الجمعة، 10 يونيو 2011


أحداث اليرموك..حتى لا تسيء إلى مسيرات العودة

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

صار واضحاً أن مسيرات العودة التي أبدعها الفلسطينيون في ضوء الروح الجديدة التي تجتاح العالم العربي شكلت نقلةً نوعيةً وتحولاً استراتيجياً في آليات المواجهة مع كيان الاحتلال الإسرائيلي، وأعادت القضية الفلسطينية بعد عقود من التجزئة إلى مربعها الأول كقضية شعب مشرد من وطنه ويريد العودة إليه وليست مجرد قضية استجداء لبعض الفتات السياسي من على موائد اللئام. كما أنها أعادت تفعيل دور اللاجئين خارج حدود الوطن وأشركتهم في المعركة النضالية كجزء أساسي من الشعب الفلسطيني وساهمت في إنقاذ وعي الأجيال الشابة من التشويه والنسيان..

أمام هذه الفائدة الجمة لأسلوب مسيرات العودة بدا القلق الإسرائيلي واضحاً وهم يستشعرون مقدار الخطر الكامن على وجودهم إذا قدر لهذه المسيرات الاستمرار والتنامي، فهشاشة كيانهم لا تحتمل مشهد مئات الآلاف من أصحاب الأرض الأصليين وهم يحاصرونها من كافة الجهات ويجتازون الأسلاك الشائكة في عبورهم نحو بلداتهم وقراهم، وخطورة المسيرتين اللتين نظمتا يومي النكبة والنكسة ليست في حجم المشاركين فيها، بل في كسرها للحاجز النفسي وإلهامها لمئات الألوف لمن لم يشاركوا فيها وتعريفهم بطريق جديدة يمكنهم من خلالها أن يضعوا حداً لسنوات الغربة واللجوء.

ولم يكن صعباً ملاحظة حالة القلق الكبيرة التي تعامل بها الاحتلال مع هذه المسيرات، فرئيس وزراء الاحتلال قال إن هذه المسيرات تكشف بأن الصراع لا يزال على وجود إسرائيل وليس على حدود 67 وحدها، والمعلقون الإسرائيليون علقوا بالقول إن رياح التغيير تدق أبواب إسرائيل، ولم يقتصر القلق الإسرائيلي على التصريحات الإعلامية وحدها بل بذلت إسرائيل كل جهدها للضغط السياسي على الجيش اللبناني لإلغاء مسيرة العودة في لبنان وذلك عن طريق تواصلها مع الإدارة الأمريكية التي أرسلت بدورها مبعوثاً خاصاً إلى لبنان لإلغاء هذه المسيرة، وقد أدت هذه الضغوطات إلى إعلان القائمين على المسيرة في مخيمات لبنان عن تعليقها وليس إلغائها..

أمام هذا القلق الإسرائيلي الكبير وفي ظل الأجواء العربية الجديدة التي أعادت الاعتبار للجماهير كقوة فاعلة وقادرة على التأثير في صناعة الأحداث فإن أصحاب القضية وأعني بهم اللاجئين الفلسطينيين ومناصريهم مطالبون بالانتباه أكثر إلى أهمية هذا النمط النضالي الجديد ومضاعفة الاهتمام بمسيرات العودة من أجل تطويرها والاستفادة منها في إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني العادلة، وما دام الاحتلال القلق من هذه المسيرات سيبذل بالتأكيد كل جهوده من أجل إفشالها في المستقبل فإننا مطالبون في المقابل ببذل كل الجهود من أجل حمايتها ومدها بأسباب الحياة والازدهار، وترسيخ وجودها كثقافة شعبية متجذرة..

إن من الجريمة ومن الخيانة لدماء الشهداء أن يسير البعض الفلسطيني سواءً علم أو لم يعلم في نفس الاتجاه الذي يسير فيه الاحتلال ويساهم في إفشال هذه المسيرات بأي طريقة من الطرق..

لقد شابت مسيرات العودة الثانية بعض المنغصات التي ينبغي أن نسلط الأضواء عليها ونبحث في أسبابها من أجل إجهاضها سريعاً وعدم السماح لها بالتفاقم..

من أبرز هذه المنغصات هو ما حدث أثناء عملية تشييع شهداء مسيرة العودة في مخيم اليرموك في دمشق من مواجهات بين المتظاهرين الغاضبين وبين بعض الفصائل الفلسطينية وأدى إلى مقتل وإصابة عدد آخر من الفلسطينيين..

نتفهم تماماً وبدون أي تحفظ مشاعر الغضب التي عمت أهالي الشهداء وشعورهم بأن هناك من استعمل أبناءهم كورقة لعب سياسية لتحقيق أهداف دنيئة هي أبعد ما تكون عن الدوافع الوطنية والقومية،وأهلنا في مخيمات سوريا مثلهم مثل اللاجئين في كل مكان لا تنقصهم حماسة واستعداد للتضحية في سبيل العودة إلى فلسطين مهما كان الثمن، والشعب الفلسطيني الذي قدم عبر تاريخه النضالي عشرات آلاف الشهداء حتى غدا مضرباً للمثل في التضحية والفداء لا يمكن أن يبخل بتقديم أبنائه في معركة وطنية شريفة. لذا فإن غضب لاجئي اليرموك لم يكن نابعاً من استشهاد أبنائهم على حدود فلسطين بل كان نابعاً من استهتار بعض أصحاب الارتباطات السياسية المشبوهة بدماء أبنائهم وتقديمها ثمناً للمقايضة، ونحن نتفق معهم في هذا الغضب بدون تردد..

لكن ما ننبه إليه هو ضرورة الفصل بين الملابسات التي شابت مسيرة العودة في الجولان هذه المرة تحديداً وبين فكرة مسيرة العودة المشرقة، وعدم السماح لهذه الملابسات بأن تجهض فكرة المسيرات من أساسها أو أن تسيء إليها وتستعمل لإسقاطها سياسياً فهذا هو المحظور الأكبر..ولو حدث هذا لا قدر الله فإننا نقدم أكبر هدية مجانية للاحتلال الإسرائيلي وننقذه من ورطته، بل إننا سنرسخ لديه قناعة بأنه قادر على إرهابنا بالعنف والدماء مما سيغريه باستعمال قدر أكبر من العنف والتقتيل في المرات القادمة

مسيرات العودة هي أشرف وأكبر من كل الفصائل والأنظمة وحساباتها السياسية الضيقة، ومن أبدع فكرة مسيرات العودة لم يكن أي من الأنظمة ولا حتى من الفصائل الفلسطينية، بل كانوا مجموعةً من الشباب غير المؤطر ليس لديهم أية أجندات سياسية، كل ما يريدونه هو تحقيق حلم العودة التاريخي إلى وطنهم وقد واصلوا في سبيل تحقيق هذا الحلم الليل بالنهار بإمكانيات مادية تساوي صفراً، ولم تكن إمكانياتهم سوى الأفكار الإبداعية، والقدرة على الانتشار عبر الانترنت..لا أقول هذا الكلام تحليلاً بل من الموقع الذي تشرفت بأن أكون فيه كأحد أعضاء اللجان التحضيرية لمسيرات العودة..

حين يأتي بعد هذه الجهود الشبابية البريئة الصادقة من يريد أن يركب الموجة ويحرف الاتجاه لمصالحه الخاصة فهذا شيء طبيعي يحدث في كل ثورات العالم، لكنه لا يدين أولئك الشباب المخلصين ولا يسيء إلى نبل فكرتهم وروعتها..

إن هدف مسيرات العودة لم يكن دفع أبنائنا إلى الموت ولا المقامرة بهم في لعبة سياسية حقيرة، بل كان الهدف في هذه المرحلة تحديداً هو إيصال رسالة سياسية وإعلامية قوية إلى العالم بأن الشعب الفلسطيني لا يزال حياً وهو عازم على العودة إلى دياره مهما طال الزمن، وقد تحققت هذه الرسالة بكفاءة عالية، وشكل مشهد عبور اللاجئين في مجدل شمس لفترة وجيزة الحدود في الخامس عشر من أيار ثم عودتهم أكبر اختراق نفسي منذ ثلاثة وستين عاماً..

في ضوء هذا النجاح الكبير الذي حققته مسيرة العودة الأولى فقد كان يفترض أن تدرس الخطوة التالية بعناية حتى نظل محافظين على الموقع المتقدم الذي كسبناه في المرة الأولى ولا تنتكس الأمور إلى الوراء، لذلك فإن من حقنا أن ننظر بريبة إلى كل تصرف أخرق متهور مثل الذي بدا أن هناك من يدفع إليه في الجولان في الخامس من حزيران، وأن نتساءل إن كانت دوافع من يقفون وراءه بريئة، أم أن هناك خطة مقصودة لإفشال فكرة مسيرات العودة من جذورها بترسيخ انطباع لدى الناس بفداحة الثمن المدفوع في مقابل عدم وجود عائد سياسي مستحق لهذه الدماء.

لكن أياً كان الأمر سواءً مقصوداً أو غير مقصود فإن النتيجة واحدة، والنوايا الطيبة لا تكفي وحدها، وما حدث ينبغي أن نستخلص منه العبر والعظات لأن هدفنا من هذه المسيرات في هذه المرحلة هو إرسال رسائل سياسية وإعلامية وإبقاء الاحتلال في حالة قلق دائمة، وليس الهدف الآن هو تحقيق العودة الفعلية إلى داخل فلسطين، وهذا الهدف يمكن تحقيقه بأقل الخسائر، وحين تنضج الظروف لزحف مئات الألوف في وقت واحد باتجاه الحدود فإن الشعب الفلسطيني لن يبخل عن تقديم الشهداء في سبيل تحقيق هذا الهدف..

المطلوب الآن هو المواصلة والاستمرار وإتباع مسيرة العودة الثانية بثالثة ورابعة وعاشرة حتى لا يلتقط العدو أي إشارة ضعف أو وهن منا تقنعه بقدرته على إرهابنا، مع أخذ بعض التدابير التي تقلل من الخسائر البشرية مثل أن يصل اللاجئون في المرة القادمة إلى نقطة تسبق الحدود بكيلو متر واحد أو أقل قليلاً وألا يصلوا إلى نقطة الاحتكاك المباشرة ما دامت الرسالة ستصل في هذه المرحلة دون الاحتكاك المباشر، ونعيد التأكيد على قولنا في هذه المرحلة لأن هذا ليس موقفاً نهائياً نابعاً من إحجام وتخاذل بل هو موقف تكتيكي لبعض الوقت، تتبعه تكتيكات أخرى..

إن مسيرات العودة هي ملك لكل لاجئ فلسطيني وهي أكبر من كل الفصائل وحساباتها الضيقة، والشعب الفلسطيني حين خرج في هذه المسيرات فقد كان خروجه بدوافع ذاتية وليس بتحريض من أي فصيل، ومما يؤسفني قوله هو أن الفصائل كان موقفها دون المستوى المطلوب بكثير تجاه هذه المسيرات رغم ترحيبها الإعلامي بها، وقد كانت سلبية مواقف الفصائل باديةً سواءً في حالة دفع بعضها للمشاركة في سوريا، أو في حالة عدم مشاركتها داخل الأراضي المحتلة، وهو الموقف المستغرب والمستهجن والذي أعجز عن استيعابه حتى الآن. لذلك فإنني أعذر أهلنا في مخيم اليرموك في غضبتهم وهم يهتفون (الشعب يريد إسقاط الفصائل) ونرجو أن يكون هذا الهتاف جرس إنذار لهذه الفصائل بأن عليها أن تكون أكثر اقتراباً من نبض الشارع ومن تفكير المواطن البسيط قبل أن يتجاوزها الشعب ويلفظها كما تلفظ الشعوب الثائرة حكامها..

والله الهادي إلى سواء السبيل..

السبت، 28 مايو 2011


العمل التنظيمي ليس بديلاً عن العمل الشعبي
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
أفكار عشوائية:
(الأجواء الحزبية مضادة للإبداع)
(الانشغال بالتفاصيل التنظيمية يفقد المرء الرؤية الاستراتيجة)
(المجتمعات أكبر من الأحزاب مهما تضخمت..وقوة العمل الشعبي النابع من المجتمعات مباشرةً علامة حياة للمجتمع)
*******
حين تتشكل الأحزاب والتنظيمات في أي مجتمع فإن هدف قيامها يكون هو السعي لتحقيق أهداف عليا للمجتمع، أي أنها تصب في خدمة المجتمع، ولا شك أن العمل المنظم ضروري لتسهيل تحقيق الأهداف وحشد الطاقات، لكن هذه ليست حقيقةً مطلقةً فكما أن للتنظيمات محاسنها فإن لها مساوءها الخطيرة أيضاً.
يبدأ الخلل في وظيفة التنظيم حين ينسى أبناؤه مع طول الأمد بأنه مجرد وسيلة، فيتحول إلى غاية مقصودة بذاتها، ويتمحور التنظيم حول ذاته ويتضخم الاهتمام به على حساب الهدف الذي قام لأجله. وحين نصل إلى هذه الحالة فإن الأهداف المبدئية تتأثر ويتراجع الاهتمام بها، فيكثر من ذكر اسم التنظيم ويقل ذكر الغاية العليا التي من أجلها قام التنظيم. والمحزن أن البشر حين يقعون في هذا الانحراف الخطير فإنهم يمتلكون قدرةً عجيبةً على التبرير فإذا هاجمت التنظيم أو انتقدته اعتبروا ذلك انتقاداً للمبادئ الوطنية أو القومية أو الدينية فإن قلت لهم إن التنظيم ليس نسخةً مطابقةً للمبدأ بالضرورة، قالوا لك إن التنظيم يعمل لتلك الأهداف فبذلك يصبح التنظيم صورةً مثاليةً تعكس المبادئ ويلغى أي احتمال للخطأ والقصور في أدائه ولا يمكن تفسير أي نقد للتنظيم إلا بأنه نقد للمبدأ..
هذا الانحراف يذكرنا بالمشهد القرآني الذي يتحدث عن الذين يبررون عبادتهم للأصنام بأنها تقربهم إلى الله "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلا الله زلفى"، فكان المدخل هو التقرب إلى الله وهو الغاية العليا، ثم تحولت وسيلة التقرب إلى الغاية والمنتهى..
ومفهوم الصنمية الذي يتناوله القرآن عميق، فالصنمية تعني الجمود، والتوقف عند الأشكال وعدم تجاوزها إلى الغاية، وحين يعكف الأفراد على تنظيمهم ولا يتجاوزونه إلى ما وراءه من أهداف كبرى، ويصير هو محور الاهتمام والاعتناء فإنهم بذلك يدخلون حالة الصنمية.
التنظيم يستنزف طاقات عناصره في الأعمال الروتينية والأنشطة التنظيمية مما يشغلهم عن الانتباه إلى الأهداف الكبرى، فمثلاً حين يقوم تنظيم فإنه يعلن من أول يوم أنه قام من أجل تحقيق أهداف وطنية أو قومية أو دينية، لكن هذا التنظيم حتى يرسخ وجوده على أرض الواقع فإنه يولي اهتماماً للأمور الإجرائية والتنظيمية التي تستنزف مساحةً كبيرةً على حساب الاهتمام بالفكرة، فيبدأ بافتتاح المكاتب والمقرات، وتشكيل اللجان والتقسيمات الإدارية، وتوفير المتطلبات اللوجستية، والبحث عن التمويل، وحفظ الأموال واستثمارها، ومراقبة الأداء التنظيمي، وإقامة الأنشطة والمهرجانات والفعاليات، وكل ذلك يتطلب تفريغ عناصر كثيرة من أبناء التنظيم، وهؤلاء بدورهم يصير لهم متطلبات جديدة، فيحتاجون إلى من يقوم بمهمات توفير الطعام والشراب لهم، والتأثيث والمشتريات والنظافة والصيانة، والسكرتارية، وهكذا تضيق الدوائر أكثر فأكثر وتتشعب الأعمال وتتسع، وأغلب هذه الأعمال التي يفرغ لها التنظيم أبناءه هي أعمال روتينية أو إدارية بعيدة عن روح الإبداع وعن جوهر الفكرة، فيستنزف الأفراد في هذه المهمات على حساب الإبداع، وكلما غلبت الأعمال الروتينية، كلما تعطلت طاقات الأفراد الإبداعية وضاق أفقهم، وصاروا أقل قدرةً على استشراف آماد أوسع، وبذلك تنتج عناصر مقلدة لا تفكر ولا تبدع ولا تضيف جديداً.
مثلاً حين يقرر الحزب تنظيم نشاط معين مثل مهرجان فإنه يستنفر عناصره للتجهيزات الفنية لهذا المهرجان مثل توفير الكراسي ونصب المنصة وتجهيز الحافلات، وحشد المشاركين، وغير ذلك من التفاصيل التي تستغرق جهد الأعضاء وأوقاتهم حتى تفقدهم الرؤية الواسعة الشاملة، فليس متوقعاً مثلاً من فرد انشغل كل وقته وجهده بالإخراج الفني لساحة المهرجان أن يتبقى لديه وقت في غمرة انشغاله للتفكير بأساس الموضوع، عن جدوى هذا المهرجان، وهدفه السياسي وإن كان من الحكمة عقده في هذا التوقيت أم لا، رغم أن هذا الفرد على صعيده الشخصي ربما يكون ذكياً ومبدعاً، ولكن انشغاله بالتفاصيل ضيق أفقه، واستنزف ذكاءه في أمور أقل أهمية. وهذا المثال ليس إلا لتقريب المعنى، وهو صورة مصغرة عما يفعله الانشغال بالتنظيم من إضرار بالإبداع الفكري.
الانشغال في التفاصيل التنظيمية يقتل الإبداع عند الإنسان ويفقده زمام المبادرة، فيصبح لدى التنظيم جيوش من المقلدين الذين لا يفكرون فيصبحون عالةً على المجتمع، ويتحول التنظيم ذاته إلى عائق أمام حركة تقدم المجتمع..
من مشكلات التنظيم أنه بطيء الحركة إلى درجة قاتلة وهذا شيء طبيعي، فاتخاذ فرد واحد قراراً يكون أكثر ديناميكيةً وانطلاقاً وبساطةً من اتخاذ اثنين مجتمعين قراراً، والاثنان أكثر ديناميكيةً من العشرة، وحين يكون التنظيم مركزياً وله مؤسساته الضخمة فإن اتخاذ أي قرار بحاجة إلى حسابات معقدة، وهذه الحسابات تقيد حركة التنظيم وتقلل هوامش مرونته وسرعة حركته، فهو كالفيل في حركته بينما الفرد كالغزال في انطلاقته، وهذا البطء يؤدي إلى حالة من الجمود والعجز عن مواكبة التغيرات، ولأن التنظيم يميل إلى الاستقرار والمحافظة على تماسكه فإنه يخشى من المغامرة فلا يتقبل الأفكار الجديدة بحماس ويميل إلى الإبقاء على حالة النمطية والروتين، وقادته ينظرون إلى أي أفكار إبداعية بأنها تهديد لوجودهم.
إن الحسابات السياسية للتنظيم وعلاقاته مع القوى والأطراف المختلفة يكبله ويقيد مواقفه وربما يجعله أقل انسجاماً مع مبادئه ومنطلقاته، بينما العمل الشعبي يكون متحرراً من كل هذه الحسابات، فلو نظم التنظيم تظاهرةً للتعبير عن موقف سياسي معين لربما جلب ذلك له الإحراج مع بعض الأطراف، ولكن لو قام نفس الأفراد المفترضين بالمشاركة في تظاهرة للتعبير عن نفس الموقف، ولكن بصفة شعبية عفوية دون رفع اسم التنظيم وشعاره فإن التنظيم سيكون أكثر تحرراً من الالتزامات والتقييدات، ولن يكون في موضع إدانة ومراجعة. وبذلك يتبين أن تعزيز العمل الشعبي الحر فيه مصلحة للتنظيمات ذاتها، فليس من مصلحة حزب من الأحزاب أن يضع كل البيض في سلته، وأن يحتوي كل المجتمع تحت عباءته، لأنه لن يكون حينها قادراً على المناورة، وربما أدت كثرة القيود والتحديدات التي يفرضها على عناصره إلى انفضاضهم من حوله.
كما أن سعي التنظيم لإظهار نفسه بأنه متماسك وموحد يدفعه لإلغاء مساحات التنوع، فهو لا يريد أن يسمع من بين صفوفه سوى رأي واحد، فيصهر كل قواعده الجماهيرية في هذا الرأي الواحد ويلغي فردياتهم ويحرم المجتمع من طاقاتهم وأفكارهم الإبداعية التي كانت ستصدر عنهم لو أنهم كانوا متحررين من التقييدات التنظيمية، وتجهض هذه الآراء الإبداعية بذرائع الانضباط ووحدة الصف.
وبذلك يتحول التنظيم من حيث لا يشعر إلى عبء على القضية التي قام من أجل نصرتها لأنه عطل طاقات قطاع كبير من المجتمع، وأذاب ملكاتهم الإبداعية في قوالبه الجامدة فلم يعد دورهم يزيد على كونه مجرد سمع وطاعة دون نقد وإبداع..
حين تصل التنظيمات إلى هذه الحالة من الجمود وثقل الحركة وتوقف الإبداع، وهي مرحلة يبدو الوصول إليها حتمياً في ضوء سنن التاريخ ما لم تجدد التنظيمات نفسها، في هذه المرحلة يتقدم ليمسك بزمام المبادرة شباب فتي من الذين لم تنطفئ إشراقة عقولهم في غمرة الأجواء الحزبية المشبعة بالتقليد والجمود، وحافظوا على اتقاد روح الإبداع، فيتحرروا من القيود المكبلة لانطلاقتهم، ويستشرفوا آفاقاً أوسع ويخرجوا من ضيق التنظيم إلى سعة الحياة فيروا المسائل من زوايا متعددة فيكون الإبداع ويأتون بأفكار جديدة غير نمطية تنقذ المجتمع من الضمور والموت وتعطيه دفعةً جديدة.
إن ما ينبغي أن تدركه التنظيمات والأحزاب هو أن الإنسان الذي نفخ الله فيه من روحه يتمرد على التقييد والتحديد والترسيم، والإبداع لا يتأتى إلا بإطلاق العنان للتفكير في كل اتجاه، وعدم حصر العقول في سقوف حزبية يحظر تجاوزها..
لذلك فإن من الخطأ أن يسعى أي تنظيم إلى قولبة المجتمع في إطاره، فيقضي على تنوع الآراء والرؤى، ويلغي فردية الأفراد ولا يسمح إلا بلون واحد ورأي واحد، بل إن من مصلحة التنظيم نفسه ألا يضخم ذاته ويبالغ في تسمينها على حساب المجتمع، لأن المجتمع هو الأصل وليس التنظيم، والتنظيم يمكن أن يحل نفسه بسهولة في أي وقت، ويبقى المجتمع، وقوة المجتمع يستفيد منها التنظيم ذاته، لأن المجتمع حين يكون قوياً مبدعاً ومرناً في حركته فإن هذه الأجواء الإيجابية ستنال التنظيم بخير وستنعكس عليه قوةً وحيوية.
إن التاريخ يحدثنا بأن التغيير يأتي غالباً من خارج القوالب الجاهزة، وما ذلك إلا لأن الأفراد غير المؤطرين هم أكثر قدرةً على استشراف آفاق أوسع، وإطلاق تفكيرهم، واستثارة إبداعهم دون مقيدات ومحددات. وما الثورات العربية منا ببعيد إذ أن من صنع التغيير في هذه البلدان لم تكن التنظيمات ذات العراقة التاريخية، ولا النخب المتفلسفة التي تكثر من حساباتها وقراءاتها، بل شباب بسطاء متحررين من العقد والتعقيدات.
إن كان لا بد من حاجة للتنظيم فيجب أن يظل في حدوده الدنيا حتى لا تستنزف جهود عناصره وعقولهم في بنائه على حساب الاعتناء بالأهداف الكبرى، وأن يكون مرناً فضفاضاً يضع مبادئ عامة، وليس تفاصيل جامدةً في كل صغيرة وكبيرة، ليبقي الباب مفتوحاً لتنوع الآراء ويفسح المجال للإبداع وألا يسعى لأن يكون بديلاًً للمجتمع، وأن يشجع المبادرات الشعبية التي تأتي من خارجه، ويثق بها فلا يسعى لاحتوائها تحت عباءته بل ينظر إليها بأنها تقويه، وليس بأنها تنافسه وتهدد وجوده، حتى وإن اختلفت معه في بعض الجوانب..
إن أمام الأحزاب أن تختار بين اثنتين إما أن تجدد نفسها لتستوعب طاقات المجتمع وتلبي طموح الشباب، أو أن تظل على جمودها فيتجاوزها المجتمع وتجري عليها سنة الاستبدال..
"وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم"
والله أعلى وأعلم..

السبت، 30 أبريل 2011

مسيرة العودة..والموقف الدولي المطلوب

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يعتزم اللاجئون الفلسطينيون في الخامس عشر من مايو القادم تنظيم أكبر تحرك جماهيري لهم منذ ثلاثة وستين عاماً يهدف على إعادة الاعتبار لقضيتهم العادلة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى مربعها الصحيح، وانتشالها من مربعات التجزئة والتقزيم التي نالتها خلال العقود الماضية لتعود القضية الرئيسية هي قضية شعب طرد من وطنه ويريد أن يعود إليه..

الخامس عشر من مايو هو الموعد الذي تتجدد فيه أحزان الذاكرة كل عام إذ يستحضر الفلسطينيون ما حل بهم في هذا التاريخ عام 1948 حين طردوا من ديارهم، وجاء أقوام غرباء من أشتات العالم فحلوا محلهم في أكبر مأساة تحل بشعب من الشعوب في العصر الحديث، لكن الشعب الفلسطيني ببراعته قرر أن يحيل المحنة إلى منحة، وأن يجعل من الركام جسراً للعبور، وأن يوظف هذه الذكرى الحزينة هذه المرة في جهد إيجابي يتجاوز به حالة الندب والبكاء إلى خطوات نضالية نوعية فعالة تقربه من استعادة حقه في العودة إلى دياره المغتصبة.

الفكرة هي أن يخرج اللاجئون الفلسطينيون في مسيرات حاشدة تنطلق من كافة أماكن تواجدهم وتتجه صوب الحدود مع فلسطين المحتلة عام 48 وتعتصم بشكل سلمي وترفع شعارات تنادي بحق العودة..

الفلسطينيون بهذه المسيرة بعد ثلاثة وستين عاماً من تهجيرهم من ديارهم يرسلون رسالةً قويةً إلى العالم بأنهم لم ينسوا حقهم، وأن نظرية الاحتلال بأن الكبار يموتون والصغار ينسون قد باءت بالفشل الذريع، فها هي أجيال ولدت وماتت، وكبر الصغار، وكبر أبناؤهم وأحفادهم دون أن يتسرب إلى الذاكرة شيء من النسيان.

الفلسطينيون قرروا أن يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم بعد أن تواطأ العالم ضدهم خلال كل هذه السنوات، أو على الأقل صمت على مأساتهم وتغافل عنها، هم لا يطلبون أكثر من حقهم في العودة إلى ديارهم وهو الحق المكفول في كافة الشرائع والقوانين.

هذه المسيرة بالإضافة إلى التأكيد على طابعها السلمي فهي مسيرة قانونية لأنها تأتي تطبيقاً للقرار الصادر عن الأمم المتحدة رقم 194، وغيره من القرارات التي توجب السماح بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وفعل المشاركين في هذه المسيرة لا يزيد عن كونه محاولةً لتنفيذ قرار أممي، لذا فإن أي قمع لهذه المسيرة هو خروج على القانون الدولي.

بالتأكيد ستكون إسرائيل في مأزق غير مسبوق في مواجهة هذه المسيرة، فهي مسيرة سلمية وقانونية، وإسرائيل تدرك أكثر من غيرها نقطة ضعفها القاتلة، فهي لم تكن تراهن طوال عمر وجودها على الأرض المغتصبة على شرعيتها الأخلاقية، بل كانت تراهن على نسيان العالم للجريمة التي اقترفتها، وحين ينبعث أصحاب الحق بعد ثلاثة وستين عاماً ويقفون على الحدود أمام مرأى العالم وهم يطلبون الإذن بدخول وطنهم والعودة إلى ديارهم سيتبين حينها حجم المأزق السياسي والأخلاقي الذي تعاني منه إسرائيل.

إسرائيل تسير في عكس اتجاه التاريخ لأن أساس بنيانها باطل، فهي في حالة تناقض صارخة، إذ كيف لدولة أسست من أول يوم على الظلم والقهر والقتل أن تنسجم مع عالم يمضي بخطىً متسارعة نحو مبادئ الحرية والديمقراطية، بينما الفلسطينيون في نضالهم المشروع يسيرون في اتجاه التاريخ ويعمل الزمن لصالحهم، لذا فإن معركتهم مهما طال الأمد فهي مضمونة النتائج.

تستمد مسيرة العودة المرتقبة أهميتها من أنها تفاجئ الاحتلال الإسرائيلي بما لم يكن يحتسب له، وتضرب في نقطة ضعفه القاتلة، وتنبه إلى طريق ثالث متحرر من ثنائية إما مقاومة بالصواريخ والرصاص وإما استجداء بالمفاوضات، فبينما أثبتت المفاوضات عجزها عن تحقيق أي اختراق مهما كان شكلياً، وتيقن المفاوض أنه كان يلهث وراء سراب خادع منذ عشرين عاماً ، فإن المقاومة العسكرية تبدو أيضاً عاجزةً ومشلولة القدرات ومكبلة بالقيود والحسابات السياسية، والمزاج العالمي والعربي الحالي يصب في مصلحة المقاومة الشعبية السلمية، لذا فإن مسيرة العودة تأتي لتخليص الحالة الفلسطينية من حالة الجمود وانسداد الأفق السياسي، وتأتي انسجاماً مع الروح الجديدة التي تسري في العالم العربي.

ما أثبتته الثورات العربية هو أن إرادة الشعوب أقوى من كل إجراءات القمع والاستبداد، وأن كل أشكال القوة هي أضعف من أن تقتل إرادة شعب، وكل ما يمكن أن يمارسه نظام استبدادي أو احتلالي من إجراءات قمعية هي إجراءات مؤقتة لا تنال الشعوب إلا بأذى "لن يضروكم إلا أذى" فلا تنفذ إلى الروح لتقتلها، وفي نهاية المطاف يحق الحق ويبطل الباطل فتزول هذه الأنظمة الظالمة وتبقى الشعوب متجذرةً، وعبثاً يفعل من يحاول أن يمد هذه الكيانات الظالمة بأسباب الدعم والقوة، لأن كل دعمه لن يحول دون سقوطها المحتم "كان ذلك في الكتاب مسطوراً".

ما دامت الأنظمة القائمة على الظلم زائلة، لا محالة والشعوب هي الباقية فإن مصلحة العالم الحقيقية هي بالاصطفاف إلى جانب حقوق الشعوب، لا إلى جانب المعتدين الظالمين، ولأن العالم لا يفهم سوى لغة المصالح فإننا نخاطبه باللغة التي يفهمها، فنقول له:حسناً إن أردتم مصالحكم، ولكن ينبغي أن تعرفوا أين هي مصلحتكم الحقيقية، إنها ليست في دعم الاستبداد والاحتلال، بل إن المصلحة الحقيقية لكم هي بدعم حقوق الشعوب في الحرية والكرامة، فالاستقرار لا يكون إلا بالعدل، وما دامت هناك شعوب تحت الاحتلال فإن الاستقرار العالمي كله في خطر.

الشعوب أذكى مما يتصور الكثيرون، وهي تعلم جيداً صديقها من عدوها، فمن يقف إلى جوار الشعوب من الآن فإنه سيكسبها وسيكسب مصلحته بذلك، لا أن تظلوا على مواقفكم الداعمة لقوى الظلم فإذا انتفضت الشعوب عليها ركبتم الموجة وقلتم إننا نحترم إرادة الشعوب.

إن العالم مطالب من الآن خاصةً بعد أن تبينت له الآيات في الثورات العربية أن يراجع مواقفه وأن يؤمن بأنه لا استقرار حقيقي في العالم إلا بتسوية عادلة لأوضاع كافة المقهورين في أنحاء العالم..

مصلحة العالم الحقيقية ليست في دعم إسرائيل لأن إسرائيل تسير في عكس اتجاه التاريخ التقدمي، ومع الأيام تزداد عزلتها وانحسار مشروعها، وكما يذكر لنا التاريخ بأن دولة أشور ماتت مختنقةً في دروعها فإن إسرائيل تختنق الآن في ترسانتها النووية، وسينتهي مشروعها العنصري دون أن تغني عنها أسلحتها من الله شيئاً، فمصلحة العالم الحقيقية هي في الاصطفاف مع الباقي وليس الفاني، أي في دعم الشعوب ومساندتها في نيل حقوقها المشروعة، ولا يمكن لإسرائيل بعنصريتها واغتصابها لحق شعب كامل أن تكون قادرةً على الانسجام مع العالم الجديد الذي هو آخذ بالتشكل في هذه الأثناء.

لا يبدو أن هناك مكاناً سيتسع لعنصرية إسرائيل في خارطة المستقبل، وعلى العالم أن يختار بين دعم إسرائيل العنصرية الفانية، بما يمثله هذا الدعم من إبقاء حالة التوتر التي تضر بالاستقرار العالمي، وبين دعم دولة ديمقراطية تنسجم مع روح العصر تتحقق فيها العدالة، ويعود فيها أصحاب الأرض الحقيقيين إلى وطنهم..

إن العالم سيدرك هذه الحقيقة حتماً،ولكن السؤال هو:متى سيدركها،وبأي تكلفة؟!

"قد بينا لكم الآيات لعلكم يعقلون"..

صفحة مسيرة العودة: https://www.facebook.com/maseera2011

الاثنين، 18 أبريل 2011

من قتل فيكتور؟
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
(سامحنا يا فيكتور ، ولا تحمل علينا ، وإن التقيت بريتشل لا تخبرها بأسفك
على ما قدمت ، ولا تساوي الكف بالمخرز ، فبئس اليد التي أتيت تصافحها
فطعنتك ، وبئس القلب الذي بكيت لأجله فانتزع قلبك..في رثاء البطل)
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
جريمة اغتيال ناشط السلام الإيطالي المناضل فيتوريا أريغوني المعروف باسم (فيكتور) هي جريمة بشعة ومروعة بكل المقاييس..هذا المناضل الذي حرم نفسه من مباهج الحياة في بلده وترك والديه وخطيبته وأصدقائه وجاء إلى غزة ليتضامن مع أهلها فكان جزاؤه أن قتله بعض المجرمين المفسدين في الأرض.
أعرف فيكتور شخصياً وقد التقيت به أول مرة في أغسطس 2008 حيث كان قطبان أول سفينة كسرت الحصار عن غزة فكان بذلك من السابقين، وسجل له أصدقاؤه كلمةً كان يرددها كثيراً في إبحاره إلى غزة حيث كان يقول :"كن إنساناً"، فقرروا تخليدها بأن أطلقوها اسماً لرحلتهم القادمة إلى غزة..
رأيته وهو يجلس مع خطيبته على شاطئ غزة يحتسيان الشاي وقد سرح ببصره نحو الأفق يتأمل بعينيه العميقتين اتساع البحر وترامي أطرافه، ويرقب أمواجه الهادرة الآتية من بعيد وهي تتكسر على شاطئ غزة، ويبدو أن هذه الزيارة تركت انطباعاً عميقاً في نفسه، فعاد في المرة الثانية بمفرده، ولكن هذه المرة ليبقى وليشارك أهل غزة معاناتهم وصمودهم..
حاورته مرات عديدةً بإنجليزيتي المتكسرة فرأيت فيه شخصيةً مرحةً محبةً للعدالة ثائرةً على الظلم واختلال الموازين في هذا العالم، وقد سألته ذات مرة عن رئيس وزراء بلده برلسكوني، ودعمه لكيان الاحتلال فثار غضبه عليه، ولم يجد ما يعبر به عن غضبه سوى أن قال بلسان عربي فصيح:هذا خنزير، قلت له:ما دام بكل هذا السوء فلماذا أعاد الشعب انتخابه، قال لي:إنه يملك امبراطوريةً من الإعلام يضلل بها الجماهير، فاستفدت من كلامه بأن الديمقراطية منقوصة حتى في بلاد الديمقراطية، وقال لي مرةً أخرى: أنا مسيحي وأنت مسلم، وكلنا إخوة في الإنسانية..
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
لم تكن إقامة فيكتور في غزة للسياحة والتمتع بملذات الحياة، ففي العالم الفسيح خارج غزة متسع لذلك، ولكنه جاء مناضلاً فاختار أن يسكن في غرفة متواضعة في ميناء الصيادين بغزة، كان تواجده في غزة من أجل النضال فكان يتقدم الصفوف في مناهضة الاحتلال، تراه يتقدم المسيرات السلمية على حدود فلسطين المحتلة عام48 بصدره الأعزل وهو يهتف ضد سياسة الاحتلال العنصرية البغيضة.كان يشارك فقراء غزة طعامهم وشرابهم، وكان يلعب مع الأطفال بشخصيته المرحة المعهودة يدخل السرور على قلوبهم، وفي حرب غزة كنت تراه في الميدان يسعف الجرحى، ويحمل الشهداء، كنت تراه مع الصيادين في رحلات صيدهم المحفوفة بالمخاطر، وهم ينتزعون لقمة عيشهم من أنياب الاحتلال والحصار.
لقد ضرب فيكتور مثلاً في الشجاعة والإقدام عجز عنها كثير منا نحن أصحاب القضية من الفلسطينيين والعرب.
هذا القلب النابض بحب الخير والعدالة كان عامل إزعاج لأعداء الحياة والإنسانية، فقرروا أن يوقفوا نبضه، فامتدت إليه الأيادي الآثمة في خلسة من الليل بعد أن تجرد أصحابها من أي قيمة إنسانية وأخلاقية، واقترفوا جريمتهم التي لا تكشف إلا عن نذالة وخسة وحقارة تعجز الكلمات عن التعبير عنها..
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
لكن من الذي قتل فيكتور؟؟
من الصعب جداً افتراض البراءة فيمن اقترف هذه الجريمة الآثمة، أو الظن بأن دافعها الوحيد هو الجمود والانغلاق الفكري، وأنها لا تتعدى كونها فعلاً طائشاً غير محسوب النتائج، فثمة جملة من الملاحظات تعزز فرضية أن تكون هذه الجريمة ذات أهداف سياسية، وأنه أحكم التدبير لها لتحقيق أهداف مسيئة للفلسطينيين في هذه المرحلة الحساسة..
هل هي مصادفة بريئة أن تأتي هذه الجريمة تماماً في الوقت الذي كانت تشهد فيه إسرائيل حالةً من القلق والاستنفار لمناقشة سبل التصدي لأسطول الحرية الثاني وبحث كافة الخيارات لمنع وقوع الاحتلال في ورطة مثل التي وقع فيها العام الماضي أو أشد، حتى أنها استنفرت رئيسها ورئيس وزرائها ووزراء الداخلية والجيش كما لم يحدث من قبل في جولات خارجية عنوانها الرئيسي هو إفشال رحلة أسطول الحرية، وأن يأتي تنفيذ هذه الجريمة بعد ساعات معدودة من تصريح نتنياهو بأن إسرائيل ستبحث في طرق أخرى لمنع انطلاق أسطول الحرية نحو غزة؟!
وإذا استعنا بمبدأ (من المستفيد؟) في محاولة التعرف على الفاعلين، فمن مصلحة من في هذا التوقيت بالذات أن ينتشر بين المتضامنين الأجانب وهم يعدون العدة للإبحار نحو غزة أن غزة تقتل القادمين إليها، ومن الذي يمكن أن يتصل في صبيحة اليوم التالي للجريمة بوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ويقول لهم:ألم أنصحكم يا نظرائي الأعزاء قبل أيام قليلة بأن تمنعوا إبحار المتضامنين صوب غزة؟ وألم أقل لكم إن غزة لا تستحق التضامن معها، وأنها ليست محاصرةً بل هي وكر للإرهاب والتطرف؟
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
هناك ثغرات عديدة تضعف من فرضية أن يكون دافع الجريمة هو التطرف الفكري وحسب، من هذه الثغرات أن المتضامن قتل بعد ساعات قليلة من اختطافه رغم أن من خطفه أعطى في البداية مهلة ثلاثين ساعةً لحكومة غزة للإفراج عن أحد المعتقلين، فلماذا لم ينتظر الخاطفون انقضاء هذه المهلة، وسارعوا إلى قتله، هذا يرجح أن الخطف كان ابتداءً بقصد القتل، كذلك فإن تعمد نشر صور تبين خنقه وقتله بطريقة بشعة من شأنه أن يضاعف من أضرار هذه الجريمة على الفلسطينيين، وأن يضاعف من تأثيرها السلبي على نفوس المتضامنين مع الشعب الفلسطيني.
أضف إلى ذلك ما أعلنته المصادر الأمنية في غزة بأن أحد المقبوض عليهم بتهمة المشاركة في الجريمة هو شخص مشبوه أمنياً، وأنهم تلقوا أوامر التنفيذ من جهات مجهولة عبر الانترنت.
من الملاحظات القوية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار هو نفي ما تسمى جماعة التوحيد والجهاد مسئوليتها عن هذه الجريمة، بعد أن كان قد أعلن بأنها هي من نفذت هذه الجريمة، وهذا النفي له قيمة كبيرة، فأصحاب هذا الفكر المتشدد رغم أننا نرفض فكرهم إلا أن هذا ينبغي ألا يخرجنا عن العدل في التعامل معهم..صحيح أن فكرهم منحرف ومتشدد إلا أنهم أقرب إلى الصدق من غيرهم، لأنهم ليسوا أصحاب خبرة كبيرة في فنون الكذب والمناورة، وهم أصحاب مبدأ وليسوا ساسةً فإذا فعلوا شيئاً برروه ودافعوا عنه، وحين يقولون أننا لم نفعل هذا فالأرجح أنهم صادقون، ويبقى التحري الدقيق هو الحكم في هذه المسألة..
بالطبع فإنه ليس من الصعب على إسرائيل بأذرعها الأمنية الطويلة أن تقوم بمثل هذه الجريمة في غزة، فغزة بحكم التصاقها بالاحتلال ووقوعها تحت الاحتلال المباشر عقوداً طويلة هي ساحة مكشوفة يمكن بسهولة تنفيذ مثل هذه العملية فيها..
سواءً كان من يقف وراء هذه الجريمة هي إسرائيل أو الفكر المتطرف أو أن تزاوج كليهما قد أنتج الجريمة، فاستفادت إسرائيل من وجود قلة من أصحاب الفكر المنحرف وقامت باختراقهم وتوجيههم من حيث لا يشعرون في الاتجاه الذي يخدمها، أياً كان الأمر فإن الواضح هو أن المستفيد الأكبر من هذه الجريمة هي إسرائيل خاصةً في هذا التوقيت الحرج، وأن الخاسر الأكبر منها هو الشعب الفلسطيني وقضيته الأخلاقية العادلة، والجهل هو الوجه الآخر للخيانة فكلاهما في الضرر سواءً، ولا تبرر مثل هذه الجريمة مهما كانت نوايا أصحابها وقناعاتهم الفكرية.
إننا أمام لحظات صعبة تعصف بنا بعد هذه الجريمة البشعة، ويجب أن نقوم بكثير من العمل لكشف الفاعلين الحقيقيين لهذه الجريمة، ولإقناع حركة التضامن العالمية بأن هذه ليست غزة، وأن هذه الفعلة الآثمة لا تعبر عن قيم الشعب الفلسطيني وأخلاقه، وأن فلسطين لا تنكر جميل من وقف معها وناصرها، ومن قام بهذه الجريمة على افتراض أنهم فلسطينيون فهم أفراد معزولون لا يمثلون الصورة الحقيقية لجهاد شعبنا وتضحياته، بل إنهم امتداد للاحتلال الإسرائيلي ولن يخلو مجتمع في الدنيا من أصحاب قناعات منحرفة، لكن الشعوب لا تؤاخذ بجريرة مثل هذه القلة المنحرفة.
إذا كان هدف الفاعل الحقيقي لهذه الجريمة هو التأثير على حركة التضامن الدولية، فإن في إعلان والدة فيكتور نيتها المشاركة في أسطول الحرية الثاني إفشالاً لهذا المخطط القذر، وطعنةً في الصميم له، وهذا يعني بفضل الله أن هذه الجريمة لم تنجح في الإساءة لصورة غزة الصامدة الأبية..فشكراً لك أيتها الوالدة الصابرة..
ختاماً أوجه كلمتي لبعض وسائل الإعلام التي ما إن تحدث مثل هذه الحوادث في غزة حتى يصوروا غزة بأنها باتت مأوىً للإرهاب والتطرف، وأن قضية غزة الأولى هي مثل هؤلاء الأفراد النشاز إن ثبت وجودهم، وليست قضية شعب يتوق للحرية ويعاني من الاحتلال والحصار، ونفس هذه الفضائيات لا تتناول الوجه المشرق لغزة في مقاومتها للاحتلال وصمودها في الحصار إلا قليلاً، أقول لهم إن كيدكم سيرد إلى نحوركم ولم تعد الشعوب على درجة من السذاجة التي تظنونها، ومن سيخسر من التحريض الذي تمارسونه هو أنتم لأن الشعوب ستنفض عنكم بعد أن اكتشفت ألاعيبكم وتجردكم من المهنية وأخلاق العمل..
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
تحديث/
علمت بعد أن فرغت من كتابة هذه المقالة بأن فيكتور كان قد أوصى خطيبته قائلاً:" إذا استشهدت في غزة فلا تخرجوا جثماني من معبر إيرز ولكن أخرجوه من معبر رفح حتى أكسر الحصار عن غزة"..وهذا ما كان فعلاً حيث جاءت خطيبته عبر معبر رفح لتسلم جثمانه..
ما أعظمك يافيكتور وأنت تفكر في كسر الحصار عنا حتى بعد استشهادك، وما أجبن وأنذل من تجرأوا على اقتراف الجريمة بحقك..
وإنا لله وإنا إليه راجعون
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"
والله أعلى وأعلم..

الجمعة، 15 أبريل 2011

لا ممانعة حقيقية إلا بأنظمة ديمقراطية
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
في يوم الجمعة المباركة الثامن من أبريل 2011 وفي نفس الوقت الذي كانت الأراضي المحتلة تشهد فيه تصعيداً إسرائيلياً أسفر عن استشهاد أكثر من عشرة فلسطينيين كانت قوات الأمن التابعة لنظام عربي يرفع شعار الممانعة تطلق النار على أبناء شعبها الذين خرجوا منادين بالحرية لتحصد زهاء الأربعين شهيداً، أي حوالي أربعة أضعاف من قتلهم الاحتلال في نفس اليوم.
هذا النظام العربي الممانع وهو يقتل أبناء شعبه فإنه يبرر ذلك بأنه يتصدى لمؤامرة أجنبية تستهدف النيل من صموده وممانعته، وإذا فهمنا مصطلح الممانعة بأنه يعني إفشال المشروع الإسرائيلي القائم على قتل الفلسطينيين واغتصاب حقوقهم وممارسة أبشع ألوان الظلم عليهم، فهذا يعني أن هذا النظام يجعل من رفضه لسياسة القتل والظلم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين مسوغاً لكي يقوم هو بقتل أبناء شعبه، وممارسة الاضطهاد بحقهم.
ما نريد أن نذكر به هذا النظام هو أن المبادئ لا تتجزأ ومن قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً، والإنسان مقدس أياً كان لونه وجنسيته، وميزان الحق لا يفرق بين قطرة دم تراق بأيد عربية أو إسرائيلية، والاستبداد لا يزيد عن كونه وجهاً آخر للاحتلال، ومن يسعى للتحرر من الاحتلال فإنه لا يفعل ذلك ليستبدل به قيداً آخر وسجانين آخرين، فالمعركة ضد الاحتلال وضد الاستبداد واحدة، وحرية الإنسان هي الأصل لا تقبل المقايضة عليها تحت أي ذريعة أو حجة.
لقد جاء الإسلام ليحطم الأصنام كلها ويحرر البشرية من العبودية لغير الله، ومع ذلك فلا تزال الأصنام مزدهرةً في عالمنا العربي بعد أن اتخذت أشكالاً جديدةً، فإن كانت البشرية في عهودها الأولى قد عرفت نوعاً من الصنمية الساذجة المباشرة بتقديم القرابين الإنسانية على مذابح الأصنام الحجرية، فإن هناك أشكالاً أكثر خفاءً من الصنمية لا تزال موجودةً في عصرنا هذا، فلا نزال نقدم القرابين البشرية على مذابح أصنام الشعارات والأيديولوجيات الكاذبة، أو فداءً للقائد البطل الملهم والزعيم الأوحد، ولا يزال يقتل الإنسان وتنتهك كرامته بدعوى مصلحة الوطن أو الحزب أو القومية أو القائد الملهم، وكلها لا تزيد عن كونها أصناماً تعبد من دون الله.
إن القدسية الحقيقية هي للإنسان، فهو سيد الكون وهو بنيان الله في أرضه، وحرية الإنسان هي الأساس، وكل دعوى تقدم أي شعار على حرية الإنسان وكرامته فهي دعوى ساقطة، وهي إحياء للصنمية والشرك الذي جاء دين التوحيد لينسفه.
من روائع ما يلفت إليه القرآن الكريم أنه يقدم كرامة الإنسان على الأوطان، بل إنه يوجب ترك الأوطان إن تعارض البقاء فيها مع كرامة الإنسان، ولا يبرر له القبول بحالة الاستضعاف من أجل البقاء في وطنه "ألم تكن أرضي واسعةً فتهاجروا فيها"، فقدسية الوطن لا تكون إلا حين يعيش أبناؤه فيه أحراراً، أو يكونوا قادرين على الأقل على التعبير عن رفضهم للظلم، وربما يكون في هذا النهج القرآني نسف لثقافة سائدة بيننا تبرر التضحية بكرامة الإنسان في سبيل الأرض والطين.
إن التذرع بالمؤامرة والتحديات الخارجية لتبرير الاستبداد الداخلي ولقتل الأصوات المعارضة هو عمل شائن تمارسه الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، فأي فائدة ترتجى من هذه الأنظمة بعد أن تقتل الإنسان في بلادها، وإذا قتل الإنسان-ليس بالضرورة قتلاً مادياً، ولكن قتلاً روحياً بمصادرة حقه في التعبير عن نفسه- فأي قيمة تبقى للشعارات الوطنية والقومية التي يرددها النظام.
أستحضر أحد الأحاديث النبوية التي تخبرنا عن فتن آخر الزمان حين تحدث مقتلة عظيمة في المسلمين فيعلق النبي صلى الله عليه وسلم عليها ويقول "فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم"، أي ما قيمة ما سيغنمه المسلمون من أموال طائلة بعد أن قتل منهم أكثرهم، وعلى ذلك نقيس ونقول "فبأي ممانعة نفرح، أو أي ميراث نقاسم وقد خسرنا أغلى ما عندنا وهو الإنسان، وما قيمة أن نحرر الجولان أو حتى فلسطين كلها وقد قتلنا الإنسان، وماذا نفعل بالتراب والطين من دون الإنسان؟
السبيل الأمثل للتصدي للمؤامرات الخارجية وإفشالها لا يكون بتكميم الأفواه ومصادرة الحريات وقتل كرامة الإنسان، بل بتمتين الجبهة الداخلية وإطلاق الحريات وإقامة أنظمة ديمقراطية تعبر عن تطلعات شعوبها، لأن الحكومات حين تكون منتخبةً ديمقراطياً فإنها تكون أكثر انسجاماً مع شعوبها، وتكون صاحبة شرعية راسخة لا تهزها كل المؤامرات الخارجية، فالشرعية المستمدة من الداخل لا يملك أي طرف خارجي أن ينتزعها، ولكن حين تكون شرعية النظام مستمدةً من القوة والإكراه وقمع الناس فإنها تكون في مهب الريح، ولن تصمد أمام عواصف التغيير حين تهب عليها لأن مثلها كمثل شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
لا أتحدث في هذه السطور بمنطق السياسي، بل بمنطق الحق والمبادئ الذي لا يقيم اعتباراً لأي حسابات سياسية ومصالحية حين يتعلق الأمر بانتهاك قضايا الحق والعدل في أي مكان، فمنطق الحق لا يعترف بالحدود الجغرافية والفوارق الوطنية، وقضية أي مظلوم في أي مكان من العالم ينبغي أن تكون قضية الجميع، وحيثما كان الحق والعدل نكون..
إن الدرس المستفاد من العواصف التي تجتاح بعض البلاد العربية هو أن ما بني على باطل فهو باطل وأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن كل محاولات التزويق والترقيع لا تنجح في قلب الحقائق، وإذا لم يكن البناء قائماً على أسس متينة وقوية فإنه على جرف هار سينهار به يوماً ما.
إن الأساس القوي الذي يحمي الدول والمجتمعات هو العدل الداخلي، واحترام كرامة الإنسان وحريته، وإن أي تشدق بالصمود والممانعة ما لم يسانده رصيد داخلي من احترام كرامة الإنسان فهو ادعاء زائف، لأن المبادئ لا تتجزأ ومن ينتهك حقوق الإنسان من بني جلدته، لا يراهن عليه بأن ينصر قضايا الحق والعدالة خارج بلده، وإن فعل ذلك فإنه سيفعله انطلاقاً من حسابات مصلحية ضيقة وليس كموقف مبدئي أخلاقي، وسيكون مستعداً في أي لحظة للتخلي عن مناصرة تلك القضايا من غير تردد إذا تبين له أن مصلحته في التخلي عنها.
إننا نعيش أياماً مباركةً تهاوت فيها كثير من دعاوى الباطل، وتكشفت الحقائق، وافتضح الزيف، فلم يبق مجال بعد اليوم للدعاوى الكاذبة، والشعارات البراقة الخادعة، ولن يصح إلا الصحيح ، ولا يحق إلا الحق، وإن الممانعة الحقيقية التي تخيف إسرائيل والداعمين لها هي الممانعة النابعة من الشعوب وتطلعاتها لأن الشعوب أكثر استعصاءً على التطويع وأكثر صدقاً وجديةً في مواقفها المعلنة، ومن يريد أن يواجه إسرائيل ويتغلب عليها فإن أفضل ما يمكن أن يفعله في سبيل ذلك هو الإصلاح الداخلي وإعادة الاعتبار لكرامة شعبه المهدورة..
ختاماً وتتمةً للفائدة فإنني أحيلكم لمطالعة ما كتبه الباحث الفلسطيني صالح النعامي حول خرافة ممانعة الأنظمة الاستبدادية في مقالته القيمة التي حملت عنوان "الاستبداد في مواجهة الاستبداد":
"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"..

الجمعة، 1 أبريل 2011

الإعلام الشعبي..خطوة في طريق التقدم الإنساني
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
لم يعد شرطاً أن يمتلك الإنسان ميزانيةً بضخامة ميزانية دولة قطر ليكون قادراً على التأثير في الرأي العام، أو أن يكون صاحب ثقل سياسي، فقط ما يحتاجه اليوم هو أن يكون صاحب فكرة وأن يثابر في العمل من أجل فكرته حتى تنتشر وتملأ الآفاق.
لقد مثل ظهور الإعلام الشعبي أو الإعلام الجديد خطوةً مهمةً في مسار التقدم الإنساني إذ كسر احتكار فئة قليلة من أصحاب المال والنفوذ السياسي لعملية توجيه تفكير الناس، ووزع حق إسماع الصوت على الناس جميعاً بشكل متساو، فلم يعد الإعلام الرسمي هو النافذة الوحيدة التي لا يمكننا رؤية العالم إلا من خلالها، يوجهنا كيفما يشاء.
لا أقصد بالإعلام الرسمي فقط ذلك النوع من الإعلام الحكومي الخشبي الذي كل الدهر عليه وشرب، والقائم على أخبار استقبل سيادته وودع فخامته وأشاد سموه، فهذا نوع من الإعلام الساذج تجاوزته الجماهير منذ زمن، ولكن أقصد بوصف الإعلام الرسمي أي نوع من وسائل الإعلام الممولة من أي جهة كانت، فهذا الوصف يشمل أي فضائية وأي صحيفة وأي إذاعة، مهما كانت دعاوى استقلاليتها ومهنيتها. صحيح أنهم ليسوا سواءً وليس من العدل أن نضع الجميع في سلة واحدة، فهناك فضائيات فيها هوامش للرأي أوسع من غيرها بما لا يجوز مقارنتها معها، ولكن ما يجمع بين كل الفضائيات أنها ممولة من جهة ما، ومن يمتلك المال يمتلك القرار، فمهما كانت مساحة الحرية الممنوحة لأي وسيلة إعلام فإن هناك سقفاً لا يمكنها أن تتجاوزه، ولا يمكن أن يأتي يوم تنتقد فيه وسيلة إعلامية الجهة الممولة لها.
وإذا كانت خرافة حياد الإعلام الممول ظهرت في اختلاف تعامل قناة الجزيرة مع الثورة في كل من مصر وسوريا، فإنها ستسقط سقوطاً مدوياً فيما لو حدث أن شهدت قطر يوماً ما تظاهرات ضد نظامها ، حينها لن يظل هناك متسع لأي شعار حول المهنية والرأي الآخر والله أعلم.
بالطبع لا نقلل من حجم الإضافة النوعية التي قدمتها قناة الجزيرة للإعلام العربي، ولا من حجم هوامش الحرية التي أفادتنا كثيراً، ولا يسعنا إلا أن نشكرها على ذلك، وربما يكون من حقها أن تستفيد من هذا الذكاء الإعلامي في تحقيق أهداف سياسية ولا نلومها. ولكن في ذات الوقت فإن العشق الكامن في نفوس البشر للحرية والانطلاق يأبى أن يظل مرتهناً لسقوف محددة ترسمها له أي جهة كانت، وأن تملي عليه هذه الجهة اتجاه تفكيره، وترتيب أولوياته.
من هنا تأتي أهمية الإعلام الشعبي الذي يديره الناس أنفسهم دون ترسيم أو تحديد أو تزويق، ويعبرون فيه عن كل ما يخطر ببالهم من أفكار بطريقة عفوية تلقائية متحررة من مقص الرقيب، هذا اللون الجديد من الإعلام أتاحه ظهور الانترنت خاصةً مواقعه التفاعلية مثل المنتديات والمدونات واليوتيوب والفيس بوك وغيرها، فلم يعد المواطن في موضع المتلقي السلبي، بل تحول إلى موقع المبادرة والإيجابية، والفعل.
لم يعد دور المواطن مقتصراً على تناول وجبة جاهزة من المادة الإعلامية تطبخها له هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، بل صار ناقداً ومشاركاً، يحلل ويوازن، ويشارك بالأفكار والأخبار، وبذلك أسقط الإعلام الشعبي أسلوب التلقين الماسخ لشخصية الإنسان وكرامته، وصار الإنسان متفاعلاً ومبادراً.
هذه التفاعلية التي ميزت الإعلام الشعبي فتحت الطريق أمام الفاعلية، فالناس في الإعلام الشعبي لا يقتصر هدف مشاركتهم على التسلية والمطالعة السلبية للأخبار والبرامج كما هو الحال في متابعتهم للفضائيات والصحف، لكن محور الإعلام الشعبي هو العمل، فالناس لا يختارون من المواضيع إلا ما كان وثيق الصلة بحياتهم الاجتماعية والسياسية والدينية، وما يحدد حجم تفاعلهم مع القضايا المطروحة هو مدى ارتباط هذه القضية بواقعهم المعاش، وحين يطالع الإنسان خبراً يهمه في الإعلام التفاعلي، فإنه لا يتصرف كما يتصرف في الإعلام الممول فيقلب صفحة الجريدة، أو يغير على المحطة، أو يذهب لينام، بل إنه يسارع لإبداء رأيه ولاقتراح الأفكار العملية، ويساهم في عملية التحشيد وراء هذه الأفكار حتى تتحول إلى قوة شعبية ضاغطة قادرة على صناعة التغيير.
إن الميزة الأهم للإعلام الشعبي هي أنه حرر الأفكار من احتكار أصحاب القوة والنفوذ، فبمقدار ما تمتلك من أفكار إبداعية بمقدار ما يكون لك تأثير، وهذا يعني أننا نتوجه نحو عالم أكثر عدالةً، يكون فيه تكافؤ فرص حقيقية ليعبر كل إنسان عن رأيه دون وصاية من أحد عليه، فليس من الحق أو العدل أن يسمع الآخر صوته للعالم، ويظل صوتي حبيس صدري، لا لشيء إلا لأنه تصادف أنه يملك مالاً ونفوذاً أكثر مني، فهذه ليست مقاييس تفاضل حقيقية بين البشر، وما يفاضل بين البشر حقيقةً هو ما يملكونه من أفكار.فإذا تكافأت فرص الجميع في نشر أفكارهم، بما في ذلك أصحاب الأفكار الفاسدة والمنحرفة فستكون العاقبة حتماً لأفكار الخير والحق والعدل التي تنفع الناس وترتقي بحضارتهم وفق القانون القرآني "فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
إن البشر بما في داخلهم من أشواق روحية إلهية يستعصون على كل ترسيم وتقييد وخنق لحقهم المقدس في التفكير بحرية والتعبير عن أفكارهم، وإن الإعلام الشعبي قد بدأ بسحب البساط من تحت أقدام الإعلام الموجه المرسم، ونحن على يقين بأن المستقبل سيشهد المزيد في هذا الاتجاه، وحتى الإعلام الشعبي ذاته سيتطور، وإذا كان موقع الفيس بوك بكل ما أتاحه من مساحات واسعة للحرية قد وضع سقفاً لا يسمح بتجاوزه خاصةً حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن الناس سيتجاوزونه بدوره، وسيبدعون من الوسائل ما هو أكثر حريةً وأرحب فضاءً ما لم يراجع نفسه، وما سينقذ وسائل الإعلام الحالية من الاندثار هي أن تسارع إلى إدراك هذه التطورات فتعزز الإعلام التفاعلي في داخلها وتصبح أكثر مرونةً واستجابةً لأشواق الجماهير المخبوءة في الصدور حتى قبل أن تخرج هذه الأشواق إلى العلن لأن خروجها سيكون مباغتاً ومدمراً، وسيطيح بكل الحدود والسدود.
إن تاريخ البشرية يسير في اتجاه تقدمي لتحقيق غاية إلهية عظيمة، وهي تجلية النفخة الروحية التي كرم الله بها الإنسان، وانتصارها على ملابسات الطين والغرائز، وهذا هو وعد الله للملائكة "إني أعلم ما لا تعلمون"، فكل الإنجازات التي ينجزها البشر تصب في صالح إظهار ما هو روحي في الإنسان، وتحييد ما هو أرضي، وبهذا المنطق فإن المال والنفوذ التي يتفاوت فيها البشر ويتفاضلون هي أمور أرضية لا تمثل تفاضلاً حقيقياً، بينما الفكر هو أمر إلهي في الإنسان، لذلك فإن الغلبة للفكر دائماً، وفلسفة الإعلام الشعبي أنه يمثل تقدماً وانتصاراً لما هو إلهي، وهو الفكر، فهو الذي يجعل من الإنسان إنساناً، وهو الذي يقوده إلى طريق الحق والعدل..
"ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون".

الثلاثاء، 29 مارس 2011

عقدة النقص عند بعض العرب

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يعاني بعض العرب بحكم طول أمد الهزيمة الحضارية التي عايشوها مما يمكن تسميته بعقدة الأجنبي..

هذه العقدة تتجلى بالانبهار بكل ما له صلة بالغرب، وذلك للاعتقاد بتفوقه، في أسلوب طفولي لتقليد الكبار في كل شيء حتى في الأمور التي لا علاقة لكونهم كباراً بها..

هذا التقليد الأعمى يكشف عن انعدام الثقة بالنفس.

نرى هذه النفسية تتجلى في الاستعمال غير المبرر لكلمات أجنبية وإقحامها في سياق الحديث دون وجود حاجة إليها في توضيح المعني ليظهر المتحدث نفسه بأنه متحضر وعصري ومتحرر من ثقافة التخلف العربية حسب ظنه.

كما نراها في شيوع إطلاق أسماء أجنبية على الفنادق والصالونات والشوارع وغيرها، مع أن اللغة العربية ثرية وتستوعب لهذه التسميات.

نرى هذه النفسية الانهزامية في محاكاة الأجانب حتى في طريقة اللبس، والأكل والاحتفالات، وغيرها، فتجد أحدهم يأكل بشماله ويتناول طعامه بالشوكة والسكين ليظهر نفسه بمظهر حضاري وكأنه بهذه الطريقة -ما شاء الله عليه- سيتدفق عقله بحكمة الغرب وحضارته.

هذا التقليد يمكن فهمه مقاربةً بنظرية بافلوف في الارتباط الشرطي اللاواعي، فكما أن الكلب في هذه النظرية بمجرد سماعه دق الجرس يسيل لعابه لأن هذا الصوت ارتبط في ذهنه بإحضار الطعام فيصير دق الجرس في حد ذاته مثيراً للعاب حتى دون إحضار الطعام، كذلك صاحبنا المنبهر يصير مجرد محاكاة الأجنبي في لباسه وطريقه طعامه وشرابه وكلامه مظهراً حضارياً حتى وإن كان فارغ المحتوى غير جاد في البحث العلمي والقراءة غير ملتزم بمواعيده، لا يفكر ولا يبدع، وهي الأمور التي تصنع الحضارة بحق.

للتنويه فالتشبيه بالكلب ليس بقصد الشتيمة ولكن من باب الأمانة العلمية ونقل النظرية كما هي..

المقلد يبحث عن التقدم والحضارة، وهو يظن أن الغربي يمتلك هذه الحضارة، وحتى الآن لا توجد مشكلة، ولكن المشكلة هي في تحول هذا التقليد إلى تقليد أعمى لا يفرق بين العوامل الحقيقية لتقدم الأجانب فيستفيد منها ويتمثلها في حياته، وبين الأمور التي تخضع لاختلاف البيئة الثقافية.

لا أقول إنني لست ضد أن نستفيد من الغرب في جوانبه الإيجابية التي أدت إلى صناعة حضارته، فالقضية ليست مجرد جواز بل هي فريضة، وهذه القيم الحضارية وإن كان للغرب فضل السبق فهي قيم إنسانية يجب على كل من يبحث عن التقدم الإنساني أن يستوعبها وينطلق منها، لكنني أنهى عن مرض فقدان الثقة بالنفس، لأن من يفقد ثقته بنفسه ويعيش بنفسية المنهزم ويعاني من عقدة النقص غير مؤهل للتفكير الحر والإبداع والمساهمة النوعية في خدمة البشرية.

هناك علاقة بين العلم وبين الثقة بالنفس فكلما كان الإنسان أكثر رسوخاً في العلم كلما كان أكثر قدرةً على التمييز بين المظاهر والجواهر، وكلما صار أكثر دقةً في معرفة ماذا يأخذ وماذا يترك، وكان أبعد عن التعميم والقوالب الجاهزة، فلا يقيس الأمور بمنطق الثنائيات، بل يمتلك رؤية نقديةً في جميع المراحل فيستفيد من السمين ويترك الغث.

هذه الهزيمة النفسية التي نتحدث عنها لا تقتصر على بعض السلوكيات من قبل بعض الشباب المراهق، بل تنال حياتنا الثقافية والفكرية كذلك، فإذا أراد أحدهم أن يؤكد لك حقيقةً قال لك: (اكتشف باحث غربي-أو ياباني أو ألماني أو أمريكي) فإذا سمع المتلقي هذه اللازمة ألقى سمعه بعناية، ومما يزيد الأمر أسفاً أن تظهر عقدة النقص هذه حتى عند من يريدون أن يدعوا إلى دين الإسلام، فهو في سبيل إثبات عظمة هذا الدين يستشهد لك بأقوال شاعر غربي أو فيلسوف أو كاتب وربما أقل من ذلك، فقط يكفي أن يكون اسمه روبرت أو فيليب أو فريدريك، وإذا أراد أن يثبت إعجاز القرآن قال: لقد قال باحثون غربيون كذا وكذا وقد سبقهم القرآن بألف وأربعمائة عام، وهو لا يدري أنه بهذه الطريقة يثبت عجز المسلمين قبل أن يثبت إعجاز الإسلام.وقد كان الأولى أن يكون هناك باحثون عرب نستشهد بأقوالهم فهذا يعني أننا بتنا عاجزين حتى عن رؤية عظمة ديننا إلا بمنظور غربي، وأننا نتلمس منهم أن يشهدوا لنا بصواب موقفنا، وأنى لمن يعيش بهذه النفسية المنهزمة المترددة أن يقود البشرية وأن يقدم لها مشروعاً حضارياً.

ويا ليت هذا الشعور بالنقص قد اقتصر على علاقتنا بالغرب، لكن المصاب الأكبر أنه امتد حتى إلى نظرتنا إلى الإسرائيليين الذين يحتلون أرضنا ويمارسون ضدنا أبشع صور التطهير العنصري، وهي علاقة غريبة بين الضحية والجزار، تمزج بين الكراهية الشديدة للاحتلال وفي نفس الوقت الاعتقاد الخفي بتفوقه وأفضليته. فتجد من بيننا من إذا أخبرته بخبر سألك عن مصدره فإن قلت له صحيفة هآرتس أو معاريف أو يديعوت أنغض إليك رأسه وسلم بصحته، وكأن هذه الصحف هي منتهى المهنية والمصداقية مع أنها وسائل خطيرة يستعملها الاحتلال لبث سمومه ودعاياته، صحيح أنها في بعض جوانبها مهنية إلا أنها في جوانب أخرى أمنية ينبغي التعامل معها بحذر شديد.

والغريب أن الأخبار التي يستقيها البعض من المصادر الإسرائيلية لإثبات صحتها تكون أحياناً أخباراً محليةً بحتة أي أننا نحن أقرب إليها من هذه المصادر الإسرائيلية، فلا حاجة للذهاب بعيداً من أجل إثباتها، وقد بلغ بأحدهم ذات مرة أن يستدل على عدد الشهداء الفلسطينيين في إحدى الاجتياحات برواية إذاعة الجيش الإسرائيلي مع أن المستشفى بجواره ويستطيع أن يحصل منها على المعلومة، ولكن ماذا نفعل والبعض يعاني من عقدة الخواجة، فكل ما يقوله الأجنبي-حتى لو كان احتلالاً-فهو مقدس.

وأحياناً يكون مجرد تحليل لكاتب إسرائيلي هو بشر مثلنا يأكل مما نأكل منه ويشرب مما نشرب، مبني على تقديره الشخصي، وكثيراً ما يخطئ هذا التقدير، ومع ذلك يسارع البعض إلى تلقفه والترويج له على أنه الرواية الرسمية لدولة إسرائيل وأنه من لدن عليم خبير، أستغفر الله العظيم.

أكتب هذه الخواطر التي تدفقت إلى عقلي دون سابق إنذار ونحن نعايش لحظات تاريخية يبدأ فيها مسار تحول الشعوب العربية من الهبوط إلى الصعود، ولا نريد أن نكون في هذه المرحلة عوامل تثبيط وإحباط، فنرسم صورةً قاتمةً لحالة عربية قد بدأت طريق الازدهار، ولكنني أنبه إلى أن هذه اللحظة الراهنة هي اللحظة المناسبة للتحرر من عقد النقص والعجز واستعادة الشعور بالثقة، وأن التحرر من عقدة الأجنبي هو شرط لا يمكن تجاهله من أجل استعادة الأمة لدورها الحضاري الرائد.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل..