السبت، 30 أبريل 2011

مسيرة العودة..والموقف الدولي المطلوب

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يعتزم اللاجئون الفلسطينيون في الخامس عشر من مايو القادم تنظيم أكبر تحرك جماهيري لهم منذ ثلاثة وستين عاماً يهدف على إعادة الاعتبار لقضيتهم العادلة، وإعادة القضية الفلسطينية إلى مربعها الصحيح، وانتشالها من مربعات التجزئة والتقزيم التي نالتها خلال العقود الماضية لتعود القضية الرئيسية هي قضية شعب طرد من وطنه ويريد أن يعود إليه..

الخامس عشر من مايو هو الموعد الذي تتجدد فيه أحزان الذاكرة كل عام إذ يستحضر الفلسطينيون ما حل بهم في هذا التاريخ عام 1948 حين طردوا من ديارهم، وجاء أقوام غرباء من أشتات العالم فحلوا محلهم في أكبر مأساة تحل بشعب من الشعوب في العصر الحديث، لكن الشعب الفلسطيني ببراعته قرر أن يحيل المحنة إلى منحة، وأن يجعل من الركام جسراً للعبور، وأن يوظف هذه الذكرى الحزينة هذه المرة في جهد إيجابي يتجاوز به حالة الندب والبكاء إلى خطوات نضالية نوعية فعالة تقربه من استعادة حقه في العودة إلى دياره المغتصبة.

الفكرة هي أن يخرج اللاجئون الفلسطينيون في مسيرات حاشدة تنطلق من كافة أماكن تواجدهم وتتجه صوب الحدود مع فلسطين المحتلة عام 48 وتعتصم بشكل سلمي وترفع شعارات تنادي بحق العودة..

الفلسطينيون بهذه المسيرة بعد ثلاثة وستين عاماً من تهجيرهم من ديارهم يرسلون رسالةً قويةً إلى العالم بأنهم لم ينسوا حقهم، وأن نظرية الاحتلال بأن الكبار يموتون والصغار ينسون قد باءت بالفشل الذريع، فها هي أجيال ولدت وماتت، وكبر الصغار، وكبر أبناؤهم وأحفادهم دون أن يتسرب إلى الذاكرة شيء من النسيان.

الفلسطينيون قرروا أن يأخذوا زمام المبادرة بأيديهم بعد أن تواطأ العالم ضدهم خلال كل هذه السنوات، أو على الأقل صمت على مأساتهم وتغافل عنها، هم لا يطلبون أكثر من حقهم في العودة إلى ديارهم وهو الحق المكفول في كافة الشرائع والقوانين.

هذه المسيرة بالإضافة إلى التأكيد على طابعها السلمي فهي مسيرة قانونية لأنها تأتي تطبيقاً للقرار الصادر عن الأمم المتحدة رقم 194، وغيره من القرارات التي توجب السماح بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وفعل المشاركين في هذه المسيرة لا يزيد عن كونه محاولةً لتنفيذ قرار أممي، لذا فإن أي قمع لهذه المسيرة هو خروج على القانون الدولي.

بالتأكيد ستكون إسرائيل في مأزق غير مسبوق في مواجهة هذه المسيرة، فهي مسيرة سلمية وقانونية، وإسرائيل تدرك أكثر من غيرها نقطة ضعفها القاتلة، فهي لم تكن تراهن طوال عمر وجودها على الأرض المغتصبة على شرعيتها الأخلاقية، بل كانت تراهن على نسيان العالم للجريمة التي اقترفتها، وحين ينبعث أصحاب الحق بعد ثلاثة وستين عاماً ويقفون على الحدود أمام مرأى العالم وهم يطلبون الإذن بدخول وطنهم والعودة إلى ديارهم سيتبين حينها حجم المأزق السياسي والأخلاقي الذي تعاني منه إسرائيل.

إسرائيل تسير في عكس اتجاه التاريخ لأن أساس بنيانها باطل، فهي في حالة تناقض صارخة، إذ كيف لدولة أسست من أول يوم على الظلم والقهر والقتل أن تنسجم مع عالم يمضي بخطىً متسارعة نحو مبادئ الحرية والديمقراطية، بينما الفلسطينيون في نضالهم المشروع يسيرون في اتجاه التاريخ ويعمل الزمن لصالحهم، لذا فإن معركتهم مهما طال الأمد فهي مضمونة النتائج.

تستمد مسيرة العودة المرتقبة أهميتها من أنها تفاجئ الاحتلال الإسرائيلي بما لم يكن يحتسب له، وتضرب في نقطة ضعفه القاتلة، وتنبه إلى طريق ثالث متحرر من ثنائية إما مقاومة بالصواريخ والرصاص وإما استجداء بالمفاوضات، فبينما أثبتت المفاوضات عجزها عن تحقيق أي اختراق مهما كان شكلياً، وتيقن المفاوض أنه كان يلهث وراء سراب خادع منذ عشرين عاماً ، فإن المقاومة العسكرية تبدو أيضاً عاجزةً ومشلولة القدرات ومكبلة بالقيود والحسابات السياسية، والمزاج العالمي والعربي الحالي يصب في مصلحة المقاومة الشعبية السلمية، لذا فإن مسيرة العودة تأتي لتخليص الحالة الفلسطينية من حالة الجمود وانسداد الأفق السياسي، وتأتي انسجاماً مع الروح الجديدة التي تسري في العالم العربي.

ما أثبتته الثورات العربية هو أن إرادة الشعوب أقوى من كل إجراءات القمع والاستبداد، وأن كل أشكال القوة هي أضعف من أن تقتل إرادة شعب، وكل ما يمكن أن يمارسه نظام استبدادي أو احتلالي من إجراءات قمعية هي إجراءات مؤقتة لا تنال الشعوب إلا بأذى "لن يضروكم إلا أذى" فلا تنفذ إلى الروح لتقتلها، وفي نهاية المطاف يحق الحق ويبطل الباطل فتزول هذه الأنظمة الظالمة وتبقى الشعوب متجذرةً، وعبثاً يفعل من يحاول أن يمد هذه الكيانات الظالمة بأسباب الدعم والقوة، لأن كل دعمه لن يحول دون سقوطها المحتم "كان ذلك في الكتاب مسطوراً".

