الأحد، 19 ديسمبر 2010

عالم ما بعد ويكيليكس

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يمكن النظر إلى زلزال ويكيليكس الذي هز العالم وما زالت توابعه تضرب شرقاً وغرباً في مستويين من الرؤية..

فهناك نظرة تكتيكية يهتم بها السياسيون وفيها تطرح التساؤلات حول الفاعل والدوافع والتوقيت، ونحو هذه الأسئلة التي تتعامل مع الحدث من حيث ظرفيته ومحدوديته، وفي هذا المستوى التكتيكي من الرؤية يمكن أن نتفهم وإن بقدر الحديث عن فرضية مؤامرة، ويمكن تقبل وجاهة الرأي القائل بأن وثائق ويكيليكس لم تأت بجديد، فما الجديد مثلاً في أن نعرف بأن مبارك يكره حماس، أو أن نعرف بأن الجزيرة تخدم الأجندة السياسية لقطر، أو أن نعرف بأن هناك قلقاً خليجياً من الدور الإيراني، وما الجديد الذي تأتينا به وثيقة تقول بأن الكيان الصهيوني يحول دون امتلاك الدول العربية لأسلحة متقدمة، أو وثيقة أخرى تصف أردوغان بأنه إسلامي التوجه أو وثيقة تقول بأن الفاتيكان يعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي..

بالتأكيد ليس كل الوثائق بهذه الدرجة من التبسيط، ولكنها في غالبها تأتي في سياق التوقعات، وجديدها أقرب إلى الكمية منه إلى النوعية، فهي إما توثيق لما كان معروفاً، أو أنها تعزيز لتوقعات واتجاهات مسبقة..

من المسموح أيضاً في مستوى النظرة المرحلية أن يثير البعض علامات تشكيك، فمن يصدق أن ما نشرته ويكيليكس هو كل ما تخفيه أمريكا عن العالم، وأنه لا يوجد في دهاليز سياستها سوى هذا القدر من الخبايا التي يمكن التنبؤ بأكثرها حتى دون وثائق، وأن القوة العظمى لا تتبع وسائل قذرة غير معلنة لإضعاف خصومها وضمان بقاء هيمنتها على العالم مثل دعم تقسيم الدول، وتغذية بؤر التوتر..كما أنه من الوجاهة أن يتساءل البعض عن سر هذا الغياب الملحوظ للوثائق التي تدين الكيان الصهيوني، وهل هي صدفة ألا تكشف مئات آلاف الوثائق التي نشرت حتى اللحظة عن أي أسرار ذات قيمة في علاقات الكيان وأفعاله..

كل ما سبق من تساؤلات وتشكيكات يمكن طرحها في النظر التكتيكي للأمور، ولكن إذا تجاوزنا النظرة الجزئية إلى النظرة الاستراتيجية وجردنا القضية من ملابساتها الوقتية التي سيتجاوزها العالم بعد حين من الدهر مهما بدت الآن قويةً ومتفاعلةً..فإن في نشر كل هذا المقدار الهائل من الوثائق أهميةً استراتيجيةً سيكون لها تداعياتها وتأثيرها على خارطة العالم.ولن يقلل من هذه الأهمية كل ما يثار من تشكيك وشبهات وملابسات ظرفية آنية..

الفكرة الأهم في قصة ويكيليكس هي أن يصير بإمكان فرد واحد أو مجموعة قليلة من الأفراد الحصول على كل هذا القدر من الوثائق السرية بطريقة أو بأخرى، وأن ينجح هذا الفرد الواحد في أن يوقف العالم كله على قدم واحدة وهو يترقب ويحبس أنفاسه..هذا التطور الذي جاء بفضل التقدم التقني وتحول اعتماد العالم الرئيسي على شبكة الانترنت في التوثيق والأرشفة من شأنه أن يهز ثقة العالم في القدرة على الاحتفاظ بالأسرار مدةً كبيرةً من الزمن..وهو الهدف الذي يبدو أنه يحقق نجاحاً ملحوظاً بعد عاصفة ويكيليكس

اهتزاز ثقة العالم بالقدرة على الاحتفاظ بالأسرار في زمن الفضاءات المفتوحة سيدفعه لأن يكون أكثر حذراً وأكثر مراقبةً لأفعاله وأقواله حتى تلك التي في السر ، لأنه يعلم أن ما هو سري اليوم سيصبح معلناً عما قريب، وحين تستشعر الكيانات السياسية هذا التخوف فستكون أكثر تحملاً للمسئولية ولن يكون الفرق كبيراً بين المواقف المعلنة والمواقف السرية، مما سيشكل انتصاراً للشفافية والوضوح..

