الاثنين، 1 نوفمبر 2010

التحرر من ضغط الثقافة..

بقلم أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

كل مولود يولد على الفطرة، وحين تتفتح عيناه على الحياة يكون متحفزاً للتفكير والإبداع، لكن ضغط المجتمع والثقافة السائدة سرعان ما يطفئ هذا النور الفطري، ويجهض أشواقه للاستكشاف والمعرفة، ويضعه في قوالب جامدة لا روح فيها، فيتأطر الفرد وفق ما يريد له المجتمع من تقاليد وأنماط صارمة..

يكبر الفرد ويكبر معه تمسكه بهذه الأنماط التي وجد آباءه عليها، حتى تغدو جزءً راسخاً من كينونته لا يستطيع الفكاك منها، وهي التي توجه سيره وتحدد سلوكه بطريقة لا شعورية، فهو لا يستطيع أن يفكر إلا في دائرة المحددات الثقافية، حتى وإن ظن نفسه حراً في التفكير فليس هذا الظن سوى وهماً كبيراً مثله في ذلك كمثل الكائن الحي في محمية طبيعية فهو ينطلق فيها بأقصى سرعته ويذرعها مجيئاً وإياباً ويظن أنه يمتلك الحرية للانطلاق حيثما شاء دون أن يدرك أنه لا يستطيع ذلك إلا في الحدود التي يسمح بها حراس المحمية، وهو لن يدرك أن حركته مقيدة إلا إذا وقف على حدود المحمية واستشرف العالم الخارجي، حينها فقط سيدرك أن هناك عالماً أوسع وأنه ليس حراً بالقدر الكافي، ونفس الشيء مع الإنسان فهو لا يدرك المقيدات الثقافية والاجتماعية التي تحول دون انطلاق تفكيره إلا إذا اعتزل صخب المجتمع وضوضاءه، وفكر خارج الإطار السائد..

إن الإنسان في غمرة استغراقه في المجتمع وثقافته لا يتصور أن هناك حقيقة خارج الأطر التي رسمها له المجتمع، فالقيم والعادات والتقاليد هي الطريقة المثلى حسب تعبير فرعون "ويذهبا بطريفتكم المثلى"، وليس بالإمكان أبدع مما كان ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ويبين لنا القرآن إلى أي مدى يصل الإنسان في استغراقه في الأفكار التقليدية ورفضه لأي جديد حتى تصبح الحقيقة الواضحة موضع استهجان لا لشيء إلا لأنها ليست ضمن الأطر القديمة:"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب"، هذا في الجانب الفكري أما في الجانب العملي السلوكي فنجد قوم لوط حين استغرقوا في حياة النجاسة صارت الطهارة في مقياسهم تهمةً تستحق الإدانة: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"..

إن القرآن الكريم أعطى اهتماماً كبيراً لضرورة تحرير عقل الإنسان من الأطر السائدة والقوالب الجامدة، ومن يتأمل القرآن بموضوعية وتجرد يدرك أن رسالة القرآن الأساسية هي إيجاد الإنسان المفكر المتحرر "لعلهم يتفكرون"..

إن المجتمع يمثل قوة ضغط هائلة على الفرد تمنعه من التفكير الحر المتجرد من الرؤى المسبقة، والإنسان الفرد حين يخلو مع نفسه ويتجرد من الهوى والقيود الاجتماعية فإنه سيهتدي إلى الحق، لكنه حين يعود بعد ذلك إلى ضوضاء المجتمع وصخبه فإنه سرعان ما ينتكس على رأسه ويجرفه التيار الاجتماعي .لأن مسايرة المجتمع أسهل على النفس من مخالفته، وبذلك فإن الإنسان بين دافعين دافع عقلي وآخر انفعالي، فهو حين يخلو بنفسه ويتجرد للحق فإنه يفكر بعقله لكنه حين ينتكس إلى التقليد الأعمى للمجتمع، فإنما يفعل ذلك بدافع عاطفي انفعالي، ولعل هذا ما دفع القرآن إلى استعمال التعابير الانفعالية في حديثه عن المجتمعات "غمرتهم"، "سكرتهم"، "كل حزب بما لديهم فرحون"..فلم يقل مؤمنون ولا مقتنعون، ولكن فرحون وهذه التعبيرات تدل على سلوك انفعالي..

إن التحرر من هذا الضغط الاجتماعي الهائل لا يكون إلا بالخلوة مع الذات واعتزال تماثيل المجتمع التي هم لها عاكفون:"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا"..ويتساءل المرء:ما سر تخصيص العدد باثنين أو واحد، والإجابة نفهمها في ضوء ما تقدم أن الإنسان حتى يتفكر تفكراً موضوعياً فإنه يجب عليه أولاً أن يتحرر من هيمنة المجتمع وقوالبه الجامدة، ويعيد الاعتبار للعقل الذي كرمه الله به، وهذا لا يصلح أن يكون في تجمعات كبيرة لأنه إذا اجتمع عدد كبير فإن اجتماعهم سيصبغ بالسمات المميزة للمجتمع، فلا يزيد الأمر عن كونه إعادة نسخ لقوالب ميتة، و سيعزز اجتماعهم النمط السائد بدل أن يتحرر منه، كدأب قوم إبراهيم حين نكسوا على رءوسهم بعدما تبين لهم الحق فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم..

لذا لا غرابة لمن يتأمل حياة الأنبياء والفلاسفة والمصلحين أن يجد أن الخطوة الأولى في مسيرتهم الإصلاحية هي الاختلاء مع الذات وتأمل الطبيعة والبعد عن صخب المجتمع ولغوه، نجد هذا عند موسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعند بوذا وغيرهم كثيرون..

إن القرآن الكريم يكرر أكثر من أربعين مرةً ذمه لاتباع الأقوام السابقة الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون"..والآباء هم رمز للهيمنة الاجتماعية، فالإنسان حين ينشأ فإنما يقلد أباه وأقرب الناس إليه ثم المجتمع بمجمله..ومثل هذه القصص القرآنية لا ينبغي أن نسقطها على قريش وعاد وثمود وحسب، بل إن لنا نصيباً من الوقوع في هذه الأمراض فهي أمراض إنسانية عامة، وحال المسلمين كحال غيرهم في مواجهة دعوات التجديد والإصلاح هي قولهم:إنا وجدنا آباءنا على أمة، أو ما يقاربها من ألفاظ كقولهم:حسبنا ما ألفينا عليه السلف الصالح، والعيب ليس في اتباع السلف والآباء من حيث المبدأ، ولكن العيب هو في تعطيل الملكة النقدية والتفكير، واستبدال التقليد الأعمى للسلف بها، لذلك فإن القرآن كان يرد على دعوى الآبائية بالقول:"أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم"..فإن وجدنا هدىً في المجتمع والثقافة أخذنا به وعززناه، ولكن إن وجدنا طريقةً أهدى وجب علينا أن نترك ما كان عليه آباؤنا وأن نتبع الحق..وحتى نكون قادرين على التمييز بين ما نأخذه وما نرده من إرث المجتمع، فإن ذلك لا يكون إلا بالتحرر الفكري، والانعتاق من قيود الثقافة وضغط الأنماط السائدة، والنظر النقدي إلى المنظومة الاجتماعية وإعادة فحص المسلمات وليس تقديسها..

إن قال قائل إننا نحن المسلمين حالة خاصة لأن بين ظهرانينا القرآن الذي لا ينطق عن الهوى فإننا نرد عليه بالقول: صحيح أن القرآن مقدس ويجب أن نأخذه كوحدة واحدة، ولكن تفاعلنا مع القرآن وتفسيرنا له ليس مقدساً، والمسلمون ليسوا ترجمةً دقيقةً لآيات القرآن، ولكنهم خليط من الصواب والخطأ، لذلك فإنه يصيبهم ما يصيب الأقوام والمجتمعات الأخرى من مرض الجمود والانغلاق، والقرآن نفسه هو الذي يلح علينا دائماً بضرورة التفكر والتدبر والتعقل والتحرر من ضغط الآباء..

إن التحرر من ضغط المجتمع يتطلب قوةً هائلةً للانعتاق من الجاذبية، ولا يقدر عليه إلا آحاد الناس من الذين أوتوا العلم والإيمان فيرفعهم الله درجات، وعبر التاريخ فإن أكثر الناس مقلدون ، وقليل هم الذين ينجحون في السباحة ضد التيار الجارف، لذلك فقد خلدهم القرآن بأنهم "السابقون السابقون أولئك المقربون"..لكن هؤلاء القليل هم الذين يغيرون وجه التاريخ دائماً وهم الذين يرتقون بالواقع الإنساني، ولولا هؤلاء القلة لبقي الواقع البشري جامداً معطلاً عن الإبداع متقهقراً إلى الوراء، ولأدى ذلك إلى الانغلاق والتقوقع والموت..

إن النهوض من واقعنا البئيس لا يكون باعادة إنتاج نفس الأنماط التقليدية السائدة والأفكار الميتة فهي علة تخلفنا، ولكن إنتاج واقع جديد يتطلب فكراً جديداً ورؤيةً جديدة، وتحرراً من التقليد والجمود.

إن طريق النهضة لا يكون إلا عبر التجديد وإطلاق العنان للتفكير المتحرر من أية ضغوط وإكراهات..

طوبى للمجددين السابقين الصادقين..فهم الذين يصنعون التاريخ في الدنيا، وهم المقربون في الآخرة..

والله أعلى وأعلم..


الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

التعامل السنني مع القرآن الكريم

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يقول الله عز وجل في سورة الإسراء: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً..سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً"..

ألمس في هاتين الآيتين الكريمتين إشارةً لسنة اجتماعية وتاريخية مطردة ما أحوجنا إلى فقهها في زمننا المعاصر..

هذه السنة تقول أن وجود الآخر الذي يحمل فكراً جديداً مختلفاً عن النمط السائد يمثل سياجاً حامياً للمجتمع من الضمور، وأنه ضرورة لنمو المجتمع وتقدمه وليس كما ينظر إليه الأكثرون بأنه عبء ثقيل يهدد قيم المجتمع فيسعون للتخلص منه..

حين ندرك أهمية وجود الآخر في المجتمع تتغير النظرة فبدلاً من مقاومته والسعي للقضاء عليه، فإننا نعزز وجوده ونعطيه الحرية للتعبير عن نفسه، وحتى إن لم يكن موجوداً فإننا نسعى لإيجاده.

قيمة وجود الفكر الجديد الذي يخالف النمط السائد أنه يعطي الجرعة التوازنية لسير المجتمع فيحميه من الانحراف والمغالاة، كما أنه يلقي صخرةً في المياه الراكدة فيحدث حراكاً فكرياً وتدافعاً اجتماعياً يؤدي إلى تقدم المجتمعات ونضجها ويحميها من الجمود والانغلاق..

كذلك فإن أهيمة وجود المجدد في المجتمع أنه ينبه إلى وجود الأخطاء ويضعها في دائرة الضوء بعد أن تكون من اللا مفكر فيه، والتنبه للأخطاء هو الخطوة الأولى لمعالجتها وما يتبع ذلك من الارتقاء بالمجتمع، أما في حال غياب المجددين فإن مثل المجتمع يكون كمثل المركبة التي تسير دون فرامل، فتتراكم الأخطاء وتتجذر في بنية المجتمع دون أن يتنبه إليها حتى تودي به إلى الهاوية.

لذلك فإن المجتمع الذي يخلو من الآخر ويقتل أي محاولة للتجديد ويجمد على أوضاع معينة فإن المطاف ينتهي به حتماً إلى التقوقع والانغلاق، وهذا هو الموت..

في الآية التي بين أيدينا فإن الله عز وجل يحذر بأن إخراج النبي من مكة أو المدينة-ونحن لا يهمنا كثيراً هذا الخلاف بين المفسرين لأنه لا يؤثر على القيمة الموضوعية التي تتضمنها الآية-المهم أن إخراج النبي سيتبعه حتماً هلاك من أخرجه، ويؤكد القرآن في الآية التي تليها أن هذا ليس وضعاً استثنائياً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولكنها سنة تاريخية مطردة حصلت مع جميع المرسلين..

مع الأسف أن الثقافة السائدة بين المسلمين وحتى بين المفسرين تجعلنا نركز على الجانب الغيبي للآيات القرآنية دون أن نتفكر في المحتوى السنني لها، فنتصور أن الله لا يعمل إلا وفق أساليب خارقة للعادة خارجة عن سنن المجتمع والتاريخ لا نستطيع دراستها دراسةً علميةً تجريبيةً، وفي ضوء هذه الثقافة السائدة فإننا حين نتلو هذه الآية مثلاً فإننا نتخيل أنه تعامل استثنائي من الله تعالى مع النبي أو الأنبياء، وفق مشيئته المطلقة التي لا يخضعها للسنن والقوانين، وأن الله سيهلك قوم النبي إذا أخرجوه بصاعقة من السماء أو بخسف الأرض بهم أو بطوفان أو زلزال أو غير ذلك من الصور الخارقة التي ليس فيها علاقة واضحة لنا بين المقدمة والنتيجة. ولا يخطر ببالنا أنه بشيء من التدبر للقرآن والمقارنة بين العمل البشري والجزاء الإلهي فإننا نكتشف رابطاً سننياً يحول ما نظنه غيباً وخوارق إلى سنن نفسية واجتماعية ملموسة لا تتبدل ولا تتحول، وأننا نستطيع أن نفهم سنة الله في إطار المألوف من صيرورة التاريخ والتحول التدريجي للمجتمعات، وليس فقط عبر الخوارق والمعجزات والضربات الكبرى المفاجئة..

وهذا ما حدث فعلاً إذ أن هزيمة قريش والتمكين لرسالة الإسلام لم تكن بالضربة القاصمة التي ما لها من فواق كما في الأقوام السابقة، ولكنها كانت بطريقة التحول الاجتماعي البطيء الذي يمكن أن يحدث مع أي حركة تجديدية حتى لو لم يكن قائدها نبياً يوحى إليه..

فهل هناك علاقة مشاهدة بين إخراج النبي من المجتمع وبين إهلاك قومه بعد ذلك بقليل "إذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً"؟

إذا استعنا بما نفهمه من سنن اجتماعية فإننا نجد مقاربةً مباشرةً يمكن إدراكها عقلاً..فإخراج النبي من قريته يعني أن هذا المجتمع منغلق فكرياً لا يرحب بالآخر وأنه غير مهيأ للتجديد، وأنه طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وسدت منافذ أفهامهم. وما دام المجتمع على هذه الشاكلة فإنه سيجمد ويتقوقع على نفسه، ولن يكون فيه أي حراك فكري واجتماعي، والحركة هي الحياة بينما السكون هو الموت، وبذلك فإنه سيظل يعيد إنتاج نفسه في قوالب ميتة فاقدة للحياة وسيفقد قدرته الإبداعية ويتوقف نموه الحضاري فيتقوقع ويموت..

هذه محاولة متواضعة للفهم السنني لآيات القرآن الكريم، وهي بكل تأكيد محاولة يشوبها كثير من النقص، ولكن حسبي في هذه المرحلة أن ألفت الأنظار إلى التعامل مع القرآن وفق السنن العلمية، والقرآن الكريم جاء ليعلن انتهاء عصر الخوارق وبدء عصر العلم، وهذا ما نجده في المقارنة بين طريقة إجابة القرآن على ذات السؤال في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين، فحين سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كان الجواب على هيئة معجزة أن أعاد الله الحياة للطيور حتى يطمئن قلب إبراهيم، ونفس الشيئ مع عزير إذ أماته الله مائة عام ثم بعثه.ولكن حين سأل أحد المشركين ذات السؤال للرسول صلى الله عليه وسلم لم يجب عليه القرآن بمعجزة، ولكن أجابه بمنطق علمي سنني:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة"، ونفس طريقة الإجابة تتكرر في القرآن إذ يوجه أنظارنا إلى ظواهر طبيعية مثل اخضرار الأرض بعد موتها ويدعونا لأن نستنج من ذلك إمكانية إحياء الموتى.

هذه الطريقة السننية في التعامل مع آيات القرآن الكريم هي التي تمكننا من إدراك القيمة العلمية الموضوعية التي يحتويها واكتشاف كنوزه ، بالطبع فإننا لا نقصد بهذه الطريقة أن ننفي البعد الغيبي للقرآن، ولكننا نثري هذا البعد بالشواهد الحاضرة وفق المعادلة القرآنية "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". ففهم القرآن وفق سنن الآفاق والأنفس يبين للناس أنه الحق، فنحن نخدم القرآن بهذه الطريقة ، وتبقى دائرة الغيب الواسعة ضرورية لاستفزاز العقل وحثه على مزيد من التفكر وليظل في تقدم متواصل، كما أنها تظل ضروريةًَ لإشعار الإنسان بالتواضع وبأنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً..

والله أعلى وأعلم..


الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

مليار جائع..ذنب الطبيعة أم الإنسان
أحمد أبورتيمة
بمناسبة يوم الغذاء العالمي الذي وافق السادس عشر من أكتوبر قبل أيام أطلقت منظمة الأغذية الدولية الفاو تحذيراً مرعباً بإعلانها أن عدد جوعى العالم بلغ مليار إنسان وهو رقم مهول يعني أن واحداً من كل ستة أشخاص في كرتنا الأرضية لا يتوفر لهم الحد الأدنى من الغذاء..
هذه المشكلة الخطيرة التي تهدد هذا العدد الهائل من البشر بالموت غالبيتهم من دول الجنوب في أفريقيا وآسيا تأتي في الوقت الذي يتهدد فيه الموت آخرين ولكن لسبب آخر وهو التخمة الناتجة عن الإسراف والتبذير إلى حد الطغيان، وبذلك صارت المعادلة على هذا النحو:الجوع للكثيرين والتخمة للقلة.
بعض الإحصاءات التقريبية تبين لنا مدى اختلال القسمة.هذه الإحصائيات تقول إن 20% من سكان الأرض، وغالبيتهم من الشمال يحوزون على أكثر من 80% من الثروات، بينما ال80% الآخرون يحوزون على أقل من 20%..
هناك قول مأثور لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بأنه ما افتقر فقير إلا بغنى غني، هذه المقولة الحكيمة تعني أن مشكلة الجوع ليست بسبب نقص الموارد أو لزيادة أعداد البشر كما يزعم المترفون ليخلوا ساحتهم من المسئولية، ولكنها نتيجة اختلال العدالة وسيطرة الجشع، وهذه الحكمة تؤكدها الأرقام التي تثبت بأن موارد الأرض تكفي لإشباع سكانها وزيادةً، وأن الخلل هو في سلوك الإنسان وليس في الطبيعة.
يقول الباحثان فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز في كتابهما الذي اختارا له اسم (صناعة الجوع.. خرافة الندرة)، وهو كتاب معبر في عنوانه وقيم في مضمونه، يقولان إن العدد الهائل للجوعى في العالم يوجد في مواجهة وفرة الموارد وهنا تكمن الإهانة.
وبحسب الإحصائيات الواردة في الكتاب فإن العالم ينتج كل يوم رطلين من الحبوب لكل رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض، هذا عدا البقول والفواكه والخضروات واللحوم، وهذا الإنتاج الوفير لكوكب الأرض الذي يدحض فكرة أنه لا يوجد غذاء للجميع يأتي رغم أن الأرض لم تستنفد طاقتها فعدد الأراضي المزروعة في الأرض لا تبلغ نسبتها أكثر من 44% من الأراضي الصالحة للزراعة..
ما دام الإنتاج الغذائي بهذه الوفرة إذاً أين تكمن المشكلة؟
يقول جيفري ساكس مدير معهد الأرض فى جامعة كولومبيا الأمريكية وأحد أكثر مائة شخصية تأثيرا في العالم في كتابه " نهاية الفقر " إن الدول الغنية قادرة وخلال فترة وجيزة على القضاء علي الجوع و الفقر لكنها لا تريد..
إذاً فالمشكلة هي مشكلة إرادة وليس قدرة..
وقد كشف الدكتور جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة الفاو في لقائه مع الإعلامي أحمد منصور مدى الخداع الذي تقوم به الدول الكبرى وهي تتحدث عن مكافحة الفقر والجوع بينما لا تبذل جهداً حقيقياً في هذا الاتجاه.
يقول جاك: إن ميزانية أكبر منظمة معنية بمحاربة الجوع في العالم لا يزيد عن 350 مليون دولار في العالم في الوقت الذي يبلغ فيه عدد الجوعى مليار إنسان مما يعني أن نصيب كل جائع سنويا لا يزيد عن أربعين سنتا هذا في حالة أن المنظمة لا تنفق شيئا علي إدارتها..
ويبدو أن مسئولية الدول الغنية عن مشكلة الجوع لا تقتصر على ضعف الإرادة عن بذل جهود حقيقية لمكافحته، ولكنها تتعدى ذلك إلى كونها تستعمل الغذاء كسلاح سياسي لتحقيق أطماعها في فضيحة أخلاقية يندى لها جبين الإنسانية، فهذه الدول المترفة لا تقدم معونةً للدول الفقيرة لوجه الله تعالى، وهي لا تفعل ذلك إلا بعد حسابات سياسية واقتصادية تضمن لها مزيداً من السيطرة والنفوذ..
وفي ذلك يذكر كتاب صناعة الجوع أن السيناتور هيوبرت همفري في منتصف القرن الماضي انتقد الذين يريدون أن تكون المعونة الغذائية مجرد وسيلة للتخلص من الفائض، ورأى في الغذاء سلاحاً سياسياً قوياً، وهذا ما ترجمته السياسة الأمريكية حين قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً عندما انتخبت حكومةً لا تتوافق مع أهواء مصالح الشركات الأمريكية..
ولهذا السبب أيضاً رفضت الولايات المتحدة عام 1974 توسيع برنامج الغذاء العالمي الهادف لمعاونة مناطق المجاعات لأنهم لا يريدون المساهمة بالغذاء في المناطق الأقل خضوعاً لسيطرتهم والتي لا يستطيعون فيها التأثير بشكل ملموس في توزيع المعونة..
ليس هذا فحسب بل إن أمريكا تعمل جاهدةً على منع قيام اكتفاء ذاتي من الغذاء في بلدان العالم الثالث لضمان ألا تكون تنمية حقيقية، فتضع القيود على زراعة القمح، ويدل على ذلك رهن نفقتها السنوية على مصر بعدم التوسع في زراعة القمح..
إن أمريكا تمارس تجاه بلدان العالم الثالث ما يمكن وصفه بسياسة حماية التخلف لإبقائها سوقاً استهلاكيةً لصادراتها، وحتى تظل يد أمريكا هي العليا ويد هذه البلدان السفلى..
إن العدالة الإلهية قد أودعت في الأرض من الكنوز والثروات ما يحقق الكفاية والرخاء للناس جميعاً، وإن الأرض رحبة لم تضق يوماً على سكانها، وما كان الله ليظلم الناس ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما مشكلات العالم إلا من صنع أيدي البشر ليذيقهم بعض ما كسبوا من الجشع والطمع واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا فلم يظلم بعضهم بعضاً لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض..
إنه لمن العار على حضارة القرن الواحد والعشرين التي غزت الفضاء وقفزت إلى مستويات خيالية من العلم والتكنولوجيا ألا تحل مشكلة هذا العدد المهول من الفقراء فضلاً عن أن تكون سبباً في إيجادها، وإنه لا قيمة لحضارة تتقدم فيها المادة ويهان فيها الإنسان الذي هو سيد الكون. وإن كل هذه الحضارة المادية لا تعني شيئاً ما دامت عاجزةً عن إطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف، وما دامت هذه الحضارة قائمةً على الجشع بعيدةً عن الأخلاق والإنسانية فإنها تفتقد إلى مبررات البقاء، وتسير نحو الهاوية، وهي كما وصفها المفكر روجيه جارودي تحفر قبرها بيديها..
أليس غريباً بعد كل هذا أن يتساءل الغرب عن سر كراهية الشعوب لهم، وعن سبب انتشار العنف والإرهاب، ألا يحق لمن لا يجد قوت يومه أن يخرج على الناس شاهراً سيفه؟
والله أعلى وأعلم..

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

غير المسلمين..هل هم كفار دائماً؟
أحمد أبورتيمة
هل هي ثنائية حتمية إما كفار وإما مسلمون..وهل كل من ليس معنا فهو علينا بالضرورة..هذه النظرة الحدية في التعامل مع الآخر بحاجة إلى مراجعة وتدقيق خاصةً في عصر يكثر فيه الحديث عن قيم التعايش والتسامح والتنوع الثقافي، ولا نقصد بالمراجعة أن نأتي بدين جديد يتناسب مع العصر، ولكن أن ننفض عن الدين ركام العصور وأن نرجع إلى المنهج القرآني الصافي لنقارن بين تعاليمه المجردة وبين تصوراتنا الذهنية المتراكمة عبر التاريخ والتي هي خليط من الصواب والخطأ.
لا أقصد في هذا المقال إصدار فتوى أو حكم قاطع في المسألة فالمسألة أكبر من تحسمها مقالة متواضعة، ولكن غاية ما أرجوه هو أن أنجح في إعطاء إشارات تحرك العقل وتلفت نظره إلى أبعاد جديدة، وتحرره من قيود النظرات المسبقة، والقوالب الجامدة.
لو تدبرنا القرآن لفهم معنى الكفر والكافر الذي يقصده الإسلام فإن كلمة الكفر ومشتقاتها تجيء في سياق الحديث عن تكذيب الإنسان بالآيات البينات والأدلة الواضحة واستكباره ومعاندته، ومن هنا جاءت عبارة (الكفر عناد)، وحتى في المعنى اللغوي فإن فعل (كفر) معناه التغطية والدفن، لأن الكافر يقوم بدفن الحق الذي يعلمه ويؤثر إتباع هواه والمعاندة، لذلك فالكفر هو سلوك غير عقلاني يقوم به الإنسان وليس قناعةً عقليةً، فلا نسمي المختلف معنا في قناعة توصل إليها بالتفكير الموضوعي المتجرد من الهوى بأنه كافر وهذا المعنى أستدل عليه من القرآن فالقرآن دائماً يذم الكفار بأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون، فالمشكلة ليست في التفكير ولكنها في عدم التفكير ويوم القيامة يقولون "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، ..فلو كان الكفر في الدنيا ثمرةً لاجتهاد عقلي لما قالوا هذه العبارة، ولكنهم قالوها لأنهم كانوا يتصرفون خلاف قناعاتهم العقلية التي كانوا يخفونها في قرارة أنفسهم:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"، وتبرز حقيقة معنى الكفر في حديث القرآن عن آل فرعون الذين كانوا يعلمون الحق ولكنهم يجحدون به:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً"..
بهذا الفهم فإن الكفر والإيمان لا يتحددان إلا حين يتبين للإنسان الحق وتأتيه الآيات البينات فإذا سلم بها كان مؤمناً وإن أصر على الضلال وعاند واستكبر كان كافراً.
الكفر يكون بعد معرفة "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به" أما من لم تبلغه الأدلة بعد فلم أجد في القرآن وصفاً له بأنه كافر، ربما تكون التسمية الأكثر دقةً له هي أنه ضال أو مشرك.فالشرك يمكن أن يكون نتيجة جهل، لذلك فإن القرآن يضع احتمالاً لهداية المشرك حين يتخلص من جهله فيقول "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون"، ولا ينطبق نفس الشيء على الكافر لأنه قد عرف الحق فعلاً من قبل فجحد به ودفنه، ولذلك سمي كافراً.
ولأن الكفر لا يكون إلا بعد معرفة، فهذا يقتضي أن تكون هناك إشراقة عقلية في بادئ الأمر حين تتضح الأدلة الساطعة فيقتنع بها الإنسان اقتناعاً لحظياً لكنه ينتكس ويطفئ نور فطرته ويختار البقاء على الضلال. وهذا الاقتناع اللحظي يقيم الحجة على الإنسان لأنه عرف الحق، ولم تعد المشكلة لديه في نقص الأدلة، ولكنها في معاندته واستكباره..
ومثال هذه الومضة الإيمانية التي يطفئها الكافر نراها في قصة إبراهيم مع قومه حين أقام عليهم الحجة العقلية ببطلان أصنامهم.لنتأمل هذا المشهد التصويري: "فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ*ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ*"..إنها لحظة الصفاء والإشراق العقلي التي يعلم فيها الإنسان الحق، ولكنه ينكس بعدها على رأسه فتحق عليه الضلالة..
وجميع الأقوام التي يقص علينا القرآن خبر كفرها فإنه يصفها بالكفر بعد مجيء الأنبياء لهم بالآيات والدلائل، وليس قبل ذلك، أما قبل أن يأتيهم الأنبياء فقد كان الناس أمةً واحدة.
وقوم قريش مثلاً سموا كفاراً بعد أن استبانت أمامهم الطريق، ولم يسعهم في إحدى المرات حين سمعوا سورة النجم ووصل النبي إلى آخرها "فاسجدوا لله واعبدوا" إلا أن يخروا سجداً، وبذلك أقيمت عليهم الحجة في أنفسهم..
والقرآن يستعمل تعبير البلاغ المبين وهذه هي مهمة الأنبياء التي يجب أن يؤدوها قبل أن يحق على أممهم العذاب، والبلاغ المبين يعني أن يشرح لقومه الحقائق شرحاً مفصلاً لا تبقى معه شبهة إلا أزالها ولا حجة إلا ذكرها، فهو بلاغ بين واضح وضوح الشمس لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
والقرآن يقرر بوضوح أن الحساب والعذاب مشروطان بإرسال الرسل، فالله العدل لا يعذب إنساناً إلا بعد أن يتبين له الحق فيرفضه "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً"
إذاً فالمؤشر الدقيق الذي يعتمده القرآن لإطلاق كلمة الكفر هو التكذيب بالآيات البينات والدلائل الساطعة بعد مجيئها "بل كذبوا بالحق لما جاءهم" فإن لم يأتهم الحق أصلاً، فعلى أي أساس نسميهم كفاراً..
هذه الإضاءات القرآنية تفيدنا في التعامل مع واقع البشرية المعاصر، فهناك المليارات من غير المسلمين على وجه الأرض هل نعتبرهم جميعاً كفاراً لمجرد أنهم غير مسلمين..إذا افترضنا أن نسبةً منهم قلت أو كثرت قد عرفوا الحق ولكنهم لم يتبعوه عناداً واستكباراً، فماذا نقول في مليارات آخرين إما أنهم لم يعرفوا أن هناك إسلاماً أصلاً، أو أنهم سمعوا عنه بصورة محرفة مشوهة، فهو في نظرهم دين الإرهاب والفوضى والتخلف الحضاري فكيف يؤمنون بدين هذا ما بلغهم عنه..وعلى أي أساس نصفهم بأنهم كفار وهم لم تأتهم الآيات البينات بعد، ولم نقم بالبلاغ المبين تجاههم؟ وبأي مقياس نعتبر عجوزاً تقطن في أدغال أفريقيا أو مجاهل الهند كافرةً وهي لا تدري عن الإسلام أو القرآن شيئاً.
في إحدى المرات قال لي أحدهم مبرراً تكفيره للبشرية: لماذا لم يبحثوا عن الإسلام ويفهموا حقيقته؟ قلت له: وهل فكرت أنت مثلاً في يوم ما أن تقرأ في معتقدات الهنود، فكيف تطالب عجوزاً بالبحث عن الإسلام، ولا تسأل نفسك وأنت متعلم لماذا لم تفكر يوماً في البحث والقراءة للآخرين.قال: لأن ديني هو الدين الحق فلا حاجة لي في البحث في المعتقدات الضالة.قلت له صحيح أن ديننا هو الدين الحق، ولكن تلك المرأة العجوز تظن أن دينها هو الحق فلا ترى حاجةً للبحث عن دين آخر..
وحتى لا يكون نقاشنا جدلياً فإن ما يهمنا في هذا الموضوع هو الجانب العملي الإيجابي، والسؤال الإيجابي ليس هو لماذا لم يبحثوا عن الإسلام، ولكن لماذا نحن لم نذهب إليهم ونقوم بواجب البلاغ المبين، فنبين لهم حقائق الإسلام وأنه دين الرحمة للعالمين، ودين الحق والعدل والسلام..
إننا نحن الملومون والمحاسبون تجاه هذه الأمم التي لا تعرف حقيقة الإسلام، فبدل أن نكفرهم علينا أن نخطئ أنفسنا لأننا أعرضنا عن الآيات البينات التي تأمرنا بالدعوة وبالبلاغ المبين تجاههم..
كثيراً ما نسمع عن أناس من غير المسلمين يعتنقون الإسلام، وننشر هذه الأخبار بفرح وسرور، ولكنني سأستدل من هذه المسألة على شيء آخر، فهذا الذي يدخل الإسلام بعد أن يكون كافراً في نظرنا فإن إسلامه يعني أنه كان يملك القابلية للإيمان، وأن المشكلة لم تكن عناداً وكبراً، ولكن لأن الحق لم يكن قد تبين له فلما تبين له الحق أسلم له واتبعه..وإذا كان هذا الإنسان قد أسلم فور تبين الحق له فما الذي يمنع أن يكون مثله في قومه كثيرون يمتلكون هذه القابلية للإيمان وهم بحاجة إلى من يقوم تجاههم بواجب البلاغ المبين ليصيروا مؤمنين بالفعل..وهل يعقل أن نسمي من يمتلك قابليةً للإيمان كافراً..
إن هذا الفهم لقضية الكفر هو أكثر إنسانيةً وأنسب لخطابنا الحضاري في هذا العصر، فهو يحررنا من الشعور بالتناقض حين نتحدث إلى العالم عن التعايش والسلام ونبذ الكراهية والمساواة الإنسانية بينما نخفي في صدورنا أن هؤلاء كفار وأنهم أقل منا شأناً وأنهم إلى النار خالدين فيها وبئس المصير..أما حين نفهم الكفر فهماً إنسانياً خالياً من التعصب والانغلاق فإننا لن نكون في حرج، ولن يكون عندنا ما نخفيه عن الناس، فإذا سألنا أحدهم لماذا تكفرون الناس قلنا له إن الكفر في ديننا هو المعاندة والاستكبار والجمود الفكري، وهذه المعاني مذمومة إنسانياً لا يقبلها صاحب فطرة سليمة، حتى وإن كان غير مسلم ..
لعل ما شجعني على تناول هذه القضية هو استئناسي بآراء عدد من العلماء تنبهت منهم إلى هذا الفهم هم العالم السوداني الفاضل جعفر شيخ إدريس، والداعية الفاضل أحمد بن عبد العزيز بن باز والذين دعوا إلى مراجعة تعريف الكافر في ضوء هذه المعاني القرآنية.
لكنني رغم قوة الأدلة التي أجدها في هذه المسألة، ولأنني أتناول أمراً يخالف نظرةً شائعةً بين الناس فإن الأسلم هو الابتعاد عن أسلوب القطع فيه، لذلك لا أدعو إلى الأخذ بهذا الرأي بيقين ولكنني أعطي إشارات لتحرك العقل ولتنبه إلى إمكانية فهم جديد..ولعله كان مريحاً لي أن أصمت ولا أتناول مثل هذه المسائل، ولكن ماذا أفعل: لئن أبين فأخطئ أهون علي من أن أسكت فأكتم.
والله أعلى وأعلم..

الأحد، 26 سبتمبر 2010

ملهمة الأحرار

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

قبل سبع سنين قتلت ناشطة السلام الأمريكية ريشيل كوري في جريمة بشعة ارتكبها الاحتلال الصهيوني في مدينة رفح الفلسطينية التي قدمت إليها لتتضامن مع أهلها في مواجهة جرافات الاحتلال وهي تدمر بيوتهم وتشردهم في العراء..

لم يرحم الاحتلال ضعف ريشيل، ولم يراع أي اعتبار لخلق أو إنسانية أو قانون فسحقت جرافاته جسدها النحيل سحقاً، لا لذنب اقترفته إلا لأنها أجابت داعي الحق والعدالة وجاءت من أقصى الدنيا لتتضامن مع شعب مظلوم مقهور، ولتغسل شيئاً من العار الذي لطخ به بوش وإدارته اسم بلادها.

قتلت ريشيل لكن مقتلها لم يكن خسارةً لمبدئها الذي عاشت من أجله، فقد استطاعت برحيلها أن تفضح مدى بشاعة وجه الاحتلال وإجرامه ولا أخلاقيته، وإثبات أن كل المساحيق التي يحاول أن يجمل بها وجهه لا تخفي حقيقة وجهه القبيح وأنه لا يقاتل مجموعةً من الإرهابيين كما يزعم، بل إنه يحارب قيم الإنسانية والحرية والحياة التي كانت تمثلها ريشيل..

لا يسع المرء إلا أن يخشع أمام هذا النموذج الإنساني الرائع الذي قدم البرهان على أن البذل والعطاء لا تحده الحدود..فما الذي كان يجبر هذه الفتاة الأمريكية المنعمة في بلادها أن تترك حياة الرفاهية وتأتي إلى مخيمات البؤس والحرمان لتناصر شعباً لا يربطها به رابطة دين أو جوار أو قومية..

أتذكر وأنا أتابع سيرة راشيل الآية الكريمة "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"..فهي مثال بأنه لا يزال في الأرض بقية من حق وعدل، وأن هناك من البشر من لا تزال قلوبهم تنبض بحب الخير والعدالة، لم تتلوث فطرتهم السليمة في زمن علت فيه لغة المصالح وحسابات السياسة وساد الجشع والطمع وانعدمت الأخلاق..

كانت راشيل وهي الفتاة العشرينية تستطيع أن تظل في حياة الرغد والرفاهية.. كان يمكنها أن تتصرف مثل الشباب الطامحين في بلادها فتسعى لتحقيق ذاتها عن طريق الجامعة أو تنضم لمؤسسة الفضاء أو تسعى لتكون مخترعةً أو تشق طريق الثروة والشهرة..كانت أيضاً تستطيع أن تناصر القضية الفلسطينية بالكتابة والأنشطة الثقافية من مكتب مريح في بلدها، وكان يمكنها أن تشارك بين الحين والآخر بمسيرات تأييد أمام البيت الأبيض دون أن تضطر إلى المجيئ إلى مكان يتهدده الخطر والموت من كل مكان..

لكن نداء الإنسانية المنبعث من أعماقها أبى عليها وهي ترى صور الأشلاء والدمار وتسمع آهات المعذبين إلا أن تشاركهم محنتهم وتتقاسم معهم لحظات الألم والصمود فخلعت عن نفسها دثار القعود والإخلاد إلى الأرض ونفرت إلى ميدان المعركة وهي لا تملك عدةً للمواجهة سوى قلب نابض بحب العدالة وإرادة تأبى التسليم بواقع الظلم والاستعباد.

لقد أدركت ريشيل أن الحياة موقف، وأنه لا معنى لها إلا بالجهاد في سبيل الحق والعدل والإنسانية، وأن حياة النعيم والترف لا تحقق إنسانية الإنسان..

صحيح أن الحياة من أجل المبادئ تجلب للإنسان المتاعب والصعوبات وتحرم جسده من الراحة والتنعم، وربما يفقد حياته في سبيل مبدئه، لكنها هي الحياة الوحيدة الحقيقية لأن الإنسان حينها فقط سيشعر بتحرر روحه من الأغلال، وسيشعر بلذة روحية لا تعادلها كل ملذات الجسد الفاني.

لقد فهمت راشيل هذه المعادلة جيداً، وعلمت أنه لا خير في حياة يتمتع فيها أناس بينما إخوة لهم آخرون من بني البشر يعانون ويتألمون، فحق لها أن تكون مفخرةً لبني الإنسان..

أليس جديراً بنا أن نتواضع أمام هذا المثال المشرق للعطاء بلا حدود

حين أفكر بالمقارنة بين أنموذج ريشيل وبين واقع الظلم والظلمات الذي تحياه الشعوب العربية فإنها تكون مقارنةً أليمةً بلا شك،فمن المفارقة أن فتاةً أمريكيةً ليس لنا عليها حق دين ولا جوار ولا قرابة رحم تسافر إلينا في سبيل قضيتنا وتتصدى بجسدها النحيل لجرافات الموت الصهيونية وتقدم حياتها دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، بينما إخوة لنا من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا لنا عليهم حق الدين والتاريخ والقومية واللغة والمصير المشترك يغرقون في حياة اللهو واللعب لا يبالون بما يصيب إخوانهم الذي يجاورونهم، هذا إذا لم يكونوا عوناً لأعدائهم عليهم..ألا تخشون أيها المتقاعسون أن تكونوا ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين..ألا تخشون أن تجري عليكم سنة الله فيستبدل قوماً غيركم من أمثال ريشيل ثم لا يكونوا أمثالكم.. أليس أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله..

إن راشيل وأخواتها وإخوانها من أحرار العالم قد أقاموا الحجة على المخلفين القاعدين في بيوتهم الذين تنقضي سنين عمرهم وهم يتمتعون ويأكلون دون أن يقدموا لأمتهم أو للإنسانية شيئاً نافعاً

شتان بين من يذكره التاريخ في صفحات المجد والخلود، وبين من يكتب في سجل المتخاذلين القاعدين في أسفل سافلين..

لقد قدمت لنا تجربة ريشيل البرهان بأن الحرية والكرامة لا تحدها حدود دين أو لون أو عرق، فلنتواضع قليلاً ولنكسر كبرياء أنفسنا فنحن بشر ممن خلق، ومن قعدت همته عن تقديم العون لإخوانه فلا أقل من أن يشكر من يقدمه بدل أن يسلقهم بألسنة حداد لأنهم ليسوا على مذهبه ولونه، والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً أياً كانت ملته "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"..

لقد ظن الاحتلال حين قتل ريشيل بأنه سيقتل روح الإرادة الحرة في نفوس أحرار العالم ليخلو له الجو بعد ذلك فيواصل جرائمه كما يشاء.. لكن ظنه قد خاب.وهكذا هي قوى الظلم والاحتلال عبر التاريخ تقع في الحسابات الخاطئة، فيحيق بهم مكرهم السيئ من حيث لا يشعرون..إنهم لا يملكون أكثر من القمع والإرهاب..فيستعلمون أدوات إرهابهم ظناً منهم أنها توهن من عزيمة الأحرار، لكنها على العكس من ذلك فهي تزيدهم استشعاراً بضرورة الصمود والانتصار..وها هي ريشيل تنتصر على أصحاب الأخدود فيؤمن معها كل صاحب فطرة نقية محبة للخير، وتتنامى حركة التضامن الشعبية العالمية مع القضية التي قتلت من أجلها، فهي لا تزال حيةً في قلوب أحرار العالم يستلهمون منها معاني الحرية والعطاء..

إننا نراها قادمةً مع نشطاء السلام وهم يركبون البحار ويواجهون الأخطار ويصرون على خوض المواجهة مع آلة الاحتلال والعدوان لا يملكون سلاحاً في المواجهة سوى إرادة الحق والانتصار..

لقد سجل التاريخ مشهد المواجهة غير المتكافئة بين جالوت الظالم المدجج بالسلاح وداود الفتى الإسرائيلي الذي لا يملك سوى الإيمان والحجر..لكن الغلبة كانت للإيمان الأعزل على الظلم المدجج "وقتل داود جالوت"..

وها هو التاريخ يستعيد دورته، ويرتسم مشهد المواجهة بين داود وجالوت من جديد..لكن جالوت اليوم ليس هو جالوت الأمس..فقد أصبح جالوت نووياً يمتلك أسلحة الدمار الشامل..ولعل من سخرية التاريخ أن جالوت اليوم هو إسرائيلي بعد أن كان الإسرائيلي هو داود في الزمن الغابر..

ويقف داود الأعزل ممثلاً هذه المرة بنشطاء الحرية الذين لا يمتلكون أي سلاح سوى سلاح الحق والإرادة يواجهون بصدورهم العارية آلة الموت والدمار وهم يستلهمون من روح ريشيل التي حملت إحدى سفنهم اسمها معاني الحرية والإنسانية ويخوضون المواجهة، وينتصروا فيها ليسوءوا وجوه إسرائيل، ويكشفوا حقيقة كونهم مجرمي حرب، وليقدموا برهاناً آخر على قوة الإيمان في مواجهة الطغيان..

لقد تحولت ريشيل بعد رحيلها إلى كابوس يقض مضاجع الصهاينة ويلاحقهم في محاكم التاريخ والعدالة..

إن أصحاب المبادئ لا يموتون، وحين تصيبهم سهام الظلم تكون تلك هي اللحظة التاريخية الضرورية لبث روح الحياة في نفوس الشعوب..

سلام على الخالدين..

الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

الإنسان يصنع قدره

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

ظهرت فرقة في تاريخ المسلمين عرفت باسم الجبرية، تعتقد بأن الله هو الذي يخلق أفعال العباد وأن الإنسان مسير لا مخير..

هذه الفرقة وإن غاب اسمها في أحشاء التاريخ، إلا أن روحها لا تزال حيةً في قلوب أكثر المسلمين، بل أكثر الناس الذين يزعمون أن الظروف والأحداث هي التي تسيرهم، وأن أمواج الحياة تتقاذفهم لا يستطيعون ردها، وأنهم خيرون طيبون لولا أن الظروف اضطرتهم لئلا يكونوا كذلك..

ما يدفع الإنسان لمثل هذا الاعتقاد أنه يجد راحةً في إعفاء نفسه من تحمل المسئولية، وتعليقها على القضاء والقدر.فالاعتقاد بالجبرية يعني أن ما يواجهنا من مصائب لم يكن من كسب أيدينا، وأنها كما جاءت وفق المشيئة الإلهية على غير إرادتنا، فإن الخلاص منها لن يكون إلا بالمشيئة الإلهية وحدها دون أن نقوم بأي دور تجاهها وأنها ليس لها من دون الله كاشفة.

وبذلك تصير النظرة إلى الأحداث بأنها تقع بشكل عشوائي، كلسان حال الشاعر الذي قال (جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ..ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت ..وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت)

وخطورة هذه النظرة أنها تلغي أي أهمية للجهد البشري، بل إنها تلغي إنسانية الإنسان وتحوله من الإنسانية إلى الشيئية يسير على غير إرادة وهدى، وما دامت هذه هي نظرة الإنسان للحياة فلن يكون هناك أي قيمة للسعي وللعمل، لأن الحياة تسير على نحو عبثي دون سنن وقوانين تضبطها، وحين يظن الإنسان أن العبثية هي التي تحكم الوجود فلن يكون هناك داع للعمل والأخذ بالقوانين، فالعبثية تلغي جدوى القانون.

إن هذا الظن هو وصفة للتكاسل والتواكل والسلبية، وللفساد في الأرض، فمن يظن أنه لا دور له فيما يصيبه من أحداث وأن أمواج الحياة تتقاذفه بخبط عشوائي فلن يراجع نفسه ولن يصلح عمله.

لقد ميز الله الإنسان عن غيره من المخلوقات بالقدرة على الاختيار "وهديناه النجدين"، ومبدأ الاختيار هو الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، والاختيار في دلالته العميقة يعني أن الإنسان قادر على صناعة قدره بنفسه، فالله قد استخلفه في الأرض ومنحه القدرة على فعل ما يريد على أن يتحمل مسئولية اختياره، لذلك فإن الحساب والعقاب هو الوجه الآخر للحرية، وهذا هو تكريم الإنسان أن يختار ما يريد ويتحمل عاقبة هذا الاختيار: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى".

وحين يتحدث القرآن عما ينتظر الإنسان سواءً في الدنيا والآخرة فإنه يربطها بعمله "جزاءً بما كانوا يعملون"

إن قدرة الإنسان على الاختيار يعني أنه مسئول عن نتيجة كل أفعاله، وأن كل ما يفعله اليوم سيلاقي نتيجته غداً، وإذا كانت أفعال اليوم هي التي تصنع حياة الإنسان في الغد، فإن واقعه اليوم أيضاً ما هو إلا صناعة الأمس، فإذا تساءلنا عن المصائب التي تواجهنا في حاضرنا:أنى هذا؟ فإن علينا أن نبحث عما قدمت يدانا، فهي لم تكن لتصيبنا إلا بما كسبت أيدينا: "قل هو من عند أنفسكم".

لكن أكثر الناس على اختلاف أديانهم وألوانهم بدل أن يلتفتوا إلى داخل أنفسهم فإنهم يبحثون عن أسباب مشكلاتهم خارج ذواتهم، ونقصد الذات هنا في جميع مستوياتها: الفردية، والجماعية، والحضارية، فالفرد يسب المجتمع والظروف لأنه فشل في حياته، والشعوب تحمل حكامها مسئولية الفساد والاستبداد، والعرب يحملون الغرب مسئولية خيبتهم وتأخرهم الحضاري، والغرب بدورهم يحملون العرب مسئولية الإرهاب والظلامية، ولا يفكرون بالأسباب التي قادت إلى هذه النتائج، وهكذا فإن كل حزب بما لديهم فرحون.

إن البشر يتقنون تبرئة النفس وتقديسها والعيش بنفسية الضحية وأنهم مظلومون مضطهدون، وحين تحل المصيبة بأحدنا فإننا نتعاطف معه بالقول إنه لا يستحق ما حدث له، وحين نتحدث عن تاريخنا نستفيض في وصف الجرائم التي قامت بها جيوش التتار تجاه عاصمة الخلافة، من جبال الجماجم وإحراق المكتبات، واسوداد نهر دجلة، وقتل الخليفة، ولكننا لا نبحث بجدية في حياة الخليفة الغارقة في الترف مما كان سبباً في تجرأ التتار على غزو ديارنا .

ونفس المنهج في حديثنا عن تاريخنا المعاصر فنرسم صورةً ورديةً بأننا كنا نعيش بأمن وأمان وادعين مسالمين، وفجأةً نزلت علينا البلايا من السماء، وغزانا الاستعمار، وأقيمت إسرائيل على أنقاضنا..

لكن القرآن قد جاء بفكرة انقلابية تنسف هذه المفاهيم السائدة، فهو لا يقر نفسية الضحية، وعلى العكس من ذلك يرسخ فكرةً غير مألوفة بين البشر وهي فكرة (ظلم النفس)، والبشر يتحدثون عن ظلم كل أحد لهم إلا ظلمهم لأنفسهم وهو الظلم الرئيسي الذي يركز عليه القرآن دائماً "وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم"، "وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، "ظلمنا أنفسنا"..

إننا نحن المسئولون عما يواجهنا من مصائب لأن الله قد أعطانا القدرة على الاختيار، ونحن الذين نملك أن نصنع الحياة بالطريقة التي نريدها فحياتنا من صنع أفكارنا، ولا يتغير واقعنا إلا إذا غيرنا الأسباب التي قادت إليه "حتى يغيروا ما بأنفسهم"..

إن القرآن يبرز دائماً المسئولية البشرية في كل ما يصيب البشر، ففي قضية الإيمان والكفر، والهدى والضلالة يبين أنها ليست عشوائيةً فالله لا يضل إنساناً إلا إذا اختار هو الضلالة "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً"، "قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً"، وفي المقابل إذا صدق إنسان في البحث عن الهداية ورغب في اتباع الحق فإن الله سيوفقه في ذلك "والذين اهتدوا زادهم هدى"..

الإنسان هو الذي يبدأ، والله يعطيه ما يريد ، فهو مخير لا مسير.

إن الإسلام يعزز دور الإنسان في اختيار قدره بدعوته على الالتفات إلى داخل نفسه لتغيير واقعه، فهناك في الإسلام مبادئ مثل الاستغفار والدعاء ينبغي ألا نفهمها بالطريقة التعبدية وحسب، بل لها دلالتها الفلسفية العميقة، فالاستغفار يكون لتدارك أخطاء الماضي حتى نتجنب آثارها المستقبلية، فهي محاولة للتأثير في المستقبل، والدعاء كذلك بمعناه الإيجابي أن الإنسان يحاول أن يستجلب شكلاً معيناً للمستقبل وأنه يستطيع أن يرد القدر بالقدر فلا جبرية أو حتمية (لا يرد القضاء إلا الدعاء)..

هل لنا أن نفهم السر الذي يميز قصة قوم يونس في القرآن الكريم عن غيرهم من الأقوام..إنها تمثل برهاناً على أن البشر يستطيعون بأنفسهم أن يصححوا مسار التاريخ، فهلاك الأمم ليس حتميةً تاريخيةً، ولكنه اختيار قابل للتعديل إن هم تابوا ورجعوا إلى الطريق الصحيح، هذه لفتة استفدتها من المفكر السوري جودت سعيد.

إن إرادة الله الغالبة لا تنفي دور الإنسان في صناعة القدر، نحن نعلم أنه لا يكون إلا ما يريد الله ولكننا لسنا مطلعين على علم الله حتى نتحرك بناءً عليه، فنحن حين نعمل فإننا نعمل وفق اختيارنا وليس بناءً على معرفتنا باختيار الله، وما نصنعه في النهاية يكون هو إرادة الله، فنحن نتحرك ضمن قدر الله ولا نلغيه، فنفر من قدر الله إلى قدر الله، إن المرض والهزيمة والفقر أقدار إلهية ولكن العافية والنصر والغنى هي أقدار إلهية أيضاً، والسعي لتغيير الحال من هزيمة إلى نصر، ومن مرض إلى عافية هي أقدار أيضاً..

إن الإسلام يذهب بعيداً في إعلاء قيمة الدور الذي يستطيع الإنسان أن يقوم به في صناعة قدره حتى يشمل ذلك الدور أموراً تفصيلةً نظن أنَّ أحداً من البشر لا يستطيع التأثير عليها، وأنها قدر إلهي محض لا نملك تغييره، مثل الطريقة التي سنموت بها، وهذا ما توضحه قصة الأعرابي الذي ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه اتبعه على أن يصاب بسهم في حلقه فيخرج من نحره فكان الجواب النبوي: إن تصدق الله يصدقك ، وهو ما كان له فمات بالطريقة التي يريدها بالضبط، ونفس المعنى في الحديث أن صدقة السر تقي مصارع السوء أن الإنسان يملك بعمله أن يختار طريقة موته.

إذا كان الإنسان يمكن أن يبلغ درجةً يختار فيها حتى طريقة موته، وإذا كان هناك من عباد الله الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره، فهذا يعني أنه لم تعد هناك دائرة للغموض والقلق والعشوائية في هذه الحياة، وأن الإنسان يملك أن يمسك زمام قدره بيديه، وهذه هي قمة التكريم الإلهي للإنسان الذي نفخ فيه من روحه، وكون الإنسان فيه نفخة إلهية فهذا يعني أن فيه أثراً من صفات الله، وكما أن الله يفعل ما يريد، فإنه قد أعطى للإنسان القدرة على أن يفعل ما يريد، طبعاً في حدود بشريته وعبوديته "وما تشاءون إلا أن يشاء الله"..

وكما ذكرنا مثالاً من المستوى الفردي فإننا نذكر مثالاً آخر من المستوى الجماعي وهو قول الله عز وجل:"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"، والمعنى أن الإنسان يستطيع أن يؤثر في الظواهر الطبيعية بتغيير رصيده النفسي..وبذلك تصير الطبيعة مسخرةً للإنسان، ويكون مسيطراً عليها بدلاً من أن يكون تائهاً حائراً مصدوماً أمام غضبها كما هو حاله اليوم .

جميل أن خبراء التنمية البشرية أدركوا جانباً من هذا المعنى الإيجابي للقدر فخرجوا لنا بقانون الجذب الذي يقول في خلاصته أننا نحن الذين نختار مستقبلنا إيجاباً أم سلباً، نجاحاً أم فشلاً..

إن هذا الفهم الإيجابي للقدر يؤكد لنا أن الحياة لا تسير على نحو غامض فتشقينا يوماً وتسعدنا آخر، أو أن الحظ يبتسم لنا يوماً فننجح، ويتجهم آخر فنفشل، ولكننا نعيش وفق اختياراتنا، وبذلك نتحرر من أغلال السلبية والتواكل والتكاسل، وتنطلق طاقاتنا باتجاه التغيير لبناء مستقبل أفضل..

والله أعلى وأعلم..

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

تمزيق المصحف وتمزيق الأمة

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

ثارت ثائرة الثائرين حين أعلن شخص معتوه لم يكن العالم يسمع به قبل أيام قليلة فقط عن اعتزامه إحراق المصحف، وتعامل البعض مع هذه الخطوة وكأنها تهدد بناء الإسلام بالانهيار، وكأن إحراق أوراق المصحف سيؤدي إلى شطب القرآن من الوجود.

أغلب الظن أن هذا القس والذي وصفته ابنته بأنه فقد عقله، والذي يقل عدد مرتادي كنيسته عن الخمسين شخصاً أعلن عن هذه الخطوة طلباً للشهرة وهو الهدف الذي نجح في تحقيقه بامتياز، ساعدته في ذلك آلة إعلامية جبارة كل همها هو الإثارة فحسب دون أي استشعار للمسئولية، كما ساعده بعضنا من حيث لا يدري بإعطائه أهميةً لا يستحقها، وحين يرى شخص يعاني من اضطرابات نفسية تظاهرات تخرج ضده فإن ذلك لن يكون مصدر إزعاج له، بل إن تلك التظاهرات ستشبع نفسيته المريضة وستشعره بالنشوة وستخلق لديه إحساساً بأنه شخص ذو قيمة وتأثير، وأنه صار قاهراً للأعداء..

يحق لذلك القس-والذي تعمدت ألا أحفظ اسمه لأن هناك ما يكفي من الأولويات لأشغل بها حيزاً من ذاكرتي- يحق له بعد اليوم أن يفتتح معهداً للتدريب على كيفية نيل شهرة عالمية في أقل من أسبوع، وأتوقع له نجاحاً كبيراً في أوساط جمهور فارغ باحث عن الشهرة.

لكم أن تتصوروا لو أنه قام بفعلته بعيداً عن كل هذا الصخب والضجيج، وأن أحداً لم يعره أي اهتمام هل كان سيضر الإسلام شيئاً، وماذا علينا لو امتثلنا للهدي القرآني فأعرضنا عنه "وأعرض عن الجاهلين"..

إن الكرة الأرضية يسكن فيها ستة مليار إنسان ولن تعدم بين هذا العدد المهول حاقدين ومرضى نفسيين، ولن نستطيع أن نجمع الناس على عدم الإساءة إلى رموزنا، وكما قال الشاعر لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار، فالحل الأمثل في التعامل مع هؤلاء هو التجاهل والإعراض، لأن الرد عليهم سيغري مزيداً من السفهاء باقتفاء أثرهم لتحقيق ما حققوه من شهرة وإحساس بالأهمية، وهذا ما نراه من الموجة المجنونة الحالية من الإساءة لرموزنا التي تجتاح العالم .

إننا نقع في ذات الخطأ الذي وقعنا فيه أثناء أزمة الرسوم الساخرة، فنصنع من أشخاص تافهين أبطالاً في نظر شعوبهم، في أزمة الرسوم المسيئة حوَّلنا شخصاً مجهولاً في بلد مجهول إلى أشهر من نار على علم فأحرقنا صوره في التظاهرات ونشرناها في المواقع الالكترونية وفي الفضائيات فصار موضع ثناء وإعجاب عند قومه ينال الأوسمة والجوائز من المؤسسات والزعماء الغربيين وآخرهم المستشارة الألمانية.

لكن وللاستدراك فإنني أسجل شهادةً بأننا كنا هذه المرة أقل انجراراً إلى الاستفزاز، فآثر كثيرون التجاهل وعدم إبداء أي اهتمام تجاه الحادثة لكن كثيرين في المقابل لم يتعلموا الدرس بعد فكانت هذه الكلمات ذكرى وموعظةً لهم.

إننا نخطئ حين نقلب الأولويات ونحشد طاقات الأمة في معركة جانبية بينما نغفل المعركة الرئيسية، وكأن مشاكلنا بدأت للتو مع أمريكا بفعلة ذلك الشخص مع أنه من المهين بحق أمة يبلغ تعدادها مليار ونصف مليار إنسان أن ينجح فرد واحد أو مجموعة أفراد باستفزازها واستثارة غضبها..

إن حقيقة مشكلتنا مع أمريكا ليست في هذه الحادثة، ولكنها في سجلها الأسود الحافل بالظلم والإجرام ضد الإنسانية..

إن مشكلة أمريكا ليس مردها إلى هذه الأفعال الصبيانية، ولكنه في سياساتها الداعمة للكيان الصهيوني على أرضنا، وفي نهب ثرواتنا وحمايتها لأنظمة القمع والاستبداد الجاثمة على صدورنا..

لعل من موافقات القدر أن يتزامن هذا الصخب حول إحراق المصحف مع تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية تبشر فيها بانقسام السودان وتوحي لسكان الجنوب بالتصويت لصالح الانفصال بالقول إنه صار أمراً محتوماً، وبينما نحن مستنفرون إلى آخر مدىً في معركة إحراق المصحف فإن هيلاري بدأت بتقسيم الغنائم قبل بدء المعركة وأخذت تتحدث عن ثروات جنوب السودان ونفطه.

هذه المواقف الأمريكية الرسمية الساعية إلى تفكيك المفكك وتجزئ المجزأ من بلادنا لم نجد فيها ما يستفزنا ومرت دون أي موقف رافض مع أنها أخطر بدرجة لا تقارن من تصرفات فردية رعناء أقدم عليها شخص أرعن.

فبينما لا يملك ذلك القس أكثر من قلب أسود معبأ بالكراهية ، وبعض التصرفات الصبيانية، فإن أمريكا الرسمية التي تمثلها هيلاري تسخر كل إمكانياتها الجبارة ومخططاتها، ومكر الليل والنهار في خلق وقائع عملية ملموسة تعزز واقع الضعف والتفكك العربي وتجهض أي محاولة للنهوض.

ولأن أمريكا الرسمية أكثر دهاءً ومكراً من بعض مواطنيها المعتوهين فإنها غير معنية بمثل تصرفات القس التي لا تحقق لها أي مصلحة سياسية لذا وجدنا إدانةً لها. وقد جاءت إدانته على لسان الوزيرة هيلاري كلنتون أيضاً، فما دام تنفيذ المخططات جار على قدم وساق فلا ضير من إظهار احترام الأديان والمقدسات، حتى تظل الأمة في سباتها العميق، فإسكات مثل هذه الأصوات المتطرفة هو مصلحة لمشروع الهيمنة الأمريكي قبل أن يكون مصلحةً للأمة.

إن تمزيق الأمة أخطر ألف مرة من تمزيق أوراق المصحف على بشاعته، وإن انتصارنا للقرآن لا يكون بردود أفعال عاطفية هوجاء ولكن بإحياء معانيه في حياتنا فنعتصم ونتوحد ونجاهد الظلم ونسير على الصراط المستقيم الذي دعانا إليه.

لقد مزقنا القرآن قبل أن يمزقوه باتخاذه مهجوراً وبتعطيلنا للطاقة الحضارية الهائلة التي يحتويها ولو قمنا بواجبنا تجاه القرآن حق القيام لاختلف حال العالم وتغير وجه التاريخ..

متى نفقه أولوياتنا ونتجاوز حالة ردود الفعل العاطفية إلى الجهد الواعي المنظم لننهض بواقعنا، ونوجه بوصلتنا إلى وجهتها الصحيحة فلا ننحرف عن المعركة الرئيسة إلى معارك جانبية يفرضها علينا أشخاص تافهون..

"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد"..

والله تعالى أعلم..