ما دامت الأنظمة القائمة على الظلم زائلة، لا محالة والشعوب هي الباقية فإن مصلحة العالم الحقيقية هي بالاصطفاف إلى جانب حقوق الشعوب، لا إلى جانب المعتدين الظالمين، ولأن العالم لا يفهم سوى لغة المصالح فإننا نخاطبه باللغة التي يفهمها، فنقول له:حسناً إن أردتم مصالحكم، ولكن ينبغي أن تعرفوا أين هي مصلحتكم الحقيقية، إنها ليست في دعم الاستبداد والاحتلال، بل إن المصلحة الحقيقية لكم هي بدعم حقوق الشعوب في الحرية والكرامة، فالاستقرار لا يكون إلا بالعدل، وما دامت هناك شعوب تحت الاحتلال فإن الاستقرار العالمي كله في خطر.

الشعوب أذكى مما يتصور الكثيرون، وهي تعلم جيداً صديقها من عدوها، فمن يقف إلى جوار الشعوب من الآن فإنه سيكسبها وسيكسب مصلحته بذلك، لا أن تظلوا على مواقفكم الداعمة لقوى الظلم فإذا انتفضت الشعوب عليها ركبتم الموجة وقلتم إننا نحترم إرادة الشعوب.

إن العالم مطالب من الآن خاصةً بعد أن تبينت له الآيات في الثورات العربية أن يراجع مواقفه وأن يؤمن بأنه لا استقرار حقيقي في العالم إلا بتسوية عادلة لأوضاع كافة المقهورين في أنحاء العالم..

مصلحة العالم الحقيقية ليست في دعم إسرائيل لأن إسرائيل تسير في عكس اتجاه التاريخ التقدمي، ومع الأيام تزداد عزلتها وانحسار مشروعها، وكما يذكر لنا التاريخ بأن دولة أشور ماتت مختنقةً في دروعها فإن إسرائيل تختنق الآن في ترسانتها النووية، وسينتهي مشروعها العنصري دون أن تغني عنها أسلحتها من الله شيئاً، فمصلحة العالم الحقيقية هي في الاصطفاف مع الباقي وليس الفاني، أي في دعم الشعوب ومساندتها في نيل حقوقها المشروعة، ولا يمكن لإسرائيل بعنصريتها واغتصابها لحق شعب كامل أن تكون قادرةً على الانسجام مع العالم الجديد الذي هو آخذ بالتشكل في هذه الأثناء.

لا يبدو أن هناك مكاناً سيتسع لعنصرية إسرائيل في خارطة المستقبل، وعلى العالم أن يختار بين دعم إسرائيل العنصرية الفانية، بما يمثله هذا الدعم من إبقاء حالة التوتر التي تضر بالاستقرار العالمي، وبين دعم دولة ديمقراطية تنسجم مع روح العصر تتحقق فيها العدالة، ويعود فيها أصحاب الأرض الحقيقيين إلى وطنهم..

إن العالم سيدرك هذه الحقيقة حتماً،ولكن السؤال هو:متى سيدركها،وبأي تكلفة؟!

"قد بينا لكم الآيات لعلكم يعقلون"..

صفحة مسيرة العودة: https://www.facebook.com/maseera2011

الاثنين، 18 أبريل 2011

من قتل فيكتور؟
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
(سامحنا يا فيكتور ، ولا تحمل علينا ، وإن التقيت بريتشل لا تخبرها بأسفك
على ما قدمت ، ولا تساوي الكف بالمخرز ، فبئس اليد التي أتيت تصافحها
فطعنتك ، وبئس القلب الذي بكيت لأجله فانتزع قلبك..في رثاء البطل)
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
جريمة اغتيال ناشط السلام الإيطالي المناضل فيتوريا أريغوني المعروف باسم (فيكتور) هي جريمة بشعة ومروعة بكل المقاييس..هذا المناضل الذي حرم نفسه من مباهج الحياة في بلده وترك والديه وخطيبته وأصدقائه وجاء إلى غزة ليتضامن مع أهلها فكان جزاؤه أن قتله بعض المجرمين المفسدين في الأرض.
أعرف فيكتور شخصياً وقد التقيت به أول مرة في أغسطس 2008 حيث كان قطبان أول سفينة كسرت الحصار عن غزة فكان بذلك من السابقين، وسجل له أصدقاؤه كلمةً كان يرددها كثيراً في إبحاره إلى غزة حيث كان يقول :"كن إنساناً"، فقرروا تخليدها بأن أطلقوها اسماً لرحلتهم القادمة إلى غزة..
رأيته وهو يجلس مع خطيبته على شاطئ غزة يحتسيان الشاي وقد سرح ببصره نحو الأفق يتأمل بعينيه العميقتين اتساع البحر وترامي أطرافه، ويرقب أمواجه الهادرة الآتية من بعيد وهي تتكسر على شاطئ غزة، ويبدو أن هذه الزيارة تركت انطباعاً عميقاً في نفسه، فعاد في المرة الثانية بمفرده، ولكن هذه المرة ليبقى وليشارك أهل غزة معاناتهم وصمودهم..
حاورته مرات عديدةً بإنجليزيتي المتكسرة فرأيت فيه شخصيةً مرحةً محبةً للعدالة ثائرةً على الظلم واختلال الموازين في هذا العالم، وقد سألته ذات مرة عن رئيس وزراء بلده برلسكوني، ودعمه لكيان الاحتلال فثار غضبه عليه، ولم يجد ما يعبر به عن غضبه سوى أن قال بلسان عربي فصيح:هذا خنزير، قلت له:ما دام بكل هذا السوء فلماذا أعاد الشعب انتخابه، قال لي:إنه يملك امبراطوريةً من الإعلام يضلل بها الجماهير، فاستفدت من كلامه بأن الديمقراطية منقوصة حتى في بلاد الديمقراطية، وقال لي مرةً أخرى: أنا مسيحي وأنت مسلم، وكلنا إخوة في الإنسانية..
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
لم تكن إقامة فيكتور في غزة للسياحة والتمتع بملذات الحياة، ففي العالم الفسيح خارج غزة متسع لذلك، ولكنه جاء مناضلاً فاختار أن يسكن في غرفة متواضعة في ميناء الصيادين بغزة، كان تواجده في غزة من أجل النضال فكان يتقدم الصفوف في مناهضة الاحتلال، تراه يتقدم المسيرات السلمية على حدود فلسطين المحتلة عام48 بصدره الأعزل وهو يهتف ضد سياسة الاحتلال العنصرية البغيضة.كان يشارك فقراء غزة طعامهم وشرابهم، وكان يلعب مع الأطفال بشخصيته المرحة المعهودة يدخل السرور على قلوبهم، وفي حرب غزة كنت تراه في الميدان يسعف الجرحى، ويحمل الشهداء، كنت تراه مع الصيادين في رحلات صيدهم المحفوفة بالمخاطر، وهم ينتزعون لقمة عيشهم من أنياب الاحتلال والحصار.
لقد ضرب فيكتور مثلاً في الشجاعة والإقدام عجز عنها كثير منا نحن أصحاب القضية من الفلسطينيين والعرب.
هذا القلب النابض بحب الخير والعدالة كان عامل إزعاج لأعداء الحياة والإنسانية، فقرروا أن يوقفوا نبضه، فامتدت إليه الأيادي الآثمة في خلسة من الليل بعد أن تجرد أصحابها من أي قيمة إنسانية وأخلاقية، واقترفوا جريمتهم التي لا تكشف إلا عن نذالة وخسة وحقارة تعجز الكلمات عن التعبير عنها..
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
لكن من الذي قتل فيكتور؟؟
من الصعب جداً افتراض البراءة فيمن اقترف هذه الجريمة الآثمة، أو الظن بأن دافعها الوحيد هو الجمود والانغلاق الفكري، وأنها لا تتعدى كونها فعلاً طائشاً غير محسوب النتائج، فثمة جملة من الملاحظات تعزز فرضية أن تكون هذه الجريمة ذات أهداف سياسية، وأنه أحكم التدبير لها لتحقيق أهداف مسيئة للفلسطينيين في هذه المرحلة الحساسة..
هل هي مصادفة بريئة أن تأتي هذه الجريمة تماماً في الوقت الذي كانت تشهد فيه إسرائيل حالةً من القلق والاستنفار لمناقشة سبل التصدي لأسطول الحرية الثاني وبحث كافة الخيارات لمنع وقوع الاحتلال في ورطة مثل التي وقع فيها العام الماضي أو أشد، حتى أنها استنفرت رئيسها ورئيس وزرائها ووزراء الداخلية والجيش كما لم يحدث من قبل في جولات خارجية عنوانها الرئيسي هو إفشال رحلة أسطول الحرية، وأن يأتي تنفيذ هذه الجريمة بعد ساعات معدودة من تصريح نتنياهو بأن إسرائيل ستبحث في طرق أخرى لمنع انطلاق أسطول الحرية نحو غزة؟!
وإذا استعنا بمبدأ (من المستفيد؟) في محاولة التعرف على الفاعلين، فمن مصلحة من في هذا التوقيت بالذات أن ينتشر بين المتضامنين الأجانب وهم يعدون العدة للإبحار نحو غزة أن غزة تقتل القادمين إليها، ومن الذي يمكن أن يتصل في صبيحة اليوم التالي للجريمة بوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي ويقول لهم:ألم أنصحكم يا نظرائي الأعزاء قبل أيام قليلة بأن تمنعوا إبحار المتضامنين صوب غزة؟ وألم أقل لكم إن غزة لا تستحق التضامن معها، وأنها ليست محاصرةً بل هي وكر للإرهاب والتطرف؟
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
هناك ثغرات عديدة تضعف من فرضية أن يكون دافع الجريمة هو التطرف الفكري وحسب، من هذه الثغرات أن المتضامن قتل بعد ساعات قليلة من اختطافه رغم أن من خطفه أعطى في البداية مهلة ثلاثين ساعةً لحكومة غزة للإفراج عن أحد المعتقلين، فلماذا لم ينتظر الخاطفون انقضاء هذه المهلة، وسارعوا إلى قتله، هذا يرجح أن الخطف كان ابتداءً بقصد القتل، كذلك فإن تعمد نشر صور تبين خنقه وقتله بطريقة بشعة من شأنه أن يضاعف من أضرار هذه الجريمة على الفلسطينيين، وأن يضاعف من تأثيرها السلبي على نفوس المتضامنين مع الشعب الفلسطيني.
أضف إلى ذلك ما أعلنته المصادر الأمنية في غزة بأن أحد المقبوض عليهم بتهمة المشاركة في الجريمة هو شخص مشبوه أمنياً، وأنهم تلقوا أوامر التنفيذ من جهات مجهولة عبر الانترنت.
من الملاحظات القوية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار هو نفي ما تسمى جماعة التوحيد والجهاد مسئوليتها عن هذه الجريمة، بعد أن كان قد أعلن بأنها هي من نفذت هذه الجريمة، وهذا النفي له قيمة كبيرة، فأصحاب هذا الفكر المتشدد رغم أننا نرفض فكرهم إلا أن هذا ينبغي ألا يخرجنا عن العدل في التعامل معهم..صحيح أن فكرهم منحرف ومتشدد إلا أنهم أقرب إلى الصدق من غيرهم، لأنهم ليسوا أصحاب خبرة كبيرة في فنون الكذب والمناورة، وهم أصحاب مبدأ وليسوا ساسةً فإذا فعلوا شيئاً برروه ودافعوا عنه، وحين يقولون أننا لم نفعل هذا فالأرجح أنهم صادقون، ويبقى التحري الدقيق هو الحكم في هذه المسألة..
بالطبع فإنه ليس من الصعب على إسرائيل بأذرعها الأمنية الطويلة أن تقوم بمثل هذه الجريمة في غزة، فغزة بحكم التصاقها بالاحتلال ووقوعها تحت الاحتلال المباشر عقوداً طويلة هي ساحة مكشوفة يمكن بسهولة تنفيذ مثل هذه العملية فيها..
سواءً كان من يقف وراء هذه الجريمة هي إسرائيل أو الفكر المتطرف أو أن تزاوج كليهما قد أنتج الجريمة، فاستفادت إسرائيل من وجود قلة من أصحاب الفكر المنحرف وقامت باختراقهم وتوجيههم من حيث لا يشعرون في الاتجاه الذي يخدمها، أياً كان الأمر فإن الواضح هو أن المستفيد الأكبر من هذه الجريمة هي إسرائيل خاصةً في هذا التوقيت الحرج، وأن الخاسر الأكبر منها هو الشعب الفلسطيني وقضيته الأخلاقية العادلة، والجهل هو الوجه الآخر للخيانة فكلاهما في الضرر سواءً، ولا تبرر مثل هذه الجريمة مهما كانت نوايا أصحابها وقناعاتهم الفكرية.
إننا أمام لحظات صعبة تعصف بنا بعد هذه الجريمة البشعة، ويجب أن نقوم بكثير من العمل لكشف الفاعلين الحقيقيين لهذه الجريمة، ولإقناع حركة التضامن العالمية بأن هذه ليست غزة، وأن هذه الفعلة الآثمة لا تعبر عن قيم الشعب الفلسطيني وأخلاقه، وأن فلسطين لا تنكر جميل من وقف معها وناصرها، ومن قام بهذه الجريمة على افتراض أنهم فلسطينيون فهم أفراد معزولون لا يمثلون الصورة الحقيقية لجهاد شعبنا وتضحياته، بل إنهم امتداد للاحتلال الإسرائيلي ولن يخلو مجتمع في الدنيا من أصحاب قناعات منحرفة، لكن الشعوب لا تؤاخذ بجريرة مثل هذه القلة المنحرفة.
إذا كان هدف الفاعل الحقيقي لهذه الجريمة هو التأثير على حركة التضامن الدولية، فإن في إعلان والدة فيكتور نيتها المشاركة في أسطول الحرية الثاني إفشالاً لهذا المخطط القذر، وطعنةً في الصميم له، وهذا يعني بفضل الله أن هذه الجريمة لم تنجح في الإساءة لصورة غزة الصامدة الأبية..فشكراً لك أيتها الوالدة الصابرة..
ختاماً أوجه كلمتي لبعض وسائل الإعلام التي ما إن تحدث مثل هذه الحوادث في غزة حتى يصوروا غزة بأنها باتت مأوىً للإرهاب والتطرف، وأن قضية غزة الأولى هي مثل هؤلاء الأفراد النشاز إن ثبت وجودهم، وليست قضية شعب يتوق للحرية ويعاني من الاحتلال والحصار، ونفس هذه الفضائيات لا تتناول الوجه المشرق لغزة في مقاومتها للاحتلال وصمودها في الحصار إلا قليلاً، أقول لهم إن كيدكم سيرد إلى نحوركم ولم تعد الشعوب على درجة من السذاجة التي تظنونها، ومن سيخسر من التحريض الذي تمارسونه هو أنتم لأن الشعوب ستنفض عنكم بعد أن اكتشفت ألاعيبكم وتجردكم من المهنية وأخلاق العمل..
الصحفي الإيطالي فيتوريو أريغوني الذي
تحديث/
علمت بعد أن فرغت من كتابة هذه المقالة بأن فيكتور كان قد أوصى خطيبته قائلاً:" إذا استشهدت في غزة فلا تخرجوا جثماني من معبر إيرز ولكن أخرجوه من معبر رفح حتى أكسر الحصار عن غزة"..وهذا ما كان فعلاً حيث جاءت خطيبته عبر معبر رفح لتسلم جثمانه..
ما أعظمك يافيكتور وأنت تفكر في كسر الحصار عنا حتى بعد استشهادك، وما أجبن وأنذل من تجرأوا على اقتراف الجريمة بحقك..
وإنا لله وإنا إليه راجعون
" إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"
والله أعلى وأعلم..

الجمعة، 15 أبريل 2011

لا ممانعة حقيقية إلا بأنظمة ديمقراطية
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
في يوم الجمعة المباركة الثامن من أبريل 2011 وفي نفس الوقت الذي كانت الأراضي المحتلة تشهد فيه تصعيداً إسرائيلياً أسفر عن استشهاد أكثر من عشرة فلسطينيين كانت قوات الأمن التابعة لنظام عربي يرفع شعار الممانعة تطلق النار على أبناء شعبها الذين خرجوا منادين بالحرية لتحصد زهاء الأربعين شهيداً، أي حوالي أربعة أضعاف من قتلهم الاحتلال في نفس اليوم.
هذا النظام العربي الممانع وهو يقتل أبناء شعبه فإنه يبرر ذلك بأنه يتصدى لمؤامرة أجنبية تستهدف النيل من صموده وممانعته، وإذا فهمنا مصطلح الممانعة بأنه يعني إفشال المشروع الإسرائيلي القائم على قتل الفلسطينيين واغتصاب حقوقهم وممارسة أبشع ألوان الظلم عليهم، فهذا يعني أن هذا النظام يجعل من رفضه لسياسة القتل والظلم الإسرائيلية ضد الفلسطينيين مسوغاً لكي يقوم هو بقتل أبناء شعبه، وممارسة الاضطهاد بحقهم.
ما نريد أن نذكر به هذا النظام هو أن المبادئ لا تتجزأ ومن قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعاً، والإنسان مقدس أياً كان لونه وجنسيته، وميزان الحق لا يفرق بين قطرة دم تراق بأيد عربية أو إسرائيلية، والاستبداد لا يزيد عن كونه وجهاً آخر للاحتلال، ومن يسعى للتحرر من الاحتلال فإنه لا يفعل ذلك ليستبدل به قيداً آخر وسجانين آخرين، فالمعركة ضد الاحتلال وضد الاستبداد واحدة، وحرية الإنسان هي الأصل لا تقبل المقايضة عليها تحت أي ذريعة أو حجة.
لقد جاء الإسلام ليحطم الأصنام كلها ويحرر البشرية من العبودية لغير الله، ومع ذلك فلا تزال الأصنام مزدهرةً في عالمنا العربي بعد أن اتخذت أشكالاً جديدةً، فإن كانت البشرية في عهودها الأولى قد عرفت نوعاً من الصنمية الساذجة المباشرة بتقديم القرابين الإنسانية على مذابح الأصنام الحجرية، فإن هناك أشكالاً أكثر خفاءً من الصنمية لا تزال موجودةً في عصرنا هذا، فلا نزال نقدم القرابين البشرية على مذابح أصنام الشعارات والأيديولوجيات الكاذبة، أو فداءً للقائد البطل الملهم والزعيم الأوحد، ولا يزال يقتل الإنسان وتنتهك كرامته بدعوى مصلحة الوطن أو الحزب أو القومية أو القائد الملهم، وكلها لا تزيد عن كونها أصناماً تعبد من دون الله.
إن القدسية الحقيقية هي للإنسان، فهو سيد الكون وهو بنيان الله في أرضه، وحرية الإنسان هي الأساس، وكل دعوى تقدم أي شعار على حرية الإنسان وكرامته فهي دعوى ساقطة، وهي إحياء للصنمية والشرك الذي جاء دين التوحيد لينسفه.
من روائع ما يلفت إليه القرآن الكريم أنه يقدم كرامة الإنسان على الأوطان، بل إنه يوجب ترك الأوطان إن تعارض البقاء فيها مع كرامة الإنسان، ولا يبرر له القبول بحالة الاستضعاف من أجل البقاء في وطنه "ألم تكن أرضي واسعةً فتهاجروا فيها"، فقدسية الوطن لا تكون إلا حين يعيش أبناؤه فيه أحراراً، أو يكونوا قادرين على الأقل على التعبير عن رفضهم للظلم، وربما يكون في هذا النهج القرآني نسف لثقافة سائدة بيننا تبرر التضحية بكرامة الإنسان في سبيل الأرض والطين.
إن التذرع بالمؤامرة والتحديات الخارجية لتبرير الاستبداد الداخلي ولقتل الأصوات المعارضة هو عمل شائن تمارسه الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، فأي فائدة ترتجى من هذه الأنظمة بعد أن تقتل الإنسان في بلادها، وإذا قتل الإنسان-ليس بالضرورة قتلاً مادياً، ولكن قتلاً روحياً بمصادرة حقه في التعبير عن نفسه- فأي قيمة تبقى للشعارات الوطنية والقومية التي يرددها النظام.
أستحضر أحد الأحاديث النبوية التي تخبرنا عن فتن آخر الزمان حين تحدث مقتلة عظيمة في المسلمين فيعلق النبي صلى الله عليه وسلم عليها ويقول "فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم"، أي ما قيمة ما سيغنمه المسلمون من أموال طائلة بعد أن قتل منهم أكثرهم، وعلى ذلك نقيس ونقول "فبأي ممانعة نفرح، أو أي ميراث نقاسم وقد خسرنا أغلى ما عندنا وهو الإنسان، وما قيمة أن نحرر الجولان أو حتى فلسطين كلها وقد قتلنا الإنسان، وماذا نفعل بالتراب والطين من دون الإنسان؟
السبيل الأمثل للتصدي للمؤامرات الخارجية وإفشالها لا يكون بتكميم الأفواه ومصادرة الحريات وقتل كرامة الإنسان، بل بتمتين الجبهة الداخلية وإطلاق الحريات وإقامة أنظمة ديمقراطية تعبر عن تطلعات شعوبها، لأن الحكومات حين تكون منتخبةً ديمقراطياً فإنها تكون أكثر انسجاماً مع شعوبها، وتكون صاحبة شرعية راسخة لا تهزها كل المؤامرات الخارجية، فالشرعية المستمدة من الداخل لا يملك أي طرف خارجي أن ينتزعها، ولكن حين تكون شرعية النظام مستمدةً من القوة والإكراه وقمع الناس فإنها تكون في مهب الريح، ولن تصمد أمام عواصف التغيير حين تهب عليها لأن مثلها كمثل شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
لا أتحدث في هذه السطور بمنطق السياسي، بل بمنطق الحق والمبادئ الذي لا يقيم اعتباراً لأي حسابات سياسية ومصالحية حين يتعلق الأمر بانتهاك قضايا الحق والعدل في أي مكان، فمنطق الحق لا يعترف بالحدود الجغرافية والفوارق الوطنية، وقضية أي مظلوم في أي مكان من العالم ينبغي أن تكون قضية الجميع، وحيثما كان الحق والعدل نكون..
إن الدرس المستفاد من العواصف التي تجتاح بعض البلاد العربية هو أن ما بني على باطل فهو باطل وأن الله لا يصلح عمل المفسدين، وأن كل محاولات التزويق والترقيع لا تنجح في قلب الحقائق، وإذا لم يكن البناء قائماً على أسس متينة وقوية فإنه على جرف هار سينهار به يوماً ما.
إن الأساس القوي الذي يحمي الدول والمجتمعات هو العدل الداخلي، واحترام كرامة الإنسان وحريته، وإن أي تشدق بالصمود والممانعة ما لم يسانده رصيد داخلي من احترام كرامة الإنسان فهو ادعاء زائف، لأن المبادئ لا تتجزأ ومن ينتهك حقوق الإنسان من بني جلدته، لا يراهن عليه بأن ينصر قضايا الحق والعدالة خارج بلده، وإن فعل ذلك فإنه سيفعله انطلاقاً من حسابات مصلحية ضيقة وليس كموقف مبدئي أخلاقي، وسيكون مستعداً في أي لحظة للتخلي عن مناصرة تلك القضايا من غير تردد إذا تبين له أن مصلحته في التخلي عنها.
إننا نعيش أياماً مباركةً تهاوت فيها كثير من دعاوى الباطل، وتكشفت الحقائق، وافتضح الزيف، فلم يبق مجال بعد اليوم للدعاوى الكاذبة، والشعارات البراقة الخادعة، ولن يصح إلا الصحيح ، ولا يحق إلا الحق، وإن الممانعة الحقيقية التي تخيف إسرائيل والداعمين لها هي الممانعة النابعة من الشعوب وتطلعاتها لأن الشعوب أكثر استعصاءً على التطويع وأكثر صدقاً وجديةً في مواقفها المعلنة، ومن يريد أن يواجه إسرائيل ويتغلب عليها فإن أفضل ما يمكن أن يفعله في سبيل ذلك هو الإصلاح الداخلي وإعادة الاعتبار لكرامة شعبه المهدورة..
ختاماً وتتمةً للفائدة فإنني أحيلكم لمطالعة ما كتبه الباحث الفلسطيني صالح النعامي حول خرافة ممانعة الأنظمة الاستبدادية في مقالته القيمة التي حملت عنوان "الاستبداد في مواجهة الاستبداد":
"والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون"..

الجمعة، 1 أبريل 2011

الإعلام الشعبي..خطوة في طريق التقدم الإنساني
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
لم يعد شرطاً أن يمتلك الإنسان ميزانيةً بضخامة ميزانية دولة قطر ليكون قادراً على التأثير في الرأي العام، أو أن يكون صاحب ثقل سياسي، فقط ما يحتاجه اليوم هو أن يكون صاحب فكرة وأن يثابر في العمل من أجل فكرته حتى تنتشر وتملأ الآفاق.
لقد مثل ظهور الإعلام الشعبي أو الإعلام الجديد خطوةً مهمةً في مسار التقدم الإنساني إذ كسر احتكار فئة قليلة من أصحاب المال والنفوذ السياسي لعملية توجيه تفكير الناس، ووزع حق إسماع الصوت على الناس جميعاً بشكل متساو، فلم يعد الإعلام الرسمي هو النافذة الوحيدة التي لا يمكننا رؤية العالم إلا من خلالها، يوجهنا كيفما يشاء.
لا أقصد بالإعلام الرسمي فقط ذلك النوع من الإعلام الحكومي الخشبي الذي كل الدهر عليه وشرب، والقائم على أخبار استقبل سيادته وودع فخامته وأشاد سموه، فهذا نوع من الإعلام الساذج تجاوزته الجماهير منذ زمن، ولكن أقصد بوصف الإعلام الرسمي أي نوع من وسائل الإعلام الممولة من أي جهة كانت، فهذا الوصف يشمل أي فضائية وأي صحيفة وأي إذاعة، مهما كانت دعاوى استقلاليتها ومهنيتها. صحيح أنهم ليسوا سواءً وليس من العدل أن نضع الجميع في سلة واحدة، فهناك فضائيات فيها هوامش للرأي أوسع من غيرها بما لا يجوز مقارنتها معها، ولكن ما يجمع بين كل الفضائيات أنها ممولة من جهة ما، ومن يمتلك المال يمتلك القرار، فمهما كانت مساحة الحرية الممنوحة لأي وسيلة إعلام فإن هناك سقفاً لا يمكنها أن تتجاوزه، ولا يمكن أن يأتي يوم تنتقد فيه وسيلة إعلامية الجهة الممولة لها.
وإذا كانت خرافة حياد الإعلام الممول ظهرت في اختلاف تعامل قناة الجزيرة مع الثورة في كل من مصر وسوريا، فإنها ستسقط سقوطاً مدوياً فيما لو حدث أن شهدت قطر يوماً ما تظاهرات ضد نظامها ، حينها لن يظل هناك متسع لأي شعار حول المهنية والرأي الآخر والله أعلم.
بالطبع لا نقلل من حجم الإضافة النوعية التي قدمتها قناة الجزيرة للإعلام العربي، ولا من حجم هوامش الحرية التي أفادتنا كثيراً، ولا يسعنا إلا أن نشكرها على ذلك، وربما يكون من حقها أن تستفيد من هذا الذكاء الإعلامي في تحقيق أهداف سياسية ولا نلومها. ولكن في ذات الوقت فإن العشق الكامن في نفوس البشر للحرية والانطلاق يأبى أن يظل مرتهناً لسقوف محددة ترسمها له أي جهة كانت، وأن تملي عليه هذه الجهة اتجاه تفكيره، وترتيب أولوياته.
من هنا تأتي أهمية الإعلام الشعبي الذي يديره الناس أنفسهم دون ترسيم أو تحديد أو تزويق، ويعبرون فيه عن كل ما يخطر ببالهم من أفكار بطريقة عفوية تلقائية متحررة من مقص الرقيب، هذا اللون الجديد من الإعلام أتاحه ظهور الانترنت خاصةً مواقعه التفاعلية مثل المنتديات والمدونات واليوتيوب والفيس بوك وغيرها، فلم يعد المواطن في موضع المتلقي السلبي، بل تحول إلى موقع المبادرة والإيجابية، والفعل.
لم يعد دور المواطن مقتصراً على تناول وجبة جاهزة من المادة الإعلامية تطبخها له هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، بل صار ناقداً ومشاركاً، يحلل ويوازن، ويشارك بالأفكار والأخبار، وبذلك أسقط الإعلام الشعبي أسلوب التلقين الماسخ لشخصية الإنسان وكرامته، وصار الإنسان متفاعلاً ومبادراً.
هذه التفاعلية التي ميزت الإعلام الشعبي فتحت الطريق أمام الفاعلية، فالناس في الإعلام الشعبي لا يقتصر هدف مشاركتهم على التسلية والمطالعة السلبية للأخبار والبرامج كما هو الحال في متابعتهم للفضائيات والصحف، لكن محور الإعلام الشعبي هو العمل، فالناس لا يختارون من المواضيع إلا ما كان وثيق الصلة بحياتهم الاجتماعية والسياسية والدينية، وما يحدد حجم تفاعلهم مع القضايا المطروحة هو مدى ارتباط هذه القضية بواقعهم المعاش، وحين يطالع الإنسان خبراً يهمه في الإعلام التفاعلي، فإنه لا يتصرف كما يتصرف في الإعلام الممول فيقلب صفحة الجريدة، أو يغير على المحطة، أو يذهب لينام، بل إنه يسارع لإبداء رأيه ولاقتراح الأفكار العملية، ويساهم في عملية التحشيد وراء هذه الأفكار حتى تتحول إلى قوة شعبية ضاغطة قادرة على صناعة التغيير.
إن الميزة الأهم للإعلام الشعبي هي أنه حرر الأفكار من احتكار أصحاب القوة والنفوذ، فبمقدار ما تمتلك من أفكار إبداعية بمقدار ما يكون لك تأثير، وهذا يعني أننا نتوجه نحو عالم أكثر عدالةً، يكون فيه تكافؤ فرص حقيقية ليعبر كل إنسان عن رأيه دون وصاية من أحد عليه، فليس من الحق أو العدل أن يسمع الآخر صوته للعالم، ويظل صوتي حبيس صدري، لا لشيء إلا لأنه تصادف أنه يملك مالاً ونفوذاً أكثر مني، فهذه ليست مقاييس تفاضل حقيقية بين البشر، وما يفاضل بين البشر حقيقةً هو ما يملكونه من أفكار.فإذا تكافأت فرص الجميع في نشر أفكارهم، بما في ذلك أصحاب الأفكار الفاسدة والمنحرفة فستكون العاقبة حتماً لأفكار الخير والحق والعدل التي تنفع الناس وترتقي بحضارتهم وفق القانون القرآني "فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".
إن البشر بما في داخلهم من أشواق روحية إلهية يستعصون على كل ترسيم وتقييد وخنق لحقهم المقدس في التفكير بحرية والتعبير عن أفكارهم، وإن الإعلام الشعبي قد بدأ بسحب البساط من تحت أقدام الإعلام الموجه المرسم، ونحن على يقين بأن المستقبل سيشهد المزيد في هذا الاتجاه، وحتى الإعلام الشعبي ذاته سيتطور، وإذا كان موقع الفيس بوك بكل ما أتاحه من مساحات واسعة للحرية قد وضع سقفاً لا يسمح بتجاوزه خاصةً حين يتعلق الأمر بإسرائيل، فإن الناس سيتجاوزونه بدوره، وسيبدعون من الوسائل ما هو أكثر حريةً وأرحب فضاءً ما لم يراجع نفسه، وما سينقذ وسائل الإعلام الحالية من الاندثار هي أن تسارع إلى إدراك هذه التطورات فتعزز الإعلام التفاعلي في داخلها وتصبح أكثر مرونةً واستجابةً لأشواق الجماهير المخبوءة في الصدور حتى قبل أن تخرج هذه الأشواق إلى العلن لأن خروجها سيكون مباغتاً ومدمراً، وسيطيح بكل الحدود والسدود.
إن تاريخ البشرية يسير في اتجاه تقدمي لتحقيق غاية إلهية عظيمة، وهي تجلية النفخة الروحية التي كرم الله بها الإنسان، وانتصارها على ملابسات الطين والغرائز، وهذا هو وعد الله للملائكة "إني أعلم ما لا تعلمون"، فكل الإنجازات التي ينجزها البشر تصب في صالح إظهار ما هو روحي في الإنسان، وتحييد ما هو أرضي، وبهذا المنطق فإن المال والنفوذ التي يتفاوت فيها البشر ويتفاضلون هي أمور أرضية لا تمثل تفاضلاً حقيقياً، بينما الفكر هو أمر إلهي في الإنسان، لذلك فإن الغلبة للفكر دائماً، وفلسفة الإعلام الشعبي أنه يمثل تقدماً وانتصاراً لما هو إلهي، وهو الفكر، فهو الذي يجعل من الإنسان إنساناً، وهو الذي يقوده إلى طريق الحق والعدل..
"ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون".

الثلاثاء، 29 مارس 2011

عقدة النقص عند بعض العرب

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يعاني بعض العرب بحكم طول أمد الهزيمة الحضارية التي عايشوها مما يمكن تسميته بعقدة الأجنبي..

هذه العقدة تتجلى بالانبهار بكل ما له صلة بالغرب، وذلك للاعتقاد بتفوقه، في أسلوب طفولي لتقليد الكبار في كل شيء حتى في الأمور التي لا علاقة لكونهم كباراً بها..

هذا التقليد الأعمى يكشف عن انعدام الثقة بالنفس.

نرى هذه النفسية تتجلى في الاستعمال غير المبرر لكلمات أجنبية وإقحامها في سياق الحديث دون وجود حاجة إليها في توضيح المعني ليظهر المتحدث نفسه بأنه متحضر وعصري ومتحرر من ثقافة التخلف العربية حسب ظنه.

كما نراها في شيوع إطلاق أسماء أجنبية على الفنادق والصالونات والشوارع وغيرها، مع أن اللغة العربية ثرية وتستوعب لهذه التسميات.

نرى هذه النفسية الانهزامية في محاكاة الأجانب حتى في طريقة اللبس، والأكل والاحتفالات، وغيرها، فتجد أحدهم يأكل بشماله ويتناول طعامه بالشوكة والسكين ليظهر نفسه بمظهر حضاري وكأنه بهذه الطريقة -ما شاء الله عليه- سيتدفق عقله بحكمة الغرب وحضارته.

هذا التقليد يمكن فهمه مقاربةً بنظرية بافلوف في الارتباط الشرطي اللاواعي، فكما أن الكلب في هذه النظرية بمجرد سماعه دق الجرس يسيل لعابه لأن هذا الصوت ارتبط في ذهنه بإحضار الطعام فيصير دق الجرس في حد ذاته مثيراً للعاب حتى دون إحضار الطعام، كذلك صاحبنا المنبهر يصير مجرد محاكاة الأجنبي في لباسه وطريقه طعامه وشرابه وكلامه مظهراً حضارياً حتى وإن كان فارغ المحتوى غير جاد في البحث العلمي والقراءة غير ملتزم بمواعيده، لا يفكر ولا يبدع، وهي الأمور التي تصنع الحضارة بحق.

للتنويه فالتشبيه بالكلب ليس بقصد الشتيمة ولكن من باب الأمانة العلمية ونقل النظرية كما هي..

المقلد يبحث عن التقدم والحضارة، وهو يظن أن الغربي يمتلك هذه الحضارة، وحتى الآن لا توجد مشكلة، ولكن المشكلة هي في تحول هذا التقليد إلى تقليد أعمى لا يفرق بين العوامل الحقيقية لتقدم الأجانب فيستفيد منها ويتمثلها في حياته، وبين الأمور التي تخضع لاختلاف البيئة الثقافية.

لا أقول إنني لست ضد أن نستفيد من الغرب في جوانبه الإيجابية التي أدت إلى صناعة حضارته، فالقضية ليست مجرد جواز بل هي فريضة، وهذه القيم الحضارية وإن كان للغرب فضل السبق فهي قيم إنسانية يجب على كل من يبحث عن التقدم الإنساني أن يستوعبها وينطلق منها، لكنني أنهى عن مرض فقدان الثقة بالنفس، لأن من يفقد ثقته بنفسه ويعيش بنفسية المنهزم ويعاني من عقدة النقص غير مؤهل للتفكير الحر والإبداع والمساهمة النوعية في خدمة البشرية.

هناك علاقة بين العلم وبين الثقة بالنفس فكلما كان الإنسان أكثر رسوخاً في العلم كلما كان أكثر قدرةً على التمييز بين المظاهر والجواهر، وكلما صار أكثر دقةً في معرفة ماذا يأخذ وماذا يترك، وكان أبعد عن التعميم والقوالب الجاهزة، فلا يقيس الأمور بمنطق الثنائيات، بل يمتلك رؤية نقديةً في جميع المراحل فيستفيد من السمين ويترك الغث.

هذه الهزيمة النفسية التي نتحدث عنها لا تقتصر على بعض السلوكيات من قبل بعض الشباب المراهق، بل تنال حياتنا الثقافية والفكرية كذلك، فإذا أراد أحدهم أن يؤكد لك حقيقةً قال لك: (اكتشف باحث غربي-أو ياباني أو ألماني أو أمريكي) فإذا سمع المتلقي هذه اللازمة ألقى سمعه بعناية، ومما يزيد الأمر أسفاً أن تظهر عقدة النقص هذه حتى عند من يريدون أن يدعوا إلى دين الإسلام، فهو في سبيل إثبات عظمة هذا الدين يستشهد لك بأقوال شاعر غربي أو فيلسوف أو كاتب وربما أقل من ذلك، فقط يكفي أن يكون اسمه روبرت أو فيليب أو فريدريك، وإذا أراد أن يثبت إعجاز القرآن قال: لقد قال باحثون غربيون كذا وكذا وقد سبقهم القرآن بألف وأربعمائة عام، وهو لا يدري أنه بهذه الطريقة يثبت عجز المسلمين قبل أن يثبت إعجاز الإسلام.وقد كان الأولى أن يكون هناك باحثون عرب نستشهد بأقوالهم فهذا يعني أننا بتنا عاجزين حتى عن رؤية عظمة ديننا إلا بمنظور غربي، وأننا نتلمس منهم أن يشهدوا لنا بصواب موقفنا، وأنى لمن يعيش بهذه النفسية المنهزمة المترددة أن يقود البشرية وأن يقدم لها مشروعاً حضارياً.

ويا ليت هذا الشعور بالنقص قد اقتصر على علاقتنا بالغرب، لكن المصاب الأكبر أنه امتد حتى إلى نظرتنا إلى الإسرائيليين الذين يحتلون أرضنا ويمارسون ضدنا أبشع صور التطهير العنصري، وهي علاقة غريبة بين الضحية والجزار، تمزج بين الكراهية الشديدة للاحتلال وفي نفس الوقت الاعتقاد الخفي بتفوقه وأفضليته. فتجد من بيننا من إذا أخبرته بخبر سألك عن مصدره فإن قلت له صحيفة هآرتس أو معاريف أو يديعوت أنغض إليك رأسه وسلم بصحته، وكأن هذه الصحف هي منتهى المهنية والمصداقية مع أنها وسائل خطيرة يستعملها الاحتلال لبث سمومه ودعاