الأربعاء، 21 يوليو 2010

في ظلال سورة الفتح

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

 

يحلم كثير من الطيبين بأن يأتي يوم تنقلب فيه موازين القوى الدولية لصالح المسلمين، وأن يسير المسلمون جيوشهم وعتادهم لفتح البلاد  وتحرير العباد.

فكرة تسيير الجيوش تحديداً لفتح البلاد هي نظرة نمطية عند كثير من المسلمين، وهي مستمدة من التراث التاريخي وما احتواه من فتوحات  وغزوات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وما تلاه من أزمنة، وهذه النظرة تدل في  جانب منها على روح خيرية وإيجابية وحرص على تبليغ الدين بما فيه من عدل ورحمة  وأخلاق للناس كافة .

إلا أن مشكلة هذه النظرة أنها جامدة متوقفة في الماضي  فهي تنظر بعين واحدة، هي عين التراث دون أن تلتفت إلى التغيرات الهائلة التي طرأت  على العالم، فالزمان غير ذلك الزمان.وما كان صالحاً في ظروف تاريخية معينة ليس  بالضرورة أن يظل صالحاً في مختلف الأحوال.

وتصور المسلمين تجاه فتح بلاد غير المسلمين بهدف نشر الإسلام فيها لا ينبع من معاني النصوص وحدها، لكنه نتيجة خلط بين القراءة الموضوعية للنصوص وبين التجربة التاريخية البشرية.

وإذا أردنا أن نحرر النصوص من  الإسقاطات البشرية، ونظرنا  إليها نظرةً مجردةً سنجد مفهوماً أوسع لكلمة الفتح في القرآن الكريم تحررها من  النظرة التقليدية المحدودة

ففي سورة الفتح أحبِّ سورة إلى قلب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم "إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً"، وقد فسر هذا الفتح المبين بأنه صلح  الحديبية وليس فتح مكة كما يظن كثيرون، رغم أنه لم يكن هناك قتال ولا معارك، والصحابة بحكم البيئة الاجتماعية والثقافية التي نشأوا فيها لم يكونوا قادرين على تصور فتح بدون قتال مما دفع أحدهم إلى أن يسأل  الرسول صلى الله عليه وسلم: أي رسول الله أو فتح هو؟، فقال عليه الصلاة والسلام: "إي والذي نفس محمد بيده إنه لفتح "، ومن اللافت في التعبير القرآني أنه بينما وصف صلح الحديبية بالفتح المبين، فإن فتح مكة العسكري وصف بالفتح وحسب "إذا جاء نصر الله والفتح"،هذا رغم أن  ظاهر صلح الحديبية كان مجحفاً بحق المسلمين مما دفع صحابياً بقدر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بادئ الأمر إلى الغضب والاعتراض بقوله لِم نعط الدنية في ديننا.

لكن الأمور بعواقبها وما كان يشق على المسلمين تقبله في  البداية تبينت حكمته بعد ذلك، فقد دخل الناس في دين الله أفواجاً وأسلم في السنتين اللتين أعقبتا صلح الحديبية مثل عدد من أسلموا خلال  العشرين سنة السابقة أو أكثر، وذلك  أنه لما توقف القتال, وأمن الناس بعضهم بعضا , والتقوا , وتحاوروا, لم يكلم أحد في الإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه.. فقد كان فتحاً دعوياً واستراتيجياً.

إن القتال ليس هدفاً لذاته، ولكنه حالة اضطرارية يُلجأ  إليها حين تعدم الوسائل الأخرى لإحقاق الحق ونشر العدالة، فالقرآن يقول: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم"، لذلك نجد أن الله عز وجل قد امتن على الصحابة في سورة  الفتح بتوقف القتال: "وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم"، ويفهم المرء بسهولة وجه المنة في كف أيدي قريش على المؤمنين، لكن ما هو وجه المنة على المؤمنين في كف أيديهم عن قريش، والجواب هو أن المؤمنين ليسوا هواة قتال وإراقة دماء وحين يلجئهم الاضطرار إلى ذلك فهم له كارهون، فإذا توقفت هذه الحالة الاضطرارية فهي نعمة يمن الله بها عليهم حتى وإن  كانوا هم الغالبون.

إن الظروف الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدةً زمن البعثة وما بعدها كانت الدافع الرئيس وراء الطبيعة العسكرية لبعض الفتوحات الإسلامية، حيث كانت الناس على دين ملوكهم وكانوا يمنعونهم من حرية الاختيار، ولم يكن الهدف من استعمال القوة في تلك الفتوحات إجبار الناس على الدخول في الإسلام كما يزعم البعض، فالقرآن ينص بصريح العبارة بأنه "لا إكراه في الدين" ، ويحصر القرآن مهمة النبي في التبليغ دون وصاية على أحد "لست عليهم بمسيطر"، "وما أنت عليهم بجبار" ، "وما أنت عليهم بوكيل"، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" ، وحين استعملت القوة فقد كانت تهدف إلى الإطاحة بأنظمة استبدادية تحول بين شعوبها وبين حرية الاختيار، فإذا سقطت تلك الأنظمة ترك الناس أحراراً في عقائدهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وهذا الذي يفسر لنا تولي يهود لوزارات مهمة في الدولة الإسلامية، كما يفسر لنا محافظة النصارى على دينهم حتى اليوم في بلاد المسلمين، فلو كان هناك اضطهاد ديني لما كان هناك على سبيل المثال حوالي عشرة ملايين قبطي في مصر في يومنا هذا،على خلاف محاكم التفتيش في الأندلس التي أبادت كل من اشتم منه رائحة الإسلام.

لكن الظروف تغيرت اليوم، فنحن في زمن ينحسر فيه خيار القوة العسكرية، بينما يعلو صوت الفكر ونداء العقل والحوار، وتولى الحكم في بلاد الغرب أنظمة ديمقراطية تكفل لشعوبها حرية العقيدة، وانهدمت الحواجز التي كانت تحول بين الشعوب وبين حرية التفكير، وصار بالإمكان التواصل مع الناس في أي مكان من العالم عبر الانترنت والفضائيات العابرة للقارات، وتحطمت الحدود رغم أنوف الحكام.

هذه القفزة النوعية في نمط الحياة البشرية ألغت الحاجة إلى الوسائل التقليدية القديمة لنشر الإسلام، فلم تعد هناك حاجة لتسيير جيوش من الدعاة لتبليغ الرسالة، وصار بالإمكان تبليغ الإسلام للملايين من غرفة صغيرة يدار منها موقع الكتروني أو مبنى متواضع تبث منه قناة فضائية تخاطب القوم بلسانهم لتبين لهم.

وبعد أن كانت المواجهة بين الدول تدار بالدبابات والطائرات إلى وقت قريب فقد صارت لغة التخاطب خاصةً بين الدول الكبرى هي الدبلوماسية والسياسة والإعلام والاقتصاد والتفوق العلمي.

ولم يعد التفوق العسكري هو العامل الحاسم في تقدم الدول  فقد انهار الاتحاد السوفييتي وهو يملك أسلحةً نووية وكيماويةً تكفي لتدمير الكرة الأرضية خمس مرات، بينما صعدت اليابان بدون جيش، وفي هذا آية بينة بأن العالم بدأ ينتقل من عالم الأشياء إلى عالم الأفكار بحسب تقسيمات المفكر الجزائري مالك بن نبي، فمن يملك الأفكار الصحيحة تكون العاقبة له.

هذا الواقع الجديد يمثل فرصةً ذهبية للمسلمين يجب أن  يحسنوا استثماره، فضجيج الحروب وقعقعة السلاح هي التي تمنع الناس من التفكير الهادئ العقلاني، وحين تضع الحرب أوزارها يحكم الناس عقولهم ويسهل عليهم التمييز بين الحق والباطل، والمسلمون يجب ألا يظلوا مرتهنين لنماذج تاريخية استنفدت فعاليتها وتجاوزها البشر، بل يدخلوا أبواب العصر ويعيشوا زمانهم وهذا هو مقتضى  وظيفة الشهادة التي أوكلها الله إليهم "لتكونوا شهداء على الناس".

 إن فتح العالم في هذا الزمان لن يكون بالدبابات  والطائرات ولا باجتياح أمريكا و أوروبا، ولكن بامتلاك أدوات القوة سياسياً واقتصادياً وعلمياً والاستفادة من الفضائيات والانترنت لإطلاق خطاب واع للأمم الأخرى، وإنشاء مراكز ثقافية متواضعة لا تذعر الغرب علينا كما في المآذن تستفيد من أجواء الحرية في الغرب وتتواصل مع الشعوب وتحاورهم بالحكمة والموعظة الحسنة.

ولعل في الحديث الشريف الذي يبشر بفتح روما بدون قتال أو سلاح ولكن بكلمة التكبير وحدها إشارة رمزية إلى قوة الكلمة والفكر وتفوقها على قوة  السلاح، وهذا ما بدأت البشرية تدركه في هذا الزمان..

"ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين"..

والله أعلى وأعلم…   

في النقد الذاتي

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

تطرب النفس البشرية للمديح والإطراء ويسكرها خمر الثناء ،وهي بطبعها تتألم من النقد ولا تميل إلى سماع صوت المخالفين لها. هذه القاعدة نجدها في حياة الأفراد والجماعات ,ولو تأملنا ما تخطه أقلام الكتاب على اختلاف ألوانهم الفكرية والسياسية لرأينا قاسماً مشتركاً يجمعهم وهو أن غالبيتهم العظمى تهتم في كتاباتها بتعديد مناقب أحزابها وإظهار الوجه المشرق لها والسعي لإثبات صحة المواقف المتبناة منها.ورغم أن بعض المقالات تحتوي على جرعات نقدية للذات وتدعو إلى المراجعة والتصحيح إلا أن التوجه العام لا يزال هو الرضا عن أداء النفس والركون إلى الإنجازات التي تحققت. وربما سعى بعضهم إلى تبرير هذا التوجه بالقول أن التركيز على بعض الأخطاء التي لا مناص من الوقوع بها ونحن نتحدث عن جهد بشري ربما أدى إلى الإحباط , وربما منح فرصة للمتربصين للطعن في الجماعة وتصيد الأخطاء لها.

إن أهمية المراجعة والنقد ليست في أنها تمنع من الوقوع في أخطاء صغيرة لا يسلم منها أي جهد بشري , ولكنها تنبع من قيامها بدور الكابح الذي يمنع تكرار هذه الأخطاء ويحول دون تفاقمها وتراكمها .لذا فإن غياب هذا المنهج يصيب جسم الجماعات بمرض فقدان المناعة ويجعله مهيئاً للإصابة بكل أنواع الأمراض الفتاكة . إن انتقاد الذات ولومها رغم مرارته لا نستطيع الاستغناء عنه ,وإن أي جماعة تسعى لتحسين أدائها والارتقاء بمستواها يجب أن تتعامل مع النقد الموجه إليها مثل الدواء يتجرعه الإنسان ولا يكاد يسيغه ولكنه يجلب الشفاء والعافية. بل إن عليها أن تبادر بفتح الباب واسعاً أمام الآراء المخالفة ,وأن تنصت جيداً لها لأن من شأن هذه الآراء أن تفتح آفاقاً رحبة أمام دوائر صنع القرار ,وأن تنبههم إلى كل الاحتمالات والتوقعات التي ربما غاب عنهم بعضها .

 ولعل شبهة تطرح في هذا السياق وهي أن من شأن هذا النقد النابع من أشخاص محسوبين على الحركة أن يضعفها أمام خصومها ويظهرها بمظهر المنقسمة على نفسها .ولكن هذه الشبهة تزول إذا نجحت الحركة في تقديم نموذج جديد للناس وهو أنها معنية بهذه الانتقادات وأنها هي من يشجعها ,وفي هذه الحالة ستصبح هذه الحركة جديرة بالاقتداء وليس بالذم .فكما أن الدول الغربية لا يعيبها أن تخرج فيها أصوات معارضة لسياسات حكوماتها , ولا يحق لنا في البلاد العربية أن نعيبهم في هذا ونحن نكتم الرأي الآخر ,كما لا يحق لنا أن نعتبر الصوت الواحد الذي لا يسمع غيره في بلادنا دليل صحة وعافية.

 إن علينا ألا نشغل أنفسنا كثيراً بالتحدث عن إيجابياتنا ومحاسن أعمالنا ,وليكن لنا في أبي بكر الصديق أسوة حسنة فهو الذي لو وزن إيمانه في كفة وإيمان الأمة في كفة لرجح إيمانه ,ومع ذلك لم تسجل له مقولة واحدة يثني فيها على نفسه ,أما الذين أكثروا من الحديث عن أنفسهم عبر مراحل التاريخ المختلفة فهم أقل كثيراً من أبي بكر بل إنهم لا يقارنون به .

 لنترك أفعالنا تتحدث عنا ,أما نحن فمن المفيد لنا أن نشغل أوقاتنا باستكشاف مواطن الخطأ والقصور في أدائنا وتصحيحها,وخير لنا أن نقوم أخطاءنا بأنفسنا قبل أن يكتشفها عدونا ويستثمرها ضدنا. إن هذه الانتقادات ستشكل لنا مصدر قوة و إثراء إن أحسنا التعامل معها .أما إذا تجاهلناها واكتفينا بالابتسامات الدبلوماسية في وجوه أصحابها لتطييب خواطرهم ,فإننا سنكون قد حرمنا أنفسنا من خير كثير لأننا سنصيبهم بالإحباط وسنفقدهم الثقة في قدرتهم على تصحيح القرارات الخاطئة.

إن عظم التحديات التي تعصف بالحركة ،وثقل المسئوليات الملقاة على عاتقها يجعل من الواجب عليها أن تنصت جيداً لكل رأي ,وأن تنشئ لجاناً متخصصة لرصد الأقوال الصادرة عن أعدائها وأصدقائها سواءً ،وحتى ينجح هذا التوجه ينبغي ألا يكون هناك محرم في تناوله .فما دامت الأدوات المستعملة في النقاش هي الدليل والبرهان فكل شيء قابل للوضع على بساط البحث,وإن كانت هناك خيارات أفضل فسنظفر بها .

 إن تشجيع النقد الذاتي هو الضمانة الأكيدة للارتقاء بمستوى الأداء وهو الذي سيحصن الحركة وسيمنحها عناصر قوة إضافية , ويبقى من مسئولية السادة الكتاب أن يقللوا من جرعات الثناء والمديح ,وألا يترددوا في توجيه النقد البناء إذا لزم الأمر فإن من حق المسلم على المسلم أن ينصحه.

مرض الاستكبار في الأرض

                                                                                                                                             أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

الكبر هو الذنب الذي عصى به إبليس ربه حين رفض السجود لآدم واستحق به الطرد من الجنة حيث لا مكان للمتكبرين فيها:"فما يكون لك أن تتكبر فيها"ولاحقته اللعنة إلى يوم الدين.

وأكثر بني آدم هم أتباع لإبليس فهم على طريقته،لذا فإن مرض البشرية المزمن عبر التاريخ هو الكبر،وكل مشكلات العالم اليوم سببها الاستكبار بدءً من البيت الصغير بين الأب وأبنائه أو بين الزوج وزوجته وانتهاءً بمشكلة استعلاء أمريكا في الأرض والزعم بأنها إله من دون الله.

تندلع المشكلات الكبيرة بين الناس من أسباب تافهة لأن كل فريق يصر على إنفاذ كلمته وعدم الرجوع عن موقفه وعدم كسر هيبته ،حتى وإن أدى ذلك إلى معالجة الخطأ بكارثة،ولو كان الإنسان مسلماً حقيقةً بأنه إنسان لا أكثر وأن كل ابن آدم خطاء لما وجد حرجاً في الاعتراف بخطئه والتنازل لصاحبه إذ تبين له أنه على حق،ولكنه يظن في قرار نفسه أنه يمتلك بعض صفات الألوهية  فهو الأكبر والأعلى في زعمه ولا ينبغي أن يكون هناك معقب لحكمه، فيرفض التسليم بالحق ويصر أنها عنزة وإن طارت،ويرفض الحق لأنه جاء ممن هو أصغر منه سناً أو أقل علماً أو مالاً أو منزلةً بين الناس،وفي السلوك الاجتماعي يظهر الكبر في الاستنكاف عن مشاركة عامة الناس في طعامهم وحديثهم وأفراحهم وأحزانهم ،وهذا هو معنى الكبر كما بينه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه بطر الحق وغمط الناس أي احتقارهم والتعالي عليهم.

ومن يفعل هذه الأفعال في بيته أو بين زملائه في العمل أو في مجتمعه الصغير  فهو يحمل في صدره بذور الاستكبار والقابلية له،وهو لا يختلف شيئاً عن قوى الاستكبار العالمية ولو قدر له أن يحكم العالم لما كان أفضل حالاً من جورج بوش الذي خاض الحروب لإثبات أن كلمة أمريكا هي العليا،فالعبرة بالقابلية النفسية للمرض،كما في القرآن أن من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً.


 المستكبر ينازع الله في ألوهيته لأن الله هو المتكبر الوحيد بحق،وفي الحديث الشريف يقول رب العزة:(الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار)،والمستكبر يقول للناس اتخذوني إلهاً من دون الله،وبينما يقول المؤمن "الله أكبر"،يقول المستكبر: "أنا أكبر"،وهو إن لم يقلها بصريح المقال،فلسان حاله يؤكدها.

والكبر هو مرض فرعون الذي خلده القرآن إذ قال "أنا ربكم الأعلى"،بل هو مرض جميع الأقوام الذين كفروا بأنبيائهم استكباراً من أنفسهم وهم يقولون:"أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا""،وما منع الكفار من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس هو نقص الأدلة على صدقه،ولكنه الكبر والأنفة،واحتقار شخص النبي الكريم عليه الصلاة والسلام "لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم".

ومن هنا كان تشديد الإسلام وتشنيعه على المتكبرين حيث يقول الحديث النبوي الشريف: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"،ويقول القرآن الكريم:"أليس في جهنم مثوى للمتكبرين"،وذلك لأن المتكبر يزعم أنه إله فإن لم يرجع عن ذلك كان دخول جهنم ضرورياً لكسر هذا الكبر وإقناعه بحقيقة نفسه:"لو كانوا آلهة ما وردوها"،وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.

إن الكبر ضار بصاحبه أكثر من ضرره بغيره،وفي الدنيا قبل الآخرة،وذلك لأن من يتمكن الكبر من صدره فإنه يحيط نفسه بهالات كاذبة وحجب كثيفة من الألوهية المدعاة فلا يسمح لأحد بالاقتراب منه ويأنف مشاركة الناس ولا يتكلم معهم إلا بفوقية،وبذلك يحرم من الطمأنينة القلبية والسعادة الروحية،ويعيش في قلق واضطراب لعدم تمكنه من تحقيق ذاته الكاذبة:"إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه"،كما أنه يحرم نفسه من الاستفادة من علم الآخرين وحكمتهم وتجاربهم لأنه يأبى التواضع والاستماع لما عندهم،وبذلك يغلق على نفسه منافذ الفهم والإدراك،وتسد أمامه الآفاق:"فلا تفتح لهم أبواب السماء" ،ومن يصل إلى هذه الحالة فقد حكم على نفسه بالإعدام الروحي وبدأ طريق النهاية.

وحين يتحرر الإنسان من الكبر لن يجد حرجاً في اتباع الحق أياً كان قائله،وبذلك ستتفتح أمامه آفاق واسعة،وسيزداد علماً وهدى.

إن الطريق إلى خلاص البشرية بأسرها مما هو واقع بها من مصائب هو التخلص من مرض الكبر وتواضع الإنسان لأخيه الإنسان،فلا يعلو بعضهم على بعض ولا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله،فتكون المساواة الإنسانية لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى والعمل الصالح،وقد جاء الإسلام برسالة المساواة بين الناس:"تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله".

 والدعوة إلى توحيد الله وعدم الإشراك به ليس حديثاً في الميتافيزيقيا وحسب كما يصورها البعض،ولكنها ضرورة اجتماعية وحضارية ملحة،وشرك هذا الزمان ليس بعبادة الأصنام الحجرية ،ولكنه بعبادة الطواغيت من الدول والحكام،وليس شرطاً أن تكون عبادتهم بالركوع والسجود بين أيديهم،ولكنها بالخضوع والذل لهم وطاعتهم في الباطل والإقرار بتجبرهم في الأرض.

إن هذه الآية التي تحدثت عن كلمة السواء تصلح لأن تكون قاعدة للحوار بين البشر وللمصالحة العالمية،وهي كما نرى لم تتطرق إلى الأحكام التفصيلية في الإسلام ولا إلى أركانه كالصلاة والزكاة والصوم ولكنها اكتفت بذكر القاعدة الكبرى التي تصلح ليجتمع عليها البشر وتكون قاسماً مشتركاً بين أتباع الملل والشرائع المختلفة،وهي المساواة الإنسانية والتخلص من روح الاستعلاء والاستكبار.

والتوحيد الذي جاء به الإسلام وقام عليه أمر الدين كله يعني في إحدى جوانبه المساواة بين البشر،فما دام الإله لهذا الكون هو إله واحد في السماء فهذا يعني أن كل من على الأرض هم عبيد له لا يحق لأحد منهم أن يعلو على غيره ويقول لهم إني إله من دونه.

والمسلمون ليسوا استثناءً من القاعدة وهم ليسوا مبرئين من هذا المرض،فهم بشر ممن خلق الله يصيبهم ما يصيب غيرهم من الأمم، وبعض المسلمين يظن أن كونه مسلماً يؤهله للاستعلاء على الناس وإخضاع رقابهم لحكم دولة إسلامية عالمية،وهذا التصور يجعلنا لا نختلف كثيراً عن أمريكا في روحها الإمبراطورية، والإسلام لا يدعو إلى العلو في الأرض: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً"،فالمشروع الإسلامي الحضاري ليس مشروع هيمنة واستعلاء ولكنه مشروع هداية وتعزيز لقيم العدالة والمساواة في الأرض ومحاربة للاستكبار أياً كان مصدره،وأينما تكون الدعوة إلى هذه القيم فثمة الإسلام حتى لو جاءت من غير المسلمين،كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"أينما يكون العدل فثم شرع الله.  

ستتخلص البشرية من مرض الكبر حين يعترف أتباع الشرائع والثقافات والقوميات المختلفة أن الآخر المختلف عنهم هو إنسان مكتمل الخصائص الإنسانية وأن لديه ما ينفع به العالم ،وأن الاستكبار في الأرض له عواقب وخيمة على الجميع ،وهو ليس في مصلحة أحد،حينها لن تظل البشرية على ملة هتلر الذي نادى بتفوق الجنس الآري ورفع شعار: "ألمانيا فوق الجميع"،وستصير ألمانيا وأمريكا وفلسطين والصومال مثل الجميع،ويطبق الجميع الوصية النبوية الخالدة:"كونوا عباد الله إخواناً"،وهي مرحلة سيصل إليها البشر بالعلم وبالتجربة بعد أن ذاقوا عاقبة الاستكبار،حينها فقط سيعم السلام وستتوقف الحروب والكراهية وسيكون الدين كله لله.

والله أعلى وأعلم...


 المسلمون والعدالة العالمية

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يحدثنا التاريخ عن حلف عقدته قريش قبل الإسلام في دار عبد الله بن جدعان يسمى حلف الفضول يهدف إلى نصرة المظلومين بمكة، وقد أثنى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم على هذا الحلف وقال: "لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت"..

 

هذا الحديث بالغ الدلالة بأن الإسلام يرحب بكل دعوة للخير والعدل حتى وإن جاءت من غير المسلمين، فهذه الفكرة النابعة من الفطرة الإنسانية المحبة للخير وإن لم تكن من منطلق ديني إلا أنها تخدم ذات الهدف الذي جاء الإسلام من أجله.

 

رسالة الإسلام الأسمى هي إقامة العدل في الأرض، ومن أجل ذلك أرسل الأنبياء على مر العصور كما أخبرتنا سورة الحديد:"ليقوم الناس بالقسط"، وهذا ما جعل الإمام ابن القيم رحمه الله يعتبر تحقيق العدل أصلاً للتشريع فيقول:أينما كان العدل فثم شرع الله..

 

الإسلام لم يأت ليطرح قضايا نظرية معزولة عن حياة الناس، ولكنه جاء برسالة العدل والسلام والرحمة للعالمين، وإذا أراد المسلمون المشاركة الفاعلة في عالم اليوم واستئناف دورهم الحضاري فإن هذا لا يكون بالاهتمام بقضايا فرعية ولا بالانغلاق على أنفسهم والاستغراق في مشكلاتهم الخاصة، ولكنه يكون بدخول باب العالمية وتقديم مشاريع عملية تفيد البشرية وتقيم العدل في حياتها..

 

إن المسلم بطبعه ينبغي أن يكون عالمي الاهتمام فالإسلام ليس دعوةً قبليةً أو وطنيةً أو قوميةً، بل جاء رحمةً للعالمين والرسول محمد صلى الله عليه وسلم أرسل للناس كافةً، لذا فإن المسلم ينبغي أن يهمه واقع البشرية وأن تكون له مساهمته الفاعلة في تقديم الحلول لمشكلات الإنسانية.

 

لكن كثيراً من المسلمين لا تجد هذه العالمية في حياتهم إلا حديثاً نظرياً لا أثر له في الواقع العملي، بينما لا يتجاوز تفكيرهم الحدود الجغرافية الضيقة.

 

وفي أحسن الأحوال يتوسع اهتمامهم لتناول قضايا المسلمين ولكن بمعزل عن المحيط العالمي، مما يرسخ انطباعاً بأنهم منغلقون على أنفسهم، وأنهم لا يملكون ما يقدمونه للمساهمة الحضارية.

 

وكان الأولى بالمسلمين وهم أصحاب الرسالة العالمية والمكلفون بالشهادة على الناس أن يكون لهم حضورهم في كل القضايا العالمية الملحة، وأن يكون لهم السبق في التصدي لمشكلات الإنسان المؤرقة كالحروب والاستبداد والفقر والبيئة وغيرها وتقديم حلول خلاقة لها.

 

أما مشكلات المسلمين الخاصة فيمكن حلها في إطار الحلول العالمية الإنسانية..

 

فلا نخاطب العالم برفع الظلم الواقع على المسلمين وحسب، ولكن نخاطبهم برفع أي ظلم على أي إنسان، لأن العدل لا يتجزأ والظلم محرم على أي أحد، وحين يكون ذلك فإن المسلمين سيشملون في هذا الخطاب العالمي.

 

وإذا كانت مشكلة العالم الأساسية اليوم هي غياب العدالة وتفشي الظلم واتخاذ الناس بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فإن واجب الساعة هو الدعوة للعدالة وتحرير الإنسان ومحاربة الظلم..

 

من المؤسف أن يكون بين المسلمين من يتعامل بحساسية مفرطة مع كل مصطلح يأتي من الغرب حتى وإن كان معناه من صميم الإسلام، فهناك من رفض استعمال كلمات مثل العدالة الدولية وحقوق الإنسان وقال إننا ينبغي ألا ننخدع بها وأن نظل على منهاج النبوة.

 

وهذا الأخ يسيء إلى الإسلام من حيث لا يدري، فهو يظهره وكأنه مناقض للعدل وحقوق الإنسان، وحتى لو كان الغرب لا يطبق هذه الشعارات ويستعملها لخداع الشعوب، فإنه ليس من الحكمة أن نرفضها لأن الإسلام قد علمنا أن نخاطب الأقوام بلسانهم "وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ"، واللسان لا يقتصر على اللغة المنطوقة وحسب، ولكن يدخل في معناه المستوى الثقافي للشعوب والمصطلحات والاهتمامات، والعالم في هذا الزمان يتحدث بلسان الحرية والعدالة وحقوق الإنسان فوجب أن نخاطبه بهذه اللغة..

 

إنه لأمر محزن أن من ينشئ المنظمات الحقوقية في العالم ويقود الهيئات الدولية المدافعة عن العدالة، ويروج لثقافة حقوق الإنسان أكثرهم من غير المسلمين، وكأن هذا لا يعني المسلمين.

 

إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد امتدح حلف الفضول، وكان مستعداً للمشاركة فيه حتى بعد نبوته فإن المسلمين مطالبون بأن يقتدوا بهديه فيعززوا كل جهد في هذا السبيل، بل أن يبادروا إلى طرح المبادرات والأفكار في هذا الاتجاه.

 

إن الواجب الحضاري على المسلمين في هذه المرحلة أن يبادروا إلى إنشاء تحالف عالمي إنساني يتجاوز الحدود السياسية والقومية يناضل من أجل نصرة قضايا العدالة وحقوق الإنسان في كل مكان، ينصر المظلوم أياً كان مسلماً أو غير مسلم، ويضم في صفوفه كل المناضلين من أجل العدالة مسلمين كانوا أم غير مسلمين.

 

هذا التحالف الذي يمكن وصفه بأنه حلف فضول القرن الواحد والعشرين يتبنى أفكاراً ومقترحات محددة مثل إصلاح الأمم المتحدة وإعطائها دوراً حقيقياً لإرساء السلام في العالم، وإيجاد صيغة إلزامية لكل الدول كبرى كانت أم صغرى للامتثال لحقوق الإنسان والتقيد بالعدالة. ومن يرفض الالتزام يتعرض لعقوبة أممية، وإلغاء حق الفيتو الذي يصادر العدل من العالم فيقدم إرادة دولة واحدة من الخمس الكبار على الإجماع العالمي، والعدالة في توزيع الثروة وعزل الأنظمة الاستبدادية في العالم وعدم تقديم أي شكل من أشكال الدعم لها، وعلى هذا النحو من الأفكار.

 

هذه الأفكار ليست استغراقاً في الأحلام، بل سترى النور يقيناً إن لم يكن بنا فبغيرنا لأن الله يأبى إلا أن يتم نوره، وهذا العالم سيولد بالجهاد السلمي الهادف إلى حشد رأي عام عالمي يؤمن بأن المصلحة الحقيقية لكل الدول والأفراد على المدى البعيد هي تحقيق العدالة.وأن تحقيق العدالة هو الذي سيشيع الأمن والاستقرار، وسيحفز العقول على الإبداع والتفكير, وأن غياب العدالة مكلف جداً للجميع، لأنه يعزز مشاعر الخوف والقلق في نفوس الأقوياء ومشاعر الكراهية والغضب في نفوس الضعفاء.فتغيب الطمأنينة النفسية، وتتبدد الطاقات الإنسانية والثروات الاقتصادية في شن الحروب والمخاوف الأمنية.و أن هذه الطاقات المهدورة يمكن الاستفادة منها في تنمية الإنسان وتحقيق سعادته وراحته.

 

حين يتشكل مثل هذا التيار ويقوى سيمثل قوةً ضاغطةً على الحكومات تجبرها على الامتثال للعدالة.

 

هذا هو واجب الساعة وهذا هو جهاد العصر، وهو الميدان الأكثر تأثيراً الذي ينبغي أن نوجه طاقات شبابنا إليه بدل أن تنصرف جهودهم وأوقاتهم في اتجاهات خاطئة أو محدودة النفع..

 

إن إصلاح النظام الدولي القائم وجعله أقرب للعدالة والقسط هو المهمة الأكثر إلحاحاً والأكثر انسجاماً مع رسالة الأنبياء.

 

إن البشرية قد سئمت من النظريات المجردة، وهي تنتظر منا شيئاً ملموساً على الأرض لأن المبادئ التي لا يحسن أصحابها غير الكلام تفقد مصداقيتها بين الناس وإن كانت صادقة.

 

حين تسود العدالة في الأرض فإن الرابح الأكبر هم المسلمون، لأنهم أكثر المتضررين من عالم اليوم، ولأن هذا هو مضمون رسالتهم الحضارية فالإسلام ليس له أهداف خاصة بالسيطرة على الشعوب والثروات، ولكن حين يتحقق العدل فثم شرع الله.

 

إن عالم العدالة هو الذي سيمنح فرصاً متكافئةً للأفراد والشعوب لممارسة دينهم والدعوة إلى قناعاتهم، وحينها سيفكر الناس بحرية دون خوف من القهر والإكراه وحينها ستكون الغلبة للدين الحق، وسيدخل الناس في دين الله أفواجاً..

 

"ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"

 

والله أعلى وأعلم.

ثقافة الاتجاه المعاكس
أحمد أبورتيمة
يصلح برنامج الاتجاه المعاكس وهو أشهر برنامج في أشهر فضائية عربية، بأن يكون نموذجاً ممثلاً للحالة الثقافية والنفسية والاجتماعية في العالم العربي، فهو يتجاوز كونه برنامجاً تلفزيونياً إلى إمكانية اعتباره ممثلاً صادقاً لثقافة المعجبين به، ذلك أن لهذا الإعجاب بالبرنامج دلالاته في مكونات شخصية المشاهد، فاهتمامات الإنسان تدل على شخصيته.

تبدأ مشكلة هذا البرنامج من اسمه المعاكس وما يوحيه من دلالات صدامية، وإذا انتقلنا من الاسم إلى المضمون فإنه وباستثناء حلقات نادرة يدور فيها حوار هادئ ويستمع كل طرف لما عند الآخر ويواجهه بالدليل والبرهان ، فإن السمة الغالبة عليه تظل هي الصوت العالي والصراخ ومقاطعة الآخر وعدم الاستماع إليه والضرب على الطاولة وقذف كل طرف للآخر بصفات العمالة والخيانة والكفر والضلال، والتلويح بقبضة اليد للتهديد مما يذكر بالتعبير القرآني على لسان ابن آدم "لأقتلنك"، وعلى هذا المنوال ينقضي وقت البرنامج دون الخروج بفائدة تذكر فالجميع يصرخ ولا أحد يسمع وبذلك يصح أن نعتبره حوار طرشان وكلما ازدادت وتيرة الصراخ والشجار كلما شعر المشاهد بالرضا والانتشاء لأنه حصل على ساعة من الإثارة والتشويق هي أهم عند كثيرين من كل النقاشات السياسية والفكرية التي لا يجدون فيها ما يجذبهم.

إن رواج مثل هذه البرامج الصاخبة في بيئتنا العربية والتي يغيب فيها الحوار المقنع المستند إلى الأدلة والحقائق وتطغى عليها الإثارة والفوضى إنما يكشف عن وجود خلل في البنية الثقافية للمواطن العربي فهو إنسان لم يتأهل بعد للانفتاح العقلي والاستماع لما عند الآخر وهو غير مستعد للتنازل عن رأيه حتى لو قامت كل الأدلة على بطلانه أخذاً بالمثل القائل "عنزة وإن طارت"مما يذكر بقوله تعالى: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها .

وهو بذلك يسير في الاتجاه المعاكس لهدي القرآن والسنة ،فالقرآن امتدح الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه"، ورب العزة جل في علاه حاور الشيطان ذاته وهو رمز الشر وسمح له بالتعبير عن رأيه الفاسد، وأعطاه فرصةً إلى يوم يبعثون لممارسة برنامجه الضلالي، كما أن القرآن خلد أقوال اليهود والنصارى والكفار والمشركين وغيرهم من أصحاب العقائد الفاسدة، فهي في القرآن تتلى إلى يوم الدين، رغم ما قد يبدو في ظاهر بعضها من وجاهة قد تغري الضعفاء "لو شاء الله ما أشركنا"، "أنطعم من لو يشاء الله أطعمه"، وتخليد الرأي الآخر رغم ما قد يثيره من شكوك عند ضعاف الإيمان هو دلالة قوة ، فالواثق من نفسه لا يخشى المواجهة الفكرية، ولا يستمد قوته من إسكات خصمه، بل يقارع الحجة بالحجة ويرد بالدليل والبرهان.

وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نرى من أخلاقه أنه لم يكن يقاطع أحداً حتى يفرغ بل إنه في حواره مع المغيرة بن عتبة لم يبدأ في الرد إلا بعدما اطمأن بأنه انتهى من كل ما يريد قوله وتأكد من ذلك بسؤاله أفرغت يا أبا الوليد ؟ مخاطباً إياه بكنيته تأدباً في الحوار، فإن كان لديه المزيد مما يريد قوله فإن النبي مستعد لسماعه حتى النهاية.

ولعل أحد وجوه الحكمة في خطبة الجمعة التي شرعها الإسلام هو إعطاؤنا درساً عملياً أسبوعياً في الاستماع فيمنع مقاطعة الخطيب حتى لو لم تتفق مع رأيه وعليك الاكتفاء بالإنصات فقط حتى تفرغ الصلاة ،وحتى لو تكلم أحد إلى جوارك أشر إليه بالصمت دون أن تحرك شفتيك. ففي الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم: « إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت » .

هذا المغزى العميق لم يفقهه بعض المسلمين في هذا الزمن فسعوا إلى تلويث الأجواء النقية داخل المسجد ،فما إن يتحدث الخطيب حديثاً لا تهواه أنفسهم إلا ويهب أحدهم معترضاً بأعلى صوته دون مراعاةٍ لآداب المكان أو الحديث. ويتكرر هذا السلوك بشكل أكبر خارج المسجد في مجالس الناس وأثناء ركوبهم السيارات فلا أحد يحتمل الاستماع إلى الرأي الآخر ويتكلم الجميع في وقت واحد وربما جادل أحدهم في أكثر الحقائق سطوعاً من أجل إثبات صحة موقفه ،وهذا لا يجوز تسميته حواراً وإنما هو مراء وكبر ،ولا ينفض اللقاء إلا وقد شحنت النفوس وتباغضت القلوب دون أن ينجح أحد في إقناع أحد، وبذلك أصبح في كل حارة وسيارة مجلس للاتجاه المعاكس.

إننا بحاجة إلى توطين أنفسنا على الاستماع أكثر من الكلام، فكثرة الكلام تقسي القلب وتسد منافذ الفهم، وكما قال أحد الفلاسفة بأنه خلق للإنسان أذنان ولسان واحد ليستمع أكثر مما يتكلم، وكما في الحديث فإن من فتنة العالم أن يكون الحديث أحب إليه من الاستماع.

نحن بحاجة إلى التدريب الشاق على تقبل الرأي الآخر وافتراض إمكانية صحته فآراؤنا تحتمل الخطأ وآراء غيرنا تحتمل الصواب، وإذا كان أحدنا يغير رأيه من وقت لآخر حين تتكشف أمامه حقائق جديدة، وتبرز أوجه القصور في مواقفه السابقة، فهذا دليل بأنه لا حقائق مطلقة في الرأي، بل هي اجتهادات يعتريها ما يعتري البشر من ضعف وقصور، والبشر ظلوا يعتقدون لقرون طويلة بإصرار أن الأرض هي مركز الكون وأن الشمس تدور حول الأرض، وقطعت رأس العالم الفيزيائي جاليلو بقرار من الكنيسة لأنه تجرأ وخالف هذا المعتقد السائد وقال إن الأرض هي التي تدور حول الشمس، وبعد إعدامه تبين أن رأيه كان هو الصواب، فلا عصمة للرأي البشري من الخطأ، ولا يتعصب لرأيه إلا جاهل ومكابر .

حين تصدق النيات في طلب الحقيقة لن يجد الإنسان حرجاً في التنازل عن رأيه حين يتبين له وجه الحق في غيره، بل إنه سيكون سعيداً بأن يكون الرأي الآخر هو الحق لأنه يكسب بذلك معرفةً جديدةً ويثري فكره، وكما ورد عن الإمام الشافعي أنه قال ما جادلت أحداً إلا وتمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه . فليس مهماً أن أقنع الآخرين بما عندي ،ولكن المهم أن أصل أنا والآخرون إلى الحق

الحوار الهادئ هو الجو الملائم للوصول إلى الحق، والفوضى هي الأسلوب الذي يلجأ إليه الضعفاء فكرياً للتغلب على وضوح الحق وقدرته الذاتية على الإقناع، وفي ذلك يقول القرآن: "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون".

هذه دعوة للفضائيات العربية بأن تعزز البرامج الحوارية الهادئة التي تحترم عقل الإنسان، هذا إن كانت تسعى لإفادة مشاهديها وتثقيفهم، وليس الإثارة فقط كما هو الحال في حلبات مصارعة الثيران.

 أسطول الحرية درس في المقاومة السلمية

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

من الناس من أساء فهم المقاومة السلمية وجعلها رديفاً للاستسلام والانبطاح والانهزامية..

ربما كان أحد أسباب هذا الربط غير المنطقي بين السلمية والاستسلامية هو تصدر أشخاص ليس لهم رصيد من الثقة الشعبية والسياسية للحديث عن المقاومة السلمية، مما زهد الناس فيها ، مع أن الحق هو أن يتقبل الإنسان الفكرة الصحيحة أياً كان قائلها.

 

بغض النظر عن دافع ذلك الفريق من الحديث عن المقاومة السلمية والذي قد يكون من باب المناكفة الفصائلية وتبرير تنازلاته السياسية وإجراءاته في ملاحقة المقاومين..

المقاومة السلمية هي خيار راق وفعال..ويقوم بدور ضاغط ومؤثر على الاحتلال..وما نشهده الآن من مأزق أخلاقي وإعلامي وسياسي للكيان عقب معركة أسطول الحرية هو أكبر برهان..

المقاومة السلمية تعني تحييد أي شبهة وذريعة يمكن أن يتسلح بها الاحتلال لتبرير جرائمه ولإظهار ممارساته بأنها نابعة من مخاوف أمنية.. وبذلك تظهر الصورة أمام العالم على حقيقتها وتصبح المعادلة:إرادة شعبية للحرية والاستقلال يقابلها قمع وإرهاب صهيوني.

وسر المأزق العميق الذي وقع فيه الاحتلال بمجزرته ضد أسطول الحرية أنه واجه بالبوارج والطائرات والجنود المدججين بالأسلحة نشطاء سلام مدنيين أعلنوا أنهم جاءوا في مهمة إنسانية وأنهم لا يحملون إلا مساعدات طبية وغذائية وألعاب أطفال..

ولو أن هؤلاء النشطاء كانوا يحملون أسلحةً وواجهوا الرصاص بالرصاص لما وجدنا هذا الغضب العالمي تجاه الاحتلال، ولتفهمت الدول أكاذيب الاحتلال بأنهم كانوا يدافعون عن أنفسهم. لذا فقد أحسن هؤلاء النشطاء صنعاً حين أعلنوا أنهم لن يدافعوا عن أنفسهم مهما فعل الصهاينة، حتى لا تنحرف الوجهة ويضيع الهدف..

هذه المواجهة غير المتكافئة عسكرياً هي التي ألحقت العار بكيان الاحتلال، وأوقعته في صراع مكشوف مع الضمير الإنساني..

فاستنفر الأحرار في كل العالم وخرج مئات الألوف يهتفون لحرية فلسطين وسقوط الاحتلال، وحتى الدول الصديقة للكيان اضطرت أمام عاصفة الغضب الشعبي إلى إدانة الجريمة .

والاحتلال لا يطيق أن تنقلب المعادلة على هذا النحو، لذلك فإنه غالباً ما يدفع إلى عسكرة المواجهة..لأن ذلك يريحه ويخلق له مبررات يستند إليها في خطابه الإعلامي، ويسوق نفسه بأنه ضحية للإرهاب المسلح، ويكسب بأكاذيبه تعاطف المغيبين عن الحقيقة..

 

المجزرة التي حدثت في مياه البحر الأبيض المتوسط هي نقطة تحول تاريخية بكل المقاييس، لأنها أظهرت الصورة الحقيقية التي طالما سعى الاحتلال لإخفائها، فافتضحت حقيقته بأنه دولة عصابات إرهابية وقراصنة، يواجهون إرادة الحق والحرية والعدالة .

لذلك وجدنا هذه التفاعلات العالمية وحالة الغضب غير المسبوقة على الاحتلال، وبدأت قناعات عالمية في التشكل بأن هذا الكيان صار عبئاً على العالم..

إن المزيد من الجهد في هذا الاتجاه من شأنه أن يعمق مأزق الاحتلال ويزيده عزلةً في العالم كما فعل بأشياعه من قبل في جنوب أفريقيا فسقط نظام الأبارتهايد العنصري..

لا نجادل في أن المقاومة العسكرية هي حق مكفول سماوياً وأرضياً للشعوب الواقعة تحت الاضطهاد، ولكن لنكن صرحاء ولنتحدث بفقه الموازنات بين ما هو مفيد وأكثر إفادة..

الواقع يقول بأن المقاومة العسكرية في قطاع غزة مكبلة بالحسابات والضغوط السياسية خاصةً في مرحلة ما بعد الحرب، وهل يجادل أحد في أن عمليات المقاومة العسكرية انخفضت بنسبة تزيد عن 90% بعد الحرب؟

نتفهم هذه الظروف ونعذر فيها، ولكن ما دام الأمر كذلك فلماذا لا نبحث عن بدائل أخرى في هذه المرحلة تحقق ذات الأهداف التي تسعى إليها المقاومة العسكرية من إيلام للاحتلال..

الفعاليات الشعبية في أنحاء العالم، والمعركة الإعلامية لصناعة الرأي العام العالمي، والملاحقات القضائية لمجرمي الحرب الصهاينة وتشجيع المقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية لكيان الاحتلال هي أمور في غاية الإيلام للاحتلال..

المقاومة السلمية ليست خياراً عبثياً ولا سهلاً، ولكنه خيار مؤثر وفعال ..وهي لا تهدف إلى استعطاف السياسيين وتملقهم، ولكنها تستهدف إيجاد حالة تضامن شعبية حول العالم تضغط على حكوماتها وتجبرها على الانصياع للحق والعدالة.

ميزة المقاومة السلمية أنها تستطيع أن تحشد كل الطاقات الإنسانية ويمكن لأي شخص في أي مكان من العالم أن يمارسها من موقعه، كما قرر عمال الموانئ السويدية أن يقاطعوا السفن الصهيونية لمدة أسبوع.

المقاومة السلمية تستثير كوامن الخير في أعماق الفطرة الإنسانية، فالاعتداء على أسطول الحرية أوجد حالةً من التحدي والإصرار فسمعنا حتى لحظة كتابة هذا المقال عن عشر مبادرات لإرسال قوافل جديدة ، وسمعنا من مئات اليهود تعبيرهم عن الشعور بالعار من الاحتلال، كما أن هذه المجزرة استفزت الإعلامية الأقدم في البيت الأبيض هيلين توماس لمخاطبة الصهاينة بأن يغادروا فلسطين ويعودوا من حيث أتوا.

 

المقاومة السلمية قادرة على حشد التأييد العالمي، وهي الكفيلة بأن تعمق مأزق الاحتلال الأخلاقي، وفي المقابل أن تعيد إظهار الوجه الأخلاقي لقضيتنا العادلة في العالم بعد أن تلوثت بصور الاقتتال الداخلي من جهة وأكاذيب الاحتلال من جهة أخرى..

سمعت أن الاحتلال في سياق ردة فعله على الفضيحة فإنه يفكر في إقامة معرض يضم عشرات الصواريخ الفلسطينية، وصوراً للقتلى الصهاينة من أجل خلط الحق بالباطل وترويج دعاية مضادة يخدع بها العالم..

أجزم بأن إسرائيل تتمنى من الأعماق في هذه المرحلة أن يقوم الفلسطينيون بعمل عسكري ما لإنقاذها من ورطتها، وإعادة المعركة إلى المربع المريح لها: مربع المواجهة العسكرية حيث الفلسطينيون بعتادهم العسكري المتواضع في مواجهة آلة القتل الصهيونية الجبارة..

إن العاقل يختار ميدان المواجهة الذي يمتلك فيه عناصر قوة أكثر، وهذا ما ينبغي على الفلسطينيين فعله..

إذا كان عنصر قوة الاحتلال هو التفوق العسكري فإن عنصر قوتنا الأهم هو التفوق الأخلاقي وعدالة القضية التي نناضل من أجلها..

والله أعلى وأعلم..