السبت، 3 ديسمبر 2011

المصطلحات القرآنية في إطار إنساني

أحمد أبورتيمة

القرآن له أسلوبه الخاص ومصطلحاته المتميزة، ومن أجل فهم صحيح للقرآن لا بد من فك شيفرة هذه المصطلحات والتدقيق في المفاهيم التي تحملها حتى لا يساء إلى القرآن ويقدم وكأنه كتاب طائفي أو مذهبي أو قومي..

القرآن بطبيعته عالمي الطرح، يظهر هذا منذ الآية الأولى فيه "الحمد لله رب العالمين"..فالله حسب التصور القرآني ليس رب المسلمين وحدهم بل هو رب العالمين..وفي ضوء هذه الحقيقة فإن القضايا التي يعالجها القرآن هي قضايا إنسانية تهم الناس في مجموعهم، والمشكلات التي يطرحها القرآن قد تصيب أي إنسان من حيث كونه إنساناً بغض النظر عن جنسه أو قومه أو لونه، وحتى عن دينه الذي ورثه عن أبويه..

ربما يكون من أكثر المصطلحات القرآنية إثارةً للجدل في هذا العصر هو مصطلح الكفر الذي يأتي في مقابل الإيمان في مئات أو آلاف المواضع..فهل تصنيف الناس إلى مؤمن وكافر هو دليل طائفية وعنصرية وانغلاق على الذات، وهل لا يزال مثل هذا المصطلح مناسباً للاستعمال في عصر تتراجع فيه الأيديوجيات ويعلو فيه صوت المشترك الإنساني..

كيف لنا أن نقدم للعالم خطاباً إنسانياً معاصراً في الوقت الذي يقيدنا فيه القرآن بتصنيف كافر-مؤمن، وكيف نتعايش مع الشعوب والأمم بينما ننظر إليهم في قرارة أنفسهم بأنهم ضالون عن الصراط المستقيم..

هل المطلوب أن نتجرد من ذواتنا حتى نستطيع العيش في القرن الواحد والعشرين، أم أن المطلوب من المسلم خطاب مزدوج يحدث فيه العالم بلغة معاصرة حول العدل والحرية وحقوق الإنسان والمساواة، بينما يبطن في داخله ما يخالف هذه اللغة من اعتقاد بكفر الآخرين..

إن كثيرين يجدون في صدورهم حرجاً من الخطاب الديني في عصر الحضارة والتمدن، فتدفعهم حساسية المصطلحات القرآنية إلى التفريق بين نوعين من الخطاب هما الخطاب الديني والخطاب المدني، وجعلهما متناقضين فمن أراد أن يدخل العصر ويتواصل مع الناس فإن شرط ذلك أن ينبذ الخطاب الديني ويعتمد خطاباً مدنياً علمانياً..فهل الخطابان الديني الذي يصوغه القرآن، والمدني الذي يتحدث به العالم هما خطابان متناقضان لا سبيل للتوفيق بينهما، أم أن المشكلة هي في سوء فهمنا وتوظيفنا للمصطلحات القرآنية وإخراجها من إطارها الإنساني إلى إطار متعصب ضيق ؟

سنتناول مصطلح "كافر" في القرآن الكريم والسياق الذي يأتي فيه لنرى إن كانت المشكلة في المصطلح ذاته وعدم ملائمته لهذا الزمان، أم أن المشكلة هي في الركام الثقافي الذي أخفى الدلالة الأصلية للمعاني القرآنية..

بتأمل السياق القرآني الذي يتحدث عن صفة الكفر والكافرين نجد أنه يتناولها كمشكلة إنسانية يمكن أن يقع فيها أي واحد من البشر، فلا توجد قوالب جاهزة وأحكام تعميمية مسبقة بأن هذه الأمة أو هذا الشعب بأكمله كافر، فقضية الكفر والإيمان هي قضية فردية عائدة على كل إنسان حسب جهده الذاتي، وليست صفات متوارثةً بالجينات، فإذا صدف أن ولد إنسان في بلد مسلم فقد أهديت إليه هدية من السماء بأنه سيدخل الجنة وعليه بعد ذلك أن يأكل ويشرب وينام هادئاً مطمئناً دون بذل أي جهد، وإذا ولد شخص آخر في بلد غير مسلم كان مصيره الحتمي إلى النار وبئس المصير..

يلفت النظر في الأسلوب القرآني أن الحديث عن الكفر يأتي غالباً بصيغة الفعل وليس بصيغة الاسم، فالتعبير القرآني غالباً هو "الذين كفروا"، وليس "الكافرون"، والفعل يفيد الحركة على عكس الاسم الذي يفيد الثبات والالتصاق..أي أن الذين كفروا قد استحقوا هذه الصفة بأفعالهم الخاصة واختياراتهم الخالصة، ولم تكن صفةً قد ألصقت بهم، أو حكماً عاماً قد وصموا به، كما يحدث في تصنيفاتنا نحن البشر حين نصدر أحكاماً مسبقةً وعامةً على أحد الشعوب أو الأمم أو المذاهب..

حركية الكفر تعني أن كل إنسان يملك أن يقترب أو يبتعد منه بجهده الخاص، كما أنها تعزز اختيار الإنسان وتخرجه من حالة الجبرية والارتهان لقيود الثقافة والمجتمع، ففي أي موقف يمكن لأي إنسان أن يفعل فعلاً من أفعال الكفر أياً كانت بيئة هذا الإنسان وقوميته ودينه..

نفس الملاحظة نجدها في الاستعمال القرآني لكلمة مسلم، فهو يختلف كثيراً عن استعمالنا البشري لها، فبينما نستعمل كلمة مسلم كاسم علم يطلق على من ولد من أبوين مسلمين، وقام بالطقوس الإسلامية، فإن القرآن يستعملها استعمالاً حركياً بصيغة الفعل "بلى من أسلم وجهه لله"، وحين ينفي القرآن عن إبراهيم عليه السلام صفة اليهودية أو النصرانية ويثبت عليه صفة الإسلام فإنه لا يخرجه من دائرة ثقافية ليدخله في أخرى بل إنه يقصد تحرر إبراهيم من كل القوالب الأيديولوجية واتباعه للحقيقة المجردة "ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً"، فهو لم يكن إسلاماً بمعنى انتمائه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل بالدلالة اللغوية لفعل أسلم، والإسلام بلغة القرآن هو التسليم والامتثال للأمر الإلهي، أي أن الوصول إلى حالة الإسلام وإلى وصف المسلم هو بحاجة إلى جهد ذاتي خاص من قبل كل إنسان، ولا يكفي أن يولد الإنسان في بيئة من المسلمين فيأخذ هذا اللقب دون جهد منه، ويطلق العنان بعد ذلك لنفسه لتفعل ما يحلو لها..

لكن من هو الكافر في القرآن؟؟

بتتبع الآيات القرآنية التي تتحدث عن "الذين كفروا" ترتسم في أذهاننا صورة شخصية نموذجية تنطبق عليها هذه الصفة، فهناك أفعال محددة من يقوم بها فإنه يتصف بصفة من صفات الكفر، وهي صفة كمية وليست حديةً، فبمقدار ما يزداد الإنسان منها بمقدار ما تزداد كفريته إلى أن يصل إلى الحالة النموذجية لشخصية الكافر، وهذه الأفعال كما أسلفنا يمكن أن يقوم بها أي إنسان فهي ليست محصورةً بتصنيفات أيديولوجية أو مذهبية أو طائفية..

الذين كفروا في القرآن هم الذين ينكرون الحقائق بعد ظهور الأدلة الواضحة عليها "الآيات البينات"، وكلمة كافر في اللغة تعني التغطية لأن الكافر يغطي الحقيقة بكبره وعناده وتكذيبه، والذين كفروا هم الذين يعطلون استعمال عقولهم وسمعهم وأبصارهم فلا يستفيدون منها: "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم آذان لا يسمعون بها"، والذين كفروا هم الذين يمارسون الإرهاب الفكري ضد من يذكرهم بالحق ويمارسون العنف لتعويض ضعفهم الفكري، "وإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا"، والذين كفروا هم الذين يمارسون الفوضى والغوغائية لخلط الأوراق وتغييب الحقائق وإخفاء ضعف حجتهم: "وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون"، والذين كفروا هم الذين يناقشون الأشخاص بدل مناقشة الأفكار "لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"، "أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا"، والذين كفروا هم الذين يستكبرون في الأرض ويستعلون على الناس "وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا"، والذين كفروا هم الذين يتصفون بالعقلية التبريرية: "وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ"..

وهكذا يتضح لنا أن الكفر هو مجموعة من الصفات الذميمة التي يرفضها الإنسان بفطرته السليمة، وليس حكماً فئوياً يطلقه المسلمون على الأمم الأخرى، الكفر ليس قناعةً عقليةً بل هو الجانب اللا عقلاني أو النزعة الانتحارية في الإنسان لأن الكافر هو الذي يطمس عقله فيقوم بأفعال تنتهي بالإضرار بنفسه: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم"..ويوم القيامة تنجلي الحقائق فيكتشف الذين كفروا حالة اللا عقلانية التي كانوا يعيشون بها "وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، ولو تأملنا كل الصفات التي يرسمها القرآن لشخصية "الذين كفروا" فإننا نجدها صفات انفعاليةً وليس صفات عقلانيةً مثل "بل قلوبهم في غمرة من هذا"، "ويلههم الأمل"، "في سكرتهم يعمهون"، "كل حزب بما لديهم فرحون"، "مودة بينكم في الحياة الدنيا"، وكل هذه الصفات هي تدل على الجانب الانفعالي في الإنسان، ولا يوجد موضع واحد أطلقت فيه صفة كافر على إنسان أعمل عقله وفكره..

قضية الكفر لا يمكن أن تكون نتيجةً لإعمال الفكر، ولا يمكن أن نواجه حركة الفكر بالتكفير، وإنما الكافر هو الذي يقوم بتصرفات غير عقلانية غير أخلاقية تأباها الفطرة الإنسانية السليمة، وبهذه النظرة فإن في صفوف المسلمين أنفسهم من ينطبق عليه وصف شخصية الكافر، وليس بالضرورة أن يكون الكافر هو غير المسلم، بل هو كل من تتوافق أفعاله مع النموذج الذي رسمه القرآن ل"الذين كفروا"...

لقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يفهم الكفر بهذا المعنى العام، وليس بالمعنى المتعصب الضيق الذي يجعلها حكراً على غير المسلمين، فكان يخشى على نفسه بأن يصيبه شيء من هذه الصفة فيستعيذ بالله كل صباح ومساء من الكفر والفقر وعذاب القبر..

بهذا التوضيح لا يكون في صدورنا حرج مما أنزل إلينا، ولا نكون مضطرين لأن نتخلى عن ديننا حتى نستطيع مخاطبة البشر، فالبشرية بكل أيديولوجياتها ومذاهبها تذم التكذيب بالحق، والإرهاب الفكري، واللجوء للطرق الغوغائية، والاستكبار في الأرض، وغير ذلك مما تعنيه كلمة الكفر، فكل ما تقره الفطرة الإنسانية السليمة فإن القرآن يدعو إليه، وكل ما تأباه هذه الفطرة فإن القرآن يذمه وينهى عنه..

والله أعلى وأعلم..

abu-rtema@hotmail.com

الجمعة، 4 نوفمبر 2011

عيد الأضحى والتضحية بالإنسان
أحمد أبورتيمة
في كل عام يتقرب المسلمون إلى الله عز وجل بإراقة دماء الأضاحي في عيد الأضحى، وهذه السنة ليست مجرد طقس خال من المعاني والدلالات فمثلها كمثل كل شرائع الإسلام رمز لمعان عميقة..
الأضحية هي سنة أبينا إبراهيم عليه السلام قبل حوالي أربعة آلاف عام من الآن، واستشعار المسلمين لحادثة وقعت في ذلك الزمن البعيد يعني أننا أمة تضرب جذورها عميقاً في التاريخ، فنحن لسنا أمة مصطنعة ما لها من قرار، وهذا الشعور بالانتماء إلى إبراهيم، وقبله إلى كل الأنبياء بدءً من آدم يساهم شعورياً ووجدانياً في تشكيل شخصية الإنسان المسلم الواثق من نفسه المعتز بهويته الذي يشعر بالمعنى في حياته..
بدأت القصة حين رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ولده، وكانت سنة تقديم القرابين البشرية منتشرةً في ذلك الزمان على نطاق واسع، إذ كانت ثقافات الشعوب ترى في تقديم القرابين البشرية استرضاءً للآلهة وتسكيناً لغضب الطبيعة من حولها، فكان البشر يلجأون إلى التضحية بأعز ما يملكون وهي النفس البشرية لاتقاء غضب الآلهة التي يعبدونها من دون الله، كانت هذه العادة السيئة منتشرةً في حضارات اليونان والرومان والفراعنة، وفي المكسيك كانت حضارة الأزتيك تقدم كل عام خمسين ألف قربان بشري إرضاءً للآلهة!!..
في هذا السياق التاريخي جاءت قصة إبراهيم عليه السلام تبشيراً بتحول تاريخي يتمثل في إلغاء فكرة القرابين البشرية، واستبدال التضحية بالحيوان بها، ففدى الله عز وجل إسماعيل بذبح عظيم..
لكن موعظة التاريخ تقول لنا إن البشر يتعلمون بأبطأ من سير السلحفاء، فلا تكفيهم إشارة لالتقاط الدرس، كما كفت إبراهيم عليه السلام حين امتثل لإشارة لطيفة في المنام، لذا فإن واقع البشرية بعد أربعة آلاف عام من بعثة إبراهيم عليه السلام هو أبعد ما يكون عن ملة إبراهيم "ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه"..فلا تزال القرابين البشرية تقدم بسخاء إرضاءً للآلهة المزيفة التي تعبد من دون الله..
في بلادنا العربية تسفك الدماء غزيرةً على مذبح الشعارات الكاذبة، والأصنام البشرية والأيديولوجية، ومع أن الناس يزعمون بأنهم موحدون بالله إلا أن فكرة القرابين البشرية تنقض أساس التوحيد، وذلك لأن التضحية بإنسان في سبيل حزب أو أيديولوجيا أو زعيم يعني أن هذا الحزب أو الأيديولوجيا أو الزعيم إله يعبد من دون الله، والله عز وجل قدس حياة الإنسان وجعل زوال الكعبة حجراً حجراً أهون من قتل امرئ مسلم، وحين تذكر الكعبة تحديداً، ففي ذلك إلغاء لفكرة الصنمية والوثنية التي ضحي بالإنسان عبر التاريخ في سبيلها، وإظهار بأنه لا شيء أغلى من حياة الإنسان، فهو خليفة الله في الأرض الذي نفخ فيه من روحه وسخر له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه..فلا يبرر قتل إنسان بأي شعار وطني أو قومي أو أيديولوجي، وكما قال أحدهم: لو كان تحرير القدس يمر عبر قتل النظام السوري لشعبه فلا خير في تحرير القدس..
نرى مشاهد مروعة للتضحية بالإنسان في بلاد عربية خاصةً في سوريا واليمن، وتظهر مقاطع الفيديو كيف يذبح الشباب والأطفال كما تذبح الخراف، ونسمع كلمة الشرك بواحاً حين يتخذ الزعيم إلهاً من دون الله..كل ذلك إرضاءً لأصنام أيديولوجية وحزبية لا تضر ولا تنفع.
واقع المسلمين اليوم هو أنهم أحيوا الطقوس والمظاهر بينما قتلوا الروح التي من أجلها كانت الشعائر والمناسك، فبينما تجد إظهاراً لورع كاذب بالإكثار من السؤال حول الشروط الواجب توفرها في الأضحية، فيما يذكر بأسئلة بني إسرائيل عن البقرة، تجد غفلةً عن المعنى العميق الذي شرعت الأضحية من أجله، والقرآن يتطرق إلى هذا الموضوع تحديداً بشكل صريح حين يقول "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم"، فقيمة الشعائر هي بما يترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية، وليس بمظاهرها..
المعنى العميق للأضحى ليس أن يشتري أحدنا أضحيةً ببضع مئات من الدولارات، فلو كان الأضحى لهذه الغاية فإن في مقدور كثيرين أن يضحوا في العام عشر مرات دون أن يكلفهم شيء من المشقة، لكن درس الأضحى هو أن يضحي كل امرئ بنقطة ضعفه كما ضحى أبونا إبراهيم بنقطة ضعفه الأبرز وهو تعلقه بولده إسماعيل، وكما كان لإبراهيم إسماعيله فإن لكل واحد فينا إسماعيله الخاص المتمثل في نقطة ضعفه حسب تعبير عدنان إبراهيم، فهذا ما يجب أن نضحي به، أن يضحي كل واحد بشهواته وأهوائه ونقاط ضعفه..
إن الذين يذبحون الإنسان في سوريا واليمن لم يفقهوا درس الأضحية حتى وإن أحيوا ظاهرها بذبح الأنعام..
لكن رغم هذا المخاض الأليم، ورغم التضحيات الهائلة فإن الله عز وجل وعد بأن يتم نوره ولو كره الكافرون، والتاريخ البشري يسير في اتجاه تقدمي، ففي أوروبا قدمت أرواح عشرات الملايين من الأنام قرابين بشرية من أجل لا شيء في حربين عالميتين طاحنتين، وبعد أن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة اقتنع الناس هناك بأن طريق الحرب والعنف هي طريق مسدود لا تقود إلا للهلاك فأسسوا الاتحاد الأوروبي على أساس الشراكة والمساواة والحلول السلمية والبعد عن الاحتكام للسلاح، وسيكبر نموذج الاتحاد الأوروبي حتى يشمل العالم كله، لأن تقدم الأيام يرسخ أكثر فأكثر القناعة بعبثية خيار الحرب وسفك الدماء، وما نراه من ثورات عربية مباركة يبعث الأمل بغد أفضل يحترم فيه الإنسان وتعود له قداسته وكرامته..
بالتزامن مع عيد الأضحى يجتمع في كل عام ملايين الناس من مختلف الثقافات والألسنة في تظاهرة سلمية كبيرة يلبسون ثوباً أبيض وتتجسد بينهم قيمة المساواة الإنسانية، ويحرم على أحدهم أي شكل من أشكال العنف سواءً بحق الإنسان أو الحيوان أو الطبيعة، وهذا الدرس السنوي المكثف هو نموذج للبشرية حتى تستلهم منه درس السلام لتغدو الأرض كلها كعبةً كبيرةً ينعم فيها الناس بالأمن والسلام..
"ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون"

السبت، 15 أكتوبر 2011


استبداد الأكثرية


الشرعية الشعبية والشرعية الأخلاقية

أحمد أبورتيمة

كثيراً ما يتحدثون عن استبداد الأقلية وكيف أن رئيساً أو حزباً لا يمثل سوى تيار محدود من الشعب يحكمه ويصادر حريته في التعبير عن رأيه ويفرض عليه بالقوة أن يدين له.. لكن ماذا عن استبداد الأكثرية، هل يكفي أن يكون الإنسان ممثلاً لأغلب الشعب ليفعل ما يحلو له، ويقمع الأصوات الأخرى؟ هل الوصول إلى الحكم بطريقة منتخبة يمنح صاحبه صلاحيات مطلقة؟!..

انتخاب الشعب لحزب ما يعطيه الحق في تطبيق برنامجه الانتخابي، لكنه لا يعطيه الحق في إلغاء الأصوات الأخرى مهما كانت هذه الأصوات محدودة التمثيل للشعب..

يعبر استبداد الأكثرية عن نفسه حين يكثر الحديث من قبل أنصار الحزب المنتخب عن مجيئهم إلى الحكم بطريق الانتخابات، وأن الآخرين ليس لهم رصيد شعبي ذو قيمة، ويقل الحديث في المقابل عن مضمون البرامج والأفكار..

هذه الطريقة في الحديث ليست ديمقراطيةً وليست مبررةً حتى لو كان الحزب الحاكم يمتلك تأييداً شعبياً بنسبة تسعة وتسعين في المائة فهي تدلل على غرور بالنفس وتبعد المجتمع عن مناقشة الأفكار والاستفادة منها، وتدخله في دائرة التفاخر بالمظاهر فيصير حالنا شبيهاً بمن تحدث عنهم القرآن: "قالوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا"..

كما أنها تدلل على حالة إفلاس وعجز عن تقديم إجابات شافية لأسئلة الجماهير الملحة، والفوز بالأكثرية لا يكفي وحده ليكون دليلاً على صحة البرنامج الانتخابي لإحدى الأحزاب، لأن هناك عوامل كثيرة تؤثر على قرار الناخب فربما كان اختياره لإحدى الأحزاب نكايةً بالحزب الحاكم وقتها، وربما غلب عليه الجانب العاطفي أثناء تصويته، وربما تغيرت الظروف والقناعات بعد التصويت، ففوز إحدى الأحزاب لا يعطيه شرعيةً أبديةً، بل هو تفويض محدود بجدول زمني ليطبق ما دعا إليه من برامج وأفكار، فإذا لم ينجح في تطبيق برنامجه فإن الجمهور سيفقد الثقة به..

لكن إذا أردنا مناقشة الموضوع من ناحية مبدئية، فلو لم تتغير قناعات الجمهور واستمر تأييد إحدى الأحزاب وأعيد انتخابه ثلاثين مرةً متواليةً، حتى في هذه الحالة فإنه لا يملك الحق في اضطهاد الصوت الآخر حتى لو كان هذا الصوت الآخر لا يمثل إلا صاحبه، لأن شرعية الفكرة لا تستند إلى عدد المقتنعين بها، بل تستمد من ذاتها..

في القرآن الكريم كثيراً ما يأتي ذم الأكثرية "ولا تجد أكثرهم شاكرين"، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون"، أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون"، ولا يستوي الخبيث ولا الطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث".. ونحن بالاستدلال بهذه الآيات لا نقصد أن ننزل أوصافها على الناس اليوم بأنهم لا يسمعون أو لا يعقلون.. فقط نريد من هذه الآيات التدليل بأن الأكثرية والأقلية ليست وحدها مقياساً كافياً لمحاكمة الأفكار. فإذا وجدنا حزباً لا يمثل سوى واحد% من أصوات الشعب فهذا لا يعني أن تناله سخريتنا وأن نزهد في محاورته والاستفادة من أفكاره، والعكس صحيح فلو كان حزب يمثل التيار الجارف فهذا لا يعني أن أفكار هذا الحزب صارت مقدسةً لا يجوز مناقشتها ونقدها..

إن كون إحدى الأحزاب يمثل الأكثرية في إحدى البلاد يعطيه الحق في حكم تلك البلاد فترةً زمنيةً محددةً، لكنه لا يعطيه الحق في إلغاء الصوت الآخر وفرض رأيه على الآخرين.والذين يمثلون الأقلية لا يحق لهم أن يحكموا البلاد بطريقة غير شرعية مهما كان إيمانهم بصحة أفكارهم، لكن حقهم في الدعوة إلى أفكارهم والعمل على تحشيد رأي شعبي حولها لا يقل عن حق الأكثرية، ولهم الحق في امتلاك نفس وسائل الإعلام وقنوات الاتصال مع الجمهور ليبلغوهم أفكارهم..

إن من غياب فقه الديمقراطية الحقيقية في بلادنا أن نظن أن الديمقراطية تعني الأكثرية وحسب فيغلب على محاورتنا للآخرين منطق "أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً"، ويغيب عن محاوراتنا صوت الحجة والإقناع..

مجرد التلويح بورقة أننا نحن الأكثرية وأنتم الأقلية في حد ذاته علامة استبداد واضطهاد فكري لأنها رسالة إرهاب للآخرين بألا يعبروا عن آرائهم خشية سطوة المجتمع..

والاستبداد ليس آفة الحكام وحدهم، لكن المجتمعات نفسها قد تكون مستبدةً حين يغيب الوعي ولا تحترم حق كل فرد في التعبير عن رأيه مهما كان هذا الرأي..

استبداد الأكثرية ربما يكون أخطر من استبداد الأقلية، لأن وجود قلة تستفرد في حكم البلاد وتتحكم بمصائر العباد هو عامل تحريض واستفزاز للجماهير لتثور على هذه القلة، أو تفرض حولهم عزلةً اجتماعيةً على الأقل، لكن خطورة استبداد الأكثرية هو أنه يعبر عن خلل بنيوي عميق في ثقافة المجتمع وتقبله للآخر، والتحرر من استبداد الأكثرية بخلاف استبداد الأقلية بحاجة إلى عملية انقلاب شاملة في المجتمع..

مثال استبداد الأكثرية هو الأقوام التي يحدثنا عنها القرآن في مواجهة أنبيائها، فقد كانت الأقوام تمثل الأكثرية الساحقة، لكنها كانت تسيء استعمال هذه الأكثرية وتظن أنها تعطيها الشرعية لمحاربة الأنبياء أصحاب الدعوة الجديدة "وإنا لنراك فينا ضعيفا"..

لو أن مقياس الأكثرية والأقلية يكفي وحده لمحاكمة الأفكار لما كان هناك مبرر لظهور المصلحين و الأنبياء، ولما تقدم التاريخ الإنساني، لأن كل الدعوات عبر التاريخ كانت تبدأ بالقلة المؤمنة قبل أن تكسب المؤيدين وتنتشر، وربما لا تكسب المؤيدين إطلاقاً وتظل أقليةً مثل دعوة نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فما آمن معه إلا قليل، فهل كان هذا مقياساً كافياً لنزع الشرعية عن دعوة نوح عليه السلام..

إن نوح عليه السلام مثله مثل كل الأنبياء والمصلحين لم يكن يستمد شرعيته من الشعب، بل كانت شرعيةً أخلاقيةً مبدئيةً لا يضيرها ألا يؤمن معها إنسان واحد..

يكفي ليكون الإنسان صاحب شرعية أخلاقية أن يكون مؤمناً بفكرة وحسب، فيحق له أن يدعو الناس إليها دون أن يرهبه أحد بسطوة السلاح أو المجتمع، فإذا كانت أفكاره صحيحةً فإن العاقبة لها وستتحول يوماً ما إلى أكثرية، وإن لم تكن كذلك فإن الأيام كفيلة باندثارها دون أن تكون هناك حاجة لقتلها واضطهادها..

"فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"

والله أعلى وأعلم..

الاثنين، 3 أكتوبر 2011

كيف ينسى الإنسان نفسه؟

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يقول الله عز وجل في الآية التاسعة عشر من سورة الحشر: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ "

كم في هذه الآية من الأسرار..كيف ينسى الإنسان نفسه.. إن أكثر الناس قد نسوا أنفسهم فهم يعيشون في سكرة وغمرة ساهون..يأكلون ويشربون ويلعبون ويضحكون ويتمتعون..ولكنهم في وسط ضجيج الحياة يكونون قد غفلوا عن أهم شيء فيها..عن حقيقة كينونتهم..عن جوهرهم العميق....

كل واحد فينا يعيش لحظات نسيان نفسه ثم يتذكرها فجأةً فينكر نفسه ولا يصدق أنه هو الذي كانت تصدر منه تلك الكلمات والأفعال ويقول هل حقاً أنا من فعلت هذا؟..كيف سولت لي نفسي أن أظلم أو أقتل أو أبغي..

ألم يجرب أحدنا لحظة توبة صادقة بعد حين من الغفلة والضياع..ما هو الشعور الذي ينتابه في ذلك الموقف..إنه شعور من وجد نفسه أخيراً..

إن نسيان الله يؤدي بالضرورة ووفق سنن علمية حتمية إلى نسيان النفس..لأن الإيمان بالله هو حاجة فطرية عميقة في داخل كل إنسان لا تستقيم حياته إلا بها..فإذا قطع صلته بهذا الخالق تنكرت له نفسه وجحدته فيشعر بجفاف روحي يحاول أن يعوضه بالإكثار من الطعام والشراب والمال والشهوات، ولكنه يحاول عبثاً لأن في النفس فراغاً لا يملؤه إلا معرفة الله..

أمثلة نسيان الإنسان لنفسه بينة في حياتنا..فكم في هذه الدنيا من أناس هائمين على وجوههم يأكلون ويتمتعون وينامون، ولكنهم هم أنفسهم يدركون أنهم يسيرون في هذه الحياة بلا معنى، تجد أحدهم حريصاً على قتل وقته بكل وسيلة، وكأن هذا الوقت عبء عليه يتعجل انقضاءه، وهو حين يفعل ذلك فإنما يقضي على حياته ذاتها لأن الوقت هو الحياة..

ألا ترون إلى الإنسان حين يأكل بشراهة أو يقهقه بصوت عالي أو يحرص على إشغال أوقاته بالسهرات والحفلات والسمر مع الأصحاب..ما هو الدافع العميق وراء كل هذه السلوكيات..يحاول الإنسان من وراء ذلك إخفاء حقيقة الفراغ النفسي الذي يشعر به في أعماقه فيلجأ إلى تعويض هذا الفراغ بوسائل المتع المادية..بينما المؤمن الذي وجد الله فإنه قد وجد نفسه فيشعر بامتلاء روحي وطمأنينة قلبية تضفي هدوءً وتوازناً على سلوكه الخارجي فلا يعود بحاجة إلى الإفراط في الملذات والشهوات..

ينسى الإنسان نفسه حين يغفل عن مواهبه وملكاته الحقيقية التي حباه الله إياها فلا يستثمرها..كم بيننا من أناس يمتلكون من المواهب والقدرات ما يمكنهم من إنجازات عظيمة، ولكنهم دفنوها وضيعوها بإهمالهم لأنفسهم وإشغالها عن معالي الأمور بشهوات تافهة عاجلة..ألا يعد من يفعل هذا قد نسي نفسه بعد أن نسي الله فغفل عن رسالته في الحياة..

إن من نسي نفسه يستولي عليه جفاف الروح وقسوة القلب حتى لا تعود الرحمة تعرف إلى قلبه سبيلاً فيظهر ذلك في سلوكه الاجتماعي من إهمال الزوجة والأولاد والأرحام، تجده لا يعود إلى أهله إلا في منتصف الليل، ولا يهتم بالسؤال عن أولاده، وهو في ذلك قد نسي فطرته وإنسانيته، وحكم على نفسه بالشقاء نتيجة جفافه العاطفي، فمن استيقظ ضميره فجأةً ولاحت له لحظة تصالح مع فطرته العميقة تنبه إلى غفلته، ودبت الرحمة في قلبه فينكر نفسه، ولا يملك إلا أن يذرف دموع الرحمة على ما جناه على نفسه..

إن دموع الرحمة التي يذرفها الإنسان في لحظة التوبة الصادقة هي علامة عثوره على نفسه بعد أن يكون قد نسيها وضيَّعها "ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق"..

لا غرابة أن يستعمل القرآن تعبير "ذكر" لوصف وظيفته "لقد جاءكم كتاب فيه ذكركم"..فالقرآن هو تذكير للإنسان بحقيقة نفسه يبصره بحاجاتها الفطرية وأشواقها الروحية الخالدة التي لا تصلح إلا بتلبيتها..

يقول صاحب الظلال سيد قطب في معرض تعليقه على الآية الكريمة "نسوا الله فأنساهم أنفسهم":

وهي حالة عجيبة ولكنها حقيقة فالذي ينسى الله يهيم في هذه الحياة بلا رابطة تشده إلى أفق أعلى وبلا هدف لهذه الحياة يرفعه عن السائمة التي ترعى وفي هذا نسيان لإنسانيته..

والله أعلم..

الخميس، 29 سبتمبر 2011

أين رحمة الله؟

محاولة لفهم فكرة الصورة الكاملة

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يصدم المرء حين يرى حجم المآسي والأحزان التي تمزج حياة البشر، وتلك الأقدار التي كتبت على أكثرهم بأن يتجرعوا كئوس المرارة والحرمان والآلام..

حدثني صديقي عن موقف يدعو للبكاء في إحدى بيوت العزاء حين جاء ابن الرجل المتوفى وهو طفل لم يتجاوز عامه الخامس وأخذ ينقل نظراته في وجوه الحاضرين يبكي وينادي على أبيه، وهو لم يفهم بعد معنى الموت وأنه قد خطف منه أباه إلى غير رجعة، فما كان من الحاضرين إلا أن ذرفت عيونهم بالدموع وهم لا يملكون أن يجيبوا هذا الطفل بشيء..لماذا يكتب على هذا الطفل أن ينشأ محروماً من حنان أبيه وعطفه، وأن يتجرع مرارة اليتم في هذه السن المبكرة..أين رحمة الله في هذا الطفل، ونحن نعلم أن رحمته به أكبر من رحمتنا نحن، فكيف يستقيم ذلك مع أننا نحن البشر لو كنا نملك الأمر لأعدنا لهذا الطفل والده، فلماذا يكتب الله على هذا الطفل وأمثاله لا يحصون عبر التاريخ المعاناة والحرمان..

تشتد الحيرة حين نرى فصلاً آخر من فصول المعاناة الإنسانية، ولكن هذه المرة بفعل فاعل، وليس مجرد قضاء وقدر..حين نرى المجرمين يتمادون في إجرامهم ويطغون في البلاد فيكثروا فيها الفساد ويطول عهد فسادهم وعلوهم وسفكهم للدماء دون أن يحاسبهم أحد..

لقد صدم وعينا بمشهد الفتاة السورية زينب الحصني التي اختطفها المجرمون ومثلوا في جسدها أبشع تمثيل وأشبعوه حرقاً وضرباً وتقطيعاً قبل أن يلقوا بها إلى أهلها..من يرى هذا المشهد يقشعر بدنه وتقف الكلمات عاجزةً لا تستطيع أن توفي هذه الجريمة حقها من البشاعة. حتى أن هول مشاهد التعذيب الممارسة بحق جسدها قد أخرجت بعض ضعاف الإيمان عن رشدهم فقرأت لأحدهم يسأل: أين أنت يا الله من كل هذا، ماذا تنتظر حتى تهلك هؤلاء الظالمين..

لا شك بأننا في مرحلة عصيبة يزلزل فيها المؤمنون زلزالاً شديداً وتبلغ القلوب الحناجر..لكن هل الرب عز وجل في عليائه غافل عن هذه الجرائم الهائلة، وهل أعرض عنا وترك لهؤلاء الظالمين أن يصولوا ويجولوا ويعربدوا إلى الأبد..

من أين يأتي الخلل؟؟

مكمن الخلل يأتي من رؤية الصورة الجزئية، واقتطاعها من الرؤية الكلية الشاملة فيبدو المشهد عبثياً مثيراً للاستغراب والتناقض، وهذا الشعور بالتناقض لا يزول إلا برؤية الصورة الكلية والسياق الكامل..

لتوضيح المثال نستشهد بلعبة إعادة ترتيب الأجزاء أو ما تسمى بلعبة puzzle..فهذه اللعبة التي تتكون من أجزاء تكون أحياناً بالمئات فإذا تناولت منها أحد قطعها مجتزأةً فإنك لن تفهم منه أي معنى وسيوحي لك بالعبثية، ولا تظهر قيمة هذا الجزء إلا ضمن الصورة الكاملة حين يعاد ترتيبها..

هذه القطعة مع أنها غير محددة الملامح وعبثية في مظهرها إلا أنها ضرورية ولا تكتمل الصورة إلا بها..

ولو حدث أن فقدنا إحدى هذه القطع رغم ما يظهر من عدم جدواها فإن الصورة الكاملة ستتأثر ويتشوه جمالها وتناسقها..

كذلك مثل التاريخ الإنساني فهو صورة كاملة تتكون من قطع صغيرة جزئية، هذه القطع لا تظهر قيمتها إلا إذا وضعتها ضمن منظور شامل كلي..

وحتى نرى الصورة الكاملة فإنه لا بد من أن نحافظ على مسافة فاصلة بين ذواتنا ومشاعرنا البشرية وبين الواقع الموضوعي، وألا نسمح للعواطف بأن تستغرقنا وتتحكم فينا، هذه المسافة الفاصلة ضرورية لرؤية الصورة الشاملة، فإذا طلب من أحدنا أن يصف الشكل الخارجي الإجمالي لبيت وهو بداخله فإنه لن يستطيع ذلك إلا إذا خرج من هذا البيت ونظر إليه من مسافة كافية..

في إحدى القصص الرمزية يقال إنه طلب من أربعة عميان أن يتحسسوا فيلاً ويصفوه، فمن لمس منهم ذيل الفيل وصف الذيل ظاناً أن هذا هو كل الفيل، ومن لمس خرطومه وصف الخرطوم، ومن لمس أذنيه وصف الأذنين، ومشكلة هؤلاء العميان أنهم لم يحيطوا بالصورة الكاملة للفيل، فوصفوا أجزاءً مقتطعةً منه.

كذلك هي أحداث التاريخ فإن من يعيش في خضم تفاصيلها ويكوى بنارها فإنها تستنزف مشاعره حتى لا يكون قادراً على رؤية الصورة الكاملة، وإدراك السياق التاريخي لها، لكن بعد مرور عقود أو قرون تبدأ ملامح الصورة بالتشكل والاكتمال ويدرك الإنسان ما لم يكن قادراً على إدراكه بالأمس..

خذ مثالاً على ذلك من الحربين العالميتين الأولى والثانية وما اشتملته من فظائع ومجازر مروعة.. كم من الدماء نزفت فيهما، وكم من الأطفال تيتموا، وكم من النساء ترملت، وكم من الدموع سكبت، وكم من المدن دمرت..ما الحكمة من كل هذا المقدار من المعاناة والألم..

لم يكن أحد قادراً على تصور وجود أي فائدة من هاتين الحربين الطاحنتين في خضم دوي المدافع وقصف الطائرات، لكن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، وبدأ الناس يعودون إلى رشدهم، فإننا صرنا قادرين على تلمس منحة من قلب المحنة، وأن هاتين الحربين على قساوتهما البالغة فإنهما لا يخلوان من فائدة تاريخية..

فهاتان الحربان العالميتان أدتا إلى كسر غرور الإنسان، وإقناعه بعبثية خيار الحرب وسفك الدماء، وأن للقوة سقفها الذي لا يستطيع تجاوزه، وأن طريق العنف هي طريق مسدود لا تنتج حلاً، وأدت هاتان الحربان إلى تعزز خيار الحلول السلمية وتراجع خيار الاعتماد على الحروب، كما شكلت هاتان الحربان دافعاً للدول الغربية لإنشاء الاتحاد الأوروبي ليحل التفاهم محل المواجهة، وهكذا أخرج الله الحي من الميت فولد الاتحاد الأوروبي من رحم الموت والقتل..

لكن هذا التفسير بدوره يظل تفسيراً نسبياً هدفنا منه إلى تقريب فكرة الصورة الشاملة إلى الأذهان، بينما الصورة في إجمالها لا تزال مروعةً قاسيةً، فهذه الفوائد على أهميتها لا تبرر إزهاق أرواح عشرات الملايين، ولا يعد ثمناً مقبولاً لها أن تدك المدن دكاً بالطائرات، وسبب هذا القصور هو أن الدنيا بمجملها تظل نسبيةً مجتزأةً لا يمكن فهمها والإحاطة بها إلا في إطار أوسع، وحين نتناول الأحداث بمنظور دنيوي وحسب فإن تفسيراتنا ستظل ناقصةً قاصرةً عاجزةً عن فك الكثير من الأسرار والألغاز..

فالملايين الذين قتلوا ظلماً عبر التاريخ لن يعودوا إلى الحياة مهما كانت الفوائد التي تحققت بعد مقتلهم، ومهما ألحقنا بالمجرمين من أمثال هتلر وشارون وبوش والقذافي من عقوبات فإنها تظل عقوبات ناقصةً لا توفي بحق من طالهم إجرامهم، فأي قتلة يمكن أن تعدل قتل الملايين الذين سفك هؤلاء دماؤهم..

هنا تأتي أهمية الإيمان باليوم الآخر وبالحساب والعقاب فيه، فهذا الإيمان يلبي حاجةً فطريةً في الإنسان لإشعاره بعدالة هذا الوجود، ودون الإيمان بهذا اليوم فسيظل الإنسان في حالة من الشعور بالتناقض والعبثية والقلق "وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ"..

إن الإيمان باليوم الآخر هو قطعة الpuzzle التي لا بد منها لرؤية الصورة الكاملة، ودون هذه القطعة فستظل الصورة مجتزأةً مشوهة..

حين يؤمن الإنسان بأن هذه الدنيا ليست نهاية المطاف، وأنها مجرد الخطوة الأولى في طريق شاق وطويل ينتظره لن ينتهي به إلا بالجزاء العادل على كل صغيرة وكبيرة فعلها إن كانت خيراً أو شراً فإن ذلك سيضفي عليه راحةً وطمأنينةً، وسيوفر له إجابات على أسئلته الوجودية الحائرة..

إن الإيمان بالمطلق ضروري لفهم النسبي في إطاره، ولو قدر لأحدنا أن يرى هذا الطفل الذي حرم من أبيه بعد ستين عاماً من الآن وهو رجل أعمال ناجح في حياته، وكيف كانت هذه المعاناة دافعاً له على الجد والمثابرة فسيدرك حينها أن كل صغيرة وكبيرة فإنها مقدرة لحكمة بالغة..

البشر بطبيعتهم محدودو النظر لأنهم يرون الأمور رؤيةً جزئيةً مما يؤدي إلى التعجل في إصدار أحكام خاطئة "بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة"، "سأريكم آياتي فلا تستعجلون"..

إن الله عز وجل أرحم بعباده منهم بأنفسهم، لكن الفرق بين رحمته ورحمتنا هو أن رحمته صادرة من علمه وإحاطته الشاملة المطلقة، بينما رحمتنا تستند إلى عواطفنا وتسرعنا، والبشر بطبيعتهم يتعجلون النتائج بينما الله عز وجل ينظر إلى عاقبة الأمور وصيرورتها النهائية "ولله عاقبة الأمور"..

إن مثل الاتحاد الأوروبي لا يكفي لشرح الفكرة شرحاً شاملاً ولكنه يعطي إشارات تقريبية تزيد الذين آمنوا إيماناً بأن ما يبدو عبثاً في حينه فإن الحكمة ستتضح منه ولو بعد حين..

"وإلى الله تصير الأمور"..

الخميس، 22 سبتمبر 2011


المؤمن لا يسعه إلا أن يكون ثائراً

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

الإيمان ليس مظاهر طقوسيةً خاليةً من الروح يؤديها صاحبها بشكل روتيني ممل، والإيمان ليست تلك الدروس النظرية التي يلقيها المشايخ التقليديون ويستفيضون فيها بشرح أقسام التوحيد من ألوهية وربوبية وأسماء وصفات، وما هي نواقضه من قبيل السجود للأحجار والأشجار، أو زيارة القبور أو التوسل لأولياء الله، فهذه أشكال ساذجة من الشرك تجاوزها كثير من البشر، ولم تعد هي القضية الأهم في عالم اليوم..

القرآن يؤكد في ثنايا كل آية من آياته على حقيقة لا إله إلا الله، وكل الأنبياء أرسلوا بهذه الكلمة العظيمة التي هي أساس الدين كله، فهل يعقل أن يكون كل هذا الثقل والمساحة التي أفردها القرآن هي لقضية أصبحت على هامش الحياة في عصرنا هذا..

لو كانت قضية التوحيد والشرك كما يتناولها أصحاب الفكر التقليدي المتحجر بأنها هي السجود للأحجار والأشجار وحسب لكانت قضيةً على هامش الحياة، ولما حافظت على قيمتها الكبيرة في عصرنا الحديث الذي يزداد توجه البشرية فيه نحو المدنية والانعتاق من الأيديولوجيات الجامدة..

إن قضية التوحيد التي تحتل كل هذا الثقل في القرآن الكريم لا تزال هي قضية البشرية الأولى، ولكن ليس بذلك المعنى القاصر والمخل الذي يتناوله بها أصحاب الفكر الجامد..

نعلم أن القرآن هو كتاب خالد لكل زمان ومكان، وهذا يقتضي أن تكون المشكلات التي يعالجها هي مشكلات إنسانية عامة تواجهها البشرية في كل زمان ومكان أيضاً، فكيف نفهم قضية التوحيد التي تحتل الصدارة في القرآن الكريم في هذا العصر فهماً يحافظ على إشراقها وحيويتها؟!

في عصر تتجه فيه الشعوب نحو المدنية وتنعتق من أغلال الأيديولوجيات يصبح من الضروري فهم قضية التوحيد فهماً مدنياً واقعياً، ليس بالتكلف وتحميل الألفاظ ما لا تحتمل من معان لنظهر أنفسنا للناس بأننا عصريون، بل بتدبر بسيط في المعاني التي تضمنتها هذه الكلمات في القرآن الكريم..

"لا إله إلا الله" في حقيقة معناها هي عقيدة ثورية ورسالة إصلاح اجتماعية وسياسية، فمن يؤمن إيماناً حياً، وليس مجرد إيمان طقوسي بأنه لا إله إلا الله فإنه لن يسعه بعد ذلك إلا أن يتمرد على كل أغلال العبودية، ويحطمها، ويأبى الضيم والذل والهوان..

كلمة لا إله إلا الله في معناها القريب والمباشر هو أن أحداً لا يملك الضر ولا النفع ولا الموت ولا الحياة ولا النشور ولا الرزق سوى الله، ومن كان هذا هو معتقده فإنه لن يسمح لأحد أن يبتزه في مصدر رزقه، أو أن يهينه في كرامته..

الإيمان يحرض في النفوس كوامن الثورة فمن يقرأ قول الله تعالى "إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم" لن ينظر بعد ذلك إلى السادة والكبراء والملوك والوزراء نظرةً تخرجهم من بشريتهم إلى مصاف الألوهية، ولن يصغر نفسه ويحقرها استجداءً لرضاهم، فهم لا يزيدون عن كونهم عباداً أمثاله لا يملكون أن ينفعوه أو يضروه..

الإيمان يحرر الإنسان تحريراً نفسياً عميقاً فيشعره بالطمأنينة والرضا والسعادة لأنه قد علم بأنه ليس لأحد من سلطان عليه، وأنه هو سيد لنفسه، ولا يخضع إلا لإله واحد أحد صمد مطلق.

فلسفة تحرير الإنسان في القرآن تنبع من داخله، ولا تهدى إليه، فحرية الإنسان هي قراره الذاتي، وكل الظروف والعوائق لا تستطيع أن تحول بين إنسان وبين قراره بأن يكون حراً، ومن يتطلع إلى الحرية فرداً كان أو شعباً فإن المطلوب منه هو شيء واحد وهو أن يمارسها، لا أن ينتظر مهدياً أو مسيحاً أو مخلصاً أو خليفةً أو صلاحاً..ربما يستطيع الطغاة أن يسجنوا إنساناً أو يقتلوه، ولكنهم أبداً لن يستطيعوا أن يغيروا قناعاته بوسائل بطشهم، فإذا قرر إنسان بأنه حر صار حراً بالفعل.

حين يتحرر الناس من الداخل فإن هذه هي الخطوة الأولى والحاسمة لعملية تحرير شاملة في الميدان الاجتماعي والسياسي..فالتوحيد بهذا المعنى الحي يؤسس لعلاقات سوية بين بني البشر تقوم على المساواة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، وإلغاء الطبقيات، وعدم تقديس الأفراد مهما علا شأنهم..

إن مشكلة البشر اليوم لا تزال هي مشكلة الشرك، تماماً كما كانت هذه هي مشكلتهم زمن الأنبياء، وفي كل زمان، ولكن شرك اليوم ليس هو ركوع الجسد أمام الأصنام الحجرية والشجرية والبشرية، بل هو خضوع النفوس للمستكبرين في الأرض الذين يقولون للناس اتخذونا آلهةً من دون الله..

إن أصنام اليوم لم تعد اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى بل هي الحكام المستبدون الذين يقولون للناس نحن بيدنا الموت والحياة، وبيدنا الضر والنفع، ونحن نملك أن نرزقكم، ونحن لا معقب لحكمنا وبيدنا الأمر..

والشرك الأكبر في هذا العصر كما يقول المفكر جودت سعيد هو حق الفيتو في مجلس الأمن الذي ينصب خمسة آلهة كبار لا يريدون أن يكونوا على قدم المساواة مع بقية الدول، فإذا أجمعت البشرية كلها على أمر فإن دولةً واحدةً تستطيع بهذا الحق الباطل أن تلغي إرادة هذه الشعوب وأن تمضي رأيها دون أن يكون هناك معقب لحكمها..

وهل التأله في الأرض إلا أن يتعالى الإنسان على البشر ويظن أنه لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون..

معنى التوحيد هو معنى متجدد وخالد له في كل عصر تطبيقاته، ومن يتشرب هذه المعاني فإنه يكتسب طاقةً تحرريةً يكسر بها القيود والأغلال ويتمرد على واقع الظلم والاستعباد، وينادي في الناس برسالة القسط والعدل "ألا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله"..

لقد أنتج التوحيد في تاريخ الإسلام نموذج بلال بن رباح وكلمته الخالدة أحد أحد حين تحدى بها سلطان السادة والكبراء، وها هو ينتج في زماننا نماذج مشرقةً تسير على خطى بلال وهي تتحدى سلطان المتألهين في الأرض وتهتف حرية حرية..

ولأن التوحيد عميق في فطرة النفس الإنسانية فإنه يعبر عن نفسه حتى عند غير المسلمين، فحين تخرج الشعوب غير المسلمة وتسقط حكامها المستبدين فإنها بذلك تؤكد حقيقة التوحيد وأن هؤلاء الحكام ليسوا آلهةً من دون الله..

إن الشباب البسطاء الذين يخرجون في الميادين العامة ويهتفون ضد الاستبداد والاستعباد هم أقرب لمعنى التوحيد من المشايخ المعممين أصحاب الفكر التقليدي الذين يشرحون هذه المعاني العظيمة بأسلوب بارد وجاف متجمد في التاريخ يفقدها روعتها ويفرغها من فعاليتها النفسية والاجتماعية والسياسية..

ولا غرابة في ذلك فهذه هي سنة الله في الذين خلوا من قبل بأن من يحمل لواء التجديد دوماً هم الناس البسطاء الذين لا يؤبه لهم، وليس أصحاب المكانة الاجتماعية ممن يسمون أنفسهم عظماء أو مثقفين أو نخبةً وغير ذلك "أهؤلاء الذين من الله عليهم من بيننا"، وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي"، "لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم"..

إن حقيقة الإيمان لا ترضى لصاحبها إلا أن يكون ثائراً رافضاً للانصياع للمستكبرين في الأرض عزيز النفس "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين"..

والحمد لله رب العالمين..

الأربعاء، 7 سبتمبر 2011

هل تعرفون قصة الفيل نيلسون؟!

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يورد الدكتور إبراهيم الفقي في كتابه الرائع قوة التحكم في الذات قصة فيل يدعى نيلسون أسره أحد الصيادين وربطه بسلسلة حديدية، فحاول الفيل التخلص من هذه السلسلة دون جدوى، وظل يحاول جاهداً كل يوم من أوله إلى آخره، ومع تكرار المحاولات وتكرار الفشل أدرك نيلسون عجزه عن التحرر من قيده فما كان منه إلا أن استسلم وتوقف عن محاولاته.حينها استبدل الصياد سلسلةً خشبيةً بالسلسلة الحديدية، وكانت السلسلة الجديدة من الهشاشة بحيث يستطيع الفيل أن يكسرها بسهولة ويتحرر من قيده، لكنه لم يفعل وظل في أسره، وحين سأل الطفل أباه مستغرباً عن السبب الذي يدفع الفيل للبقاء في أسره بينما هو قادر على التحرر منه بسهولة، أجابه الأب: إنني أعرف أن الفيل قادر على التحرر من قيده، وأنت تعرف ذلك، لكن المهم أن الفيل نفسه لم يكتشف بعد هذه القدرة..

إن هذا الفيل لم يكن في واقع الأمر مقيداً بالسلسلة الخشبية سهلة الانكسار، بل إن قيداً آخر هو الذي كان يمنعه من التحرر وهو قيد برمجته السلبية وقناعاته الراسخة بعجزه فلم يكن يفكر مجرد تفكير في محاولة التخلص من قيوده والانطلاق نحو الغابة الواسعة..

مثل هذا الفيل ينطبق على كثير من البشر الذين تقيدهم أفكارهم السلبية وثقافة العجز وفقدان الثقة بالذات وغفلتهم عما حباهم الله به من إمكانيات وقدرات، فتؤدي هذه النظرة إلى إحجامهم عن مجرد محاولة النجاح والانتصار في الحياة، ويظلون أسارى لأوهامهم ظناً منهم بأنه قدر عليهم أن يظلوا طوال حياتهم فاشلين مهزومين وأن النصر والنجاح هو حليف أعدائهم إلى الأبد..

والعوائق التي تحول دون نجاح هؤلاء هي عوائق ذاتية وليست موضوعيةً..فنحن من نصنع الهزيمة أو النصر بالقدر الذي نقرره لأنفسنا، وأعداؤنا هم أقوياء بالدرجة التي نرسمها في أذهاننا لحدود هذه القوة، وقدرتنا على الانتصار عليهم مرهونة بمدى تحرر نفوسنا من العبودية لهم، وحين رأينا في عام 2011 سقوط أنظمة استبدادية عاتية كانت تحكم شعوبها منذ عقود بالحديد والنار، فهذا ليس لأن هذه الأنظمة قد ضعفت فجأةً بعد أن كانت قويةً طيلة السنوات الخالية، لكن الذي تغير هو أن الشعوب قد أدركت أخيراً سر قوتها، فما كان منها إلا أن حطمت السلسلة الخشبية وانطلقت نحو الحرية..

يذكر لنا التاريخ إلى أي مدىً يصل أثر برمجة الهزيمة على الإنسان ففي زمن اجتياح التتار يروى أن أحد جنود التتار حين كان يقابل أحد المسلمين في الطريق كان يطلب منه أن يظل واقفاً في مكانه حتى يذهب ويحضر سيفه ليقتله..فما يكون من هذا الرجل إلا أن يظل متسمراً لا يتزحزح من موضعه حتى يعود الجندي بسيفه فيقتله..هذا الرجل كان يستطيع على الأقل أن يحاول الفرار لا أن يستسلم بهذه الطريقة الذليلة، لكن الهزيمة النفسية التي ملأت قلبه بتصورات عن قوة التتار الخارقة، وعبث أي محاولة للتغلب عليهم شلت قدرته عن بذل أي محاولة للنجاة بنفسه..

إن أكبر معيق يواجه الإنسان في حياته هو برمجته بالأفكار السلبية لأن هذه الأفكار هي التي تصنع سلوكه وهي التي تحدد مستقبله، والفرق بين إنسان ناجح وآخر فاشل ليس ميزات إضافيةً وهبها الخالق للأول ونزعها من الثاني، بل إن الفرق هو أن الأول اكتشف مواطن قوته فاستثمرها، بينما الثاني لم يكتشفها فظل متخبطاً في ظلمات فشله وهزيمته..

يقدم لنا القرآن الكريم نظرةً إيجابيةً تجاه الإنسان حتى تكون هذه النظرة دافعاً لنا للنجاح، فالإنسان في القرآن هو سيد الكون، وهو الذي سخر له الخالق ما في الأرض جميعاً منه، وهو الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه، وفضله تفضيلاً، ولم يجعل لأحد من سلطان عليه، حتى الشيطان فإن كيده كان ضعيفاً.

وهذه النظرة الإيجابية للإنسان في القرآن الكريم كفيلة لمن يتدبرها بأن تحرره من قيوده وتضع عنه الإصر والأغلال، وتبعث فيه القوة للانطلاق نحو النجاح وهزيمة كل الظروف والعوائق فقط عليه ألا يظلم نفسه، وأن يضعها في المكان اللائق بتكريم الله عز وجل لها..

إن خطورة البرمجة السلبية هي أنها تجعل على قلوب أصحابها أكنةً فيصابوا بالعمى، ولا يروا الحياة إلا بمنظار أسود قاتم، ولا يعودوا قادرين على اكتشاف مواطن القوة الذاتية واستثمارها فيهزموا من داخلهم بفعل هوانهم لا بفعل قوة الأعداء.

لقد مرت بي آية في كتاب الله لمست فيها معنىً جديداً وهي قول الحق عز وجل: " إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ"..هذه الآية تبين الدور الخطير للبرمجة السلبية في خذلان الإنسان ساعة المواجهة، ويشير القرآن في هذه الآية ذاتها إلى ضرورة التحرر من أثقال الماضي بفتح باب العفو "ولقد عفا الله عنهم"..ومفهوم التوبة في الإسلام ما هو إلا تعبير عن التحرر من أغلال الماضي، والانطلاق بأفكار إيجابية نحو المستقبل..

إن اكتشاف القدرة على الانتصار والنجاح هو أكثر من نصف الطريق نحو تحقيقهما، والقيمة الاستراتيجية للثورات العربية قبل أن تقاس بما أحدثته من تغييرات سياسية فإنما تقاس بأنها حررت الشعوب من حقبة الهزيمة النفسية وفقدان الثقة بالذات، ونبهتها إلى مواطن القوة الكامنة فيها، مما أعطى هذه الشعوب قوة دفع في اتجاه تحقيق النهضة وصناعة الحياة..

والله أعلم