبب تقصيره وأخطاؤه في إزهاق أرواح ، وقد علم أن الله لم يفترض عليه الحج أكثر من مرة، وربما أسقطت عنه هذه المرة إن لم يستطع إلى ذلك سبيلاً، بينما افترض عليه أن يؤدي أمانته وأن يحكم بين الناس بالعدل وألا يأكل أموال الناس بالباطل، وأن يتقن عمله، ولن يشفع له أن يحج عشرات المرات دون أن يعيد الحقوق إلى أهلها ويحارب الفساد من مؤسسته ويحاسب الظالم على ظلمه، فالحج صورة الدين بينما إقامة العدل هو حقيقته وغايته، وكما قال ابن القيم رحمه الله : أينما كان العدل فثم شرع الله..
إن وظيفة المسئول ليست في حج أو صيام أو قيام نافلة، بل إن وظيفته الأولى هي أن يقيم العدل بين الناس، ويقضي حوائجهم ويقيل عثراتهم ويدخل السرور على قلوبهم، فإذا أتم هذه الواجبات بإتقان نال رضا الله حتى وإن كان حظه من النوافل قليلاً..
إن تحقيق شرع الله يكون بتحقيق العدالة الاجتماعية ورد الحقوق إلى أهلها وإنصاف المظلومين ومحاسبة الظالمين، قبل أن يكون بإحياء الصور والطقوس والاحتفالات..
إن تولي المسئولية العامة لا يمنح صاحبها تفويضاً إلهياً بأن يزاحم الناس، وأن يقدّم على غيره فيخرج اسمه إلى الحج وهو جالس في بيته دون مشقة أو سعي، بينما غيره يجهد نفسه سنوات طوال وهو يسعى إلى الحج، وإن كان المسئول مصمماً على الحج ولا بد، فعليه ما على أي إنسان من سعي ومشقة وأن يكون هناك تكافؤ في الفرص بين الجميع فيدخل اسمه في القرعة مثله مثل أي واحد من المسلمين، ويجري الاختيار بشكل حر ونزيه فإما قدر له أن يحج، وإما انتظر كما ينتظر غيره في الأعوام القادمة..
إنه لمن التناقض أن يعلن إنسان أنه يقصد من حجه مرضاة الله بينما لا يتحرز من اغتصاب حق غيره للحج، ولو أنه ظل في بيته وقدم على نفسه رجلاً طاعناً من المسلمين ممن يخشى ألا يدركه موسم الحج القادم لكان خيراً له عند الله.
ولا يشفع للمسئول أن يعلن بأنه سيحج هذا العام عن أسير، والعام القادم عن شهيد، والعام الذي يليه عن أبيه أو جده، وبذلك يبرر لنفسه أن يزاحم المسلمين كل عام، فإعطاء الفرصة للأحياء ليحجوا بأنفسهم أولى، ومثل هذه المواقف أمام وسائل الإعلام يخشى أن يتسرب فيها إلى النفوس شيء من حب السمعة..
أختم مقالتي بهذه القصة لعله يكون فيها عبرة لأولي الألباب:
جاء رجل إلى بشر بن الحارث رحمه الله وهو من ربانيي الأمة وقال له يا أبا نصر إني أردت الحج فهل توصيني بشيء؟ قال له: كم أعددت من النفقة للحج؟ قال: ألفي درهم، فقال له: هل تريد الحج تزهُّداً أو اشتياقاً إلى البيت أم ابتغاء مرضاة الله؟ قال: والله ابتغاء مرضاة الله، قال: هل أدلُّك على ما تحقِّق به مرضاة الله وأنت في منزلك؟ إذا دللتك على شيء من هذا تفعل؟ قال: أفعل، قال: تذهب تعطي هذا المبلغ عشرة أنفس، فقير ترمِّم فقره، ويتيم تقضي حاجته ومدين تقضي عنه دَينه، ومُعيل تخفِّف عنه أعباء عياله،..، فقال له: يا أبا نصر السفر في قلبي أقوى، فقال له: إن المال إذا جُمِع من وسخ التجارات والشبهات أبت النفس إلا أن تقضيه في شهوتها..
نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين وأن يهدينا إلى سواء السبيل..
والله أعلى وأعلم..

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

فضائيات خارج الزمن
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
أعجب من حال بعض الفضائيات التي لا يربطها بالزمان الحاضر سوى تقنيات الصوت والصورة، وما عدا ذلك فهي أبعد ما تكون عن تحديات العصر ومقتضياته..
تجد هذه الفضائيات منصرفةً عن الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية خارجيةً وداخليةً من مخططات معادية واستبداد وفساد داخلي ..وقد جعلت لنفسها هماً واحداً ووحيداً كرست له جهودها وأوقاتها وهو مهاجمة الشيعة وشيطنتهم والتحذير من خطرهم..
لست في معرض الدفاع عن الشيعة، فمن حق الجميع أن ينتقد ما يراه خطأً ولكن ليس بالأسلوب الفتنوي المثير للكراهية الذي تنتهجه هذه الفضائيات، وليس بإصدار أحكام عامة فالقرآن قد علمنا منهج "ليسوا سواءً".
وقد سمعت شخصياً من الخرافات والضلالات عند بعض الشيعة -وأؤكد على بعض- التي تجعل الحليم حيراناً..فقد سمعت أحدهم يقول إن الأنبياء كلهم عبيد للحسين، وآخر يقول إن الله يقول الشعر في علي..
لكن ليس هذا موضوع حديثي فالدنيا مليئة بالخرافات، ولو أننا رددنا على كل خرافة لما اتسعت أعمارنا لذلك ولتعطلت حياتنا عن كل عمل نافع..
موضع انتقادي لهذه الفضائيات هو التركيز على مواضيع قديمة، والانشغال بالرد عليها بدل الاهتمام بقضايا نهضة الأمة وفاعليتها..
هذه الفضائيات تمارس دوراً خطيراً فهي تحشد الناس وتشحن النفوس باتجاه معركة مفتعلة ليست هي معركتنا الرئيسة وتسعى لأن تسوق بأن تناقضنا الرئيس هو تناقض داخلي وليس مع الأعداء الخارجيين الذين يتربصون بنا الدوائر ويخططون لتقسيم البلاد وإذلال العباد..
مشكلة القائمين على هذه الفضائيات أنهم حين يفعلون ذلك ويثيرون كل هذا المقدار من الحقد والتعبئة السوداء فهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم بذلك يتقربون إلى الله زلفى، وأنهم يخدمون دينهم ويدافعون عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.
فضلاً عن كون الأسلوب المتبع في هذه الفضائيات أبعد ما يكون عن الحوار الهادئ الذي يؤلف القلوب ولا ينفرها وعن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن التي أمرنا القرآن بها، فضلاً عن الأسلوب فالملاحظة الأهم هي حول جوهر القضايا المثارة، فهي قضايا تاريخية قديمة عفا عليها الزمن ولم تعد مناقشتها ذات أهمية كبيرة في عصرنا الحاضر، فماذا يفيدنا مثلاً أن نثبت بعد ألف وأربعمائة عام أن أبابكر كان أحق بالخلافة من علي رضي الله عنهما، وهل تتوقف رسالة الإسلام دين الرحمة للعالمين على مناقشة هذه القضية؟ وهل سينهار بناء الإسلام إن لم نثبت أحقيتنا في بعض القضايا الثانوية في خلافنا مع الشيعة؟؟..
إن الاستغراق في الماضي والتعصب له حتى لو كان من باب الدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم لا يخدم الإسلام لأنه يصوره وكأنه دين مستغرق في الماضي، وأنه لا يملك أجوبةً شافيةً للتحديات الراهنة، وأن كل ما يستطيع أن يفعله في الوقت الحاضر هو الحنين إلى أمجاد الماضي واجترار الخلافات القديمة والتعصب لأمة قد خلت في الزمان الغابر دون أن يكون له شهود حضاري في هذا الزمان..
الحق أن الإسلام في حالة شباب متجدد ولديه ما يقوله للإجابة عن تحديات كل عصر، وأفضل خدمة نقدمها للإسلام هو أن نلتفت إلى التحديات المعاصرة ونوجد لها الأجوبة الملائمة النابعة من هدي الإسلام.
لقد علمنا القرآن منهجاً غايةً في الروعة للتحرر من أثقال الماضي فقال الله تعالى "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون"..هذه الآية العظيمة تكررت في سورة البقرة مرتين، وهي تدعونا بشكل صريح إلى الالتفات إلى الحاضر بدل الاستغراق في الماضي واجترار أحداثه وأخطائه وتراكماته، لأننا لا نملك تغييره ولن يحاسبنا الله عليه، أما ميدان العمل والفاعلية فهو الحاضر والمستقبل ..
إن الإسلام يقول لنا إننا أبناء الحاضر، وليس بقايا الماضي، واستحضار الماضي يكون فعالاً إذا كان لاستلهام دروسه، وليس إذا حولناه إلى عائق يقيد تفكيرنا ويحول دون انطلاقتنا ووحدتنا ويشوش نظرتنا إلى المستقبل..
حتى إذا كان الحديث عن فضائل الصحابة وأمهات المؤمنين، وهو عمل طيب يشكر عليه أصحابه، إلا أن المبالغة في هذا الجانب فيه خلط للأولويات، ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أن الآيات التي تختص بذكر فضائل الصحابة قليلة العدد مقارنةً مع الآيات التي تدعو مثلاً إلى إقامة العدل والقسط، وتحذر من عاقبة الظالمين، والتي تعد بالمئات، ومن بين عشرات آلاف الصحابة الأجلاء لم يذكر القرآن بصريح العبارة سوى اسم صحابي واحد وهو زيد رضي الله عنه، وهذا الاختلاف في نسب التركيز على المواضيع في القرآن الكريم ليس بدون دلالة، ومن فقه المؤمن كما قال العلامة القرضاوي أن يضخم ما ضخمه القرآن ، وحين يركز القرآن في كل سورة تقريباً على العمل الصالح بينما لا يخصص للحديث عن فضائل الصحابة سوى نسبة ضئيلة، فلأنه يريد منا أن نظل مرتبطين بالمنهج الصافي المجرد المتعالي على الأشخاص وعلى أحداث التاريخ، وهذا ليس تبخيساً من قدر الصحابة ولكنه درس لنا..
استناداً إلى هذا النهج القرآني فإننا مطالبون بالالتفات أكثر إلى قضايا الحاضر، والالتفات إلى تحديات العصر، والإعراض عن الجدل في قضايا تاريخية تجاوزها الزمن..
لقد كان موسى عليه الصلاة والسلام متنبهاً إلى خطورة الاستغراق في مناقشة الماضي لأن ذلك سيكون على حساب القضية الأساسية الحاضرة، فحينما سأله فرعون ما بال القرون الأولى لم يتورط موسى في هذا النوع القاتل من النقاش ولكنه سارع إلى إغلاق الباب بالقول: "علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى"..فليس مهماً تقييم الأمم التي خلت ولكن المهم هو هداية الأمم الحاضرة..
لا أظن أنه سيسر النبي صلى الله عليه وسلم لو قدر له أن يبعث بيننا فرآنا ونحن نصرخ في حبه وفي الدفاع عن زوجته المبرأة عائشة وعن أصحابه الأجلاء ونخصص الخطب والفضائيات لذلك، بينما نحن عاجزون عن التصدي لأعدائنا فضلاً عن قيادة العالم نحو العدل والرحمة ، إن أكثر ما يسر نبينا صلى الله عليه وسلم هو أن نحيي القرآن في حياتنا وأن يرانا مجتمعين متآلفين على هديه سائرين..
إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما قد نجحا في تقديم صورة مشرقة للإسلام ليس بالتباكي على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والاكتفاء بالخطب العصماء في تعديد مناقبه وإفحام شائنيه، ولكنهما خدما الإسلام بمواجهة تحديات عصرهم التي لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حروب الردة وغيرها، وإن كنا صادقين في حبنا لأبي بكر وعمر فإن ذلك يكون بالسير على نهجهما في مواجهة تحديات زماننا المستجدة كما فعلوا مع زمانهم..
إنه لا يعقل أن تستغرقنا الخلافات القديمة إلى هذا الحد، ونغفل عن الأخطار الوجودية التي تتهددنا من كل جانب، فالسودان على شفا حفرة من نار التقسيم أو الحرب، والقدس تهود كما لم يفعل بها من قبل، والصهاينة يعدون العدة لشطب آخر ما تبقى من معالم العروبة والإسلامية في فلسطين ويعلنون على الملأ ضيقهم من وجود الفلسطينيين في أرضهم، والفساد والاستبداد ينخر في بلادنا..أليس في كل هذه الأخطار ما يكفي لاستفزاز عقولنا وتنبيهنا إلى معركتنا الحقيقية؟؟
كأني بالعالم وهو ينظر إلى مثل هذه الفضائيات يسخر من حالنا ويتعجب أن يوجد بشر على كوكب الأرض بهذه الدرجة من السذاجة يناقشون قضايا ميتة ويغفلون عن النار التي تلتهم ديارهم..
إن هذه الفضائيات علمت أم جهلت تقوم بتخدير عقول الأمة وصرفها عن أولوياتها وهي تسير في خط الأنظمة الاستبدادية حتى وإن لم تكن تدري بذلك، لأنها تقوم تصرّف غضب الشعوب إلى مجرى طائفي بدل أن ينفجر في وجه الفساد والاستبداد الذي تمارسه الأنظمة..
يؤسفني أن هناك من أساء توظيف هذه المقالة حين نشرتها قبل أيام وحرف الكلم عن مواضعه فوضعها جزءً من حملة لمهاجمة كل فضائية تذكر الناس بالدين والأخلاق..لذا أرى لزاماً على أن أبين أنني لم أقصد في هذه المقالة تلك الفضائيات التي تدعو إلى مكارم الأخلاق بالحكمة والموعظة الحسنة.فهذه تقوم بدور محمود وهي تساهم من إحدى الجوانب في المشروع الكبير لنهضة الأمة، وإذا قارنا بين هذه الفضائيات وبين فضائيات الخلاعة والمجون فالفرق بينهما كالفرق بين الجنة والنار.ولا يعقل أن يكون لكل ناعق سخيف فضائية، ونحرم ذلك على الذين يدعون الناس إلى الحب والخير والتسامح وصفاء القلوب..
لكنني قصدت في هذه المقالة بصريح العبارة تلك الفضائيات التي تسب وتلعن وتشتم آناء الليل وأطراف النهار..فهذه هي التي تعمق تخلفنا وتزيد أمد رقادنا..
إن ما تحتاجه الأمة اليوم هو فضائيات تجمع ولا تفرق، توعي الأمة بأولوياتها وبالأخطار المحدقة بها، وتقود الأمة في مشروع نهضوي حضاري يجعل لها مكاناً تحت الشمس حتى لا نظل سخرية للآخرين وفتنةً للذين كفروا..
"ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم"
والله أعلى وأعلم..

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

التحرر من ضغط الثقافة..

بقلم أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

كل مولود يولد على الفطرة، وحين تتفتح عيناه على الحياة يكون متحفزاً للتفكير والإبداع، لكن ضغط المجتمع والثقافة السائدة سرعان ما يطفئ هذا النور الفطري، ويجهض أشواقه للاستكشاف والمعرفة، ويضعه في قوالب جامدة لا روح فيها، فيتأطر الفرد وفق ما يريد له المجتمع من تقاليد وأنماط صارمة..

يكبر الفرد ويكبر معه تمسكه بهذه الأنماط التي وجد آباءه عليها، حتى تغدو جزءً راسخاً من كينونته لا يستطيع الفكاك منها، وهي التي توجه سيره وتحدد سلوكه بطريقة لا شعورية، فهو لا يستطيع أن يفكر إلا في دائرة المحددات الثقافية، حتى وإن ظن نفسه حراً في التفكير فليس هذا الظن سوى وهماً كبيراً مثله في ذلك كمثل الكائن الحي في محمية طبيعية فهو ينطلق فيها بأقصى سرعته ويذرعها مجيئاً وإياباً ويظن أنه يمتلك الحرية للانطلاق حيثما شاء دون أن يدرك أنه لا يستطيع ذلك إلا في الحدود التي يسمح بها حراس المحمية، وهو لن يدرك أن حركته مقيدة إلا إذا وقف على حدود المحمية واستشرف العالم الخارجي، حينها فقط سيدرك أن هناك عالماً أوسع وأنه ليس حراً بالقدر الكافي، ونفس الشيء مع الإنسان فهو لا يدرك المقيدات الثقافية والاجتماعية التي تحول دون انطلاق تفكيره إلا إذا اعتزل صخب المجتمع وضوضاءه، وفكر خارج الإطار السائد..

إن الإنسان في غمرة استغراقه في المجتمع وثقافته لا يتصور أن هناك حقيقة خارج الأطر التي رسمها له المجتمع، فالقيم والعادات والتقاليد هي الطريقة المثلى حسب تعبير فرعون "ويذهبا بطريفتكم المثلى"، وليس بالإمكان أبدع مما كان ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ويبين لنا القرآن إلى أي مدى يصل الإنسان في استغراقه في الأفكار التقليدية ورفضه لأي جديد حتى تصبح الحقيقة الواضحة موضع استهجان لا لشيء إلا لأنها ليست ضمن الأطر القديمة:"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب"، هذا في الجانب الفكري أما في الجانب العملي السلوكي فنجد قوم لوط حين استغرقوا في حياة النجاسة صارت الطهارة في مقياسهم تهمةً تستحق الإدانة: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"..

إن القرآن الكريم أعطى اهتماماً كبيراً لضرورة تحرير عقل الإنسان من الأطر السائدة والقوالب الجامدة، ومن يتأمل القرآن بموضوعية وتجرد يدرك أن رسالة القرآن الأساسية هي إيجاد الإنسان المفكر المتحرر "لعلهم يتفكرون"..

إن المجتمع يمثل قوة ضغط هائلة على الفرد تمنعه من التفكير الحر المتجرد من الرؤى المسبقة، والإنسان الفرد حين يخلو مع نفسه ويتجرد من الهوى والقيود الاجتماعية فإنه سيهتدي إلى الحق، لكنه حين يعود بعد ذلك إلى ضوضاء المجتمع وصخبه فإنه سرعان ما ينتكس على رأسه ويجرفه التيار الاجتماعي .لأن مسايرة المجتمع أسهل على النفس من مخالفته، وبذلك فإن الإنسان بين دافعين دافع عقلي وآخر انفعالي، فهو حين يخلو بنفسه ويتجرد للحق فإنه يفكر بعقله لكنه حين ينتكس إلى التقليد الأعمى للمجتمع، فإنما يفعل ذلك بدافع عاطفي انفعالي، ولعل هذا ما دفع القرآن إلى استعمال التعابير الانفعالية في حديثه عن المجتمعات "غمرتهم"، "سكرتهم"، "كل حزب بما لديهم فرحون"..فلم يقل مؤمنون ولا مقتنعون، ولكن فرحون وهذه التعبيرات تدل على سلوك انفعالي..

إن التحرر من هذا الضغط الاجتماعي الهائل لا يكون إلا بالخلوة مع الذات واعتزال تماثيل المجتمع التي هم لها عاكفون:"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا"..ويتساءل المرء:ما سر تخصيص العدد باثنين أو واحد، والإجابة نفهمها في ضوء ما تقدم أن الإنسان حتى يتفكر تفكراً موضوعياً فإنه يجب عليه أولاً أن يتحرر من هيمنة المجتمع وقوالبه الجامدة، ويعيد الاعتبار للعقل الذي كرمه الله به، وهذا لا يصلح أن يكون في تجمعات كبيرة لأنه إذا اجتمع عدد كبير فإن اجتماعهم سيصبغ بالسمات المميزة للمجتمع، فلا يزيد الأمر عن كونه إعادة نسخ لقوالب ميتة، و سيعزز اجتماعهم النمط السائد بدل أن يتحرر منه، كدأب قوم إبراهيم حين نكسوا على رءوسهم بعدما تبين لهم الحق فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم..

لذا لا غرابة لمن يتأمل حياة الأنبياء والفلاسفة والمصلحين أن يجد أن الخطوة الأولى في مسيرتهم الإصلاحية هي الاختلاء مع الذات وتأمل الطبيعة والبعد عن صخب المجتمع ولغوه، نجد هذا عند موسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعند بوذا وغيرهم كثيرون..

إن القرآن الكريم يكرر أكثر من أربعين مرةً ذمه لاتباع الأقوام السابقة الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون"..والآباء هم رمز للهيمنة الاجتماعية، فالإنسان حين ينشأ فإنما يقلد أباه وأقرب الناس إليه ثم المجتمع بمجمله..ومثل هذه القصص القرآنية لا ينبغي أن نسقطها على قريش وعاد وثمود وحسب، بل إن لنا نصيباً من الوقوع في هذه الأمراض فهي أمراض إنسانية عامة، وحال المسلمين كحال غيرهم في مواجهة دعوات التجديد والإصلاح هي قولهم:إنا وجدنا آباءنا على أمة، أو ما يقاربها من ألفاظ كقولهم:حسبنا ما ألفينا عليه السلف الصالح، والعيب ليس في اتباع السلف والآباء من حيث المبدأ، ولكن العيب هو في تعطيل الملكة النقدية والتفكير، واستبدال التقليد الأعمى للسلف بها، لذلك فإن القرآن كان يرد على دعوى الآبائية بالقول:"أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم"..فإن وجدنا هدىً في المجتمع والثقافة أخذنا به وعززناه، ولكن إن وجدنا طريقةً أهدى وجب علينا أن نترك ما كان عليه آباؤنا وأن نتبع الحق..وحتى نكون قادرين على التمييز بين ما نأخذه وما نرده من إرث المجتمع، فإن ذلك لا يكون إلا بالتحرر الفكري، والانعتاق من قيود الثقافة وضغط الأنماط السائدة، والنظر النقدي إلى المنظومة الاجتماعية وإعادة فحص المسلمات وليس تقديسها..

إن قال قائل إننا نحن المسلمين حالة خاصة لأن بين ظهرانينا القرآن الذي لا ينطق عن الهوى فإننا نرد عليه بالقول: صحيح أن القرآن مقدس ويجب أن نأخذه كوحدة واحدة، ولكن تفاعلنا مع القرآن وتفسيرنا له ليس مقدساً، والمسلمون ليسوا ترجمةً دقيقةً لآيات القرآن، ولكنهم خليط من الصواب والخطأ، لذلك فإنه يصيبهم ما يصيب الأقوام والمجتمعات الأخرى من مرض الجمود والانغلاق، والقرآن نفسه هو الذي يلح علينا دائماً بضرورة التفكر والتدبر والتعقل والتحرر من ضغط الآباء..

إن التحرر من ضغط المجتمع يتطلب قوةً هائلةً للانعتاق من الجاذبية، ولا يقدر عليه إلا آحاد الناس من الذين أوتوا العلم والإيمان فيرفعهم الله درجات، وعبر التاريخ فإن أكثر الناس مقلدون ، وقليل هم الذين ينجحون في السباحة ضد التيار الجارف، لذلك فقد خلدهم القرآن بأنهم "السابقون السابقون أولئك المقربون"..لكن هؤلاء القليل هم الذين يغيرون وجه التاريخ دائماً وهم الذين يرتقون بالواقع الإنساني، ولولا هؤلاء القلة لبقي الواقع البشري جامداً معطلاً عن الإبداع متقهقراً إلى الوراء، ولأدى ذلك إلى الانغلاق والتقوقع والموت..

إن النهوض من واقعنا البئيس لا يكون باعادة إنتاج نفس الأنماط التقليدية السائدة والأفكار الميتة فهي علة تخلفنا، ولكن إنتاج واقع جديد يتطلب فكراً جديداً ورؤيةً جديدة، وتحرراً من التقليد والجمود.

إن طريق النهضة لا يكون إلا عبر التجديد وإطلاق العنان للتفكير المتحرر من أية ضغوط وإكراهات..

طوبى للمجددين السابقين الصادقين..فهم الذين يصنعون التاريخ في الدنيا، وهم المقربون في الآخرة..

والله أعلى وأعلم..