إن ويكيليكس ليس وليد ذاته ولكنه خطوة طبيعية في سياق التقدم البشري الذي نجح في اجتياز حدود وحواجز لم يكن أحد يحلم بها، مما جعل العالم قريةً صغيرةً يعلم من في أقصاه ما يحدث في أدناه لحظة وقوعه، وصار بإمكان أي واحد أن يتواصل مع العالم عبر شاشة صغيرة وهو في بيته، وبعد أن كان الناس يشكون من قلة المعلومات، صاروا حائرين أمام فيضان المعلومات، وصار التحدي هو تنظيم هذا الطوفان المعرفي وترتيب الأولويات للاستفادة من الأهم قبل المهم..

إن المسيرة البشرية تتقدم نحو مزيد من الانفتاح فمساحات الظل تتقلص بينما تغمر شمس المعرفة مزيداً من المساحات لتبدد ظلمتها، ففي جنح الظلام يمكن للإنسان أن يفعل ما يحلو له دون حسيب أو رقيب، وقد أتى على الإنسان حين من الدهر كانت ترتكب فيه أفظع الجرائم وتتعرض الشعوب للإبادة ثم يغسل المجرم يديه ويخرج مبتسماً دون أن يدري العالم شيئاً عن جريمته، ونحن لا نتحدث عن أزمان سحيقة وحسب، فبالأمس القريب فقط عام 1948 جاءت عصابات الصهاينة إلى فلسطين وشردت شعباً بأكمله دون ضجة كبيرة، ولم تعلم بعض الشعوب القريبة بذلك إلا بعد أشهر..لكننا اليوم وفي حرب غزة مثلاً فإن أحداثها كانت على الهواء مباشرةً على مدار الساعة، وقد أدرك الصهاينة هذا التحول الكبير مما دفع أحد جنرالاتهم إلى القول إنه لو قدر أن تغطى نكبة عام 48 إعلامياًُ كما غطيت حرب غزة لما قامت إسرائيل أصلاً وهذه المقولة تقترب من الحقيقة ، لأن تسليط الضوء على المجرم يحد من حركته، ويدفعه لمراجعة حساباته..

إن تسليط الضوء على المشكلات هو أول الطريق إلى حلها، وكلما تقلصت دائرة السرية والغموض كلما كان ذلك أقرب للشفافية، فانكشاف الأسرار يفرض على الأفراد والمؤسسات والدول سلوكاً جديداً، ويعزز دور الشعوب والمؤسسات المدنية في المحاسبة والمساءلة، لذلك فإن أصحاب المشاريع اللا أخلاقية هم أكثر الناس ميلاً إلى الانزواء في الظلام..

إن البشرية تحث الخطى نحو عصر الفضاءات المفتوحة، ودائرة الظلام والأسرار والكواليس آخذة في الانحسار، والمستفيد الأول من ذلك هو الإنسان، لأن هذه التحولات تقربنا أكثر من الشفافية والمحاسبة والعدالة..

إننا الآن في عصر الانترنت والفضائيات والجزيرة مباشر وغوغل وويكيليكس، ويخلق ما لا تعلمون..

أعلم أن الصورة ليست ورديةً بالكامل، وأنه لا يزال في العالم الكثير من الظلام والظلم والفساد، ولكنها خطوات مهمة في الطريق لا يدرك أهميتها إلا من يدرس تاريخ البشرية ليعرف كيف بدأ الخلق وإلى أي حد وصلت البشرية من الحضارة..

ربما تكون هناك أهداف سياسية وراء تسريبات ويكيليكس، وربما لا يكون، ولكن المؤكد أن الزبد يذهب جفاءً وأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، وأياً كان الأمر فإن الشعوب لم تعد مغيبةً مثلما كان الحال في عصور خلت، واتجاه الحضارة هو نحو تقليص دائرة الأسرار والخبايا ليكون العمل تحت ضوء الشمس، فيوضع كل شيء تحت عين الرقيب، ويعلم المسئولون أنهم محاسبون فيعدون للسؤال جواباً..

ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المجرمون..

والله تعالى أعلم..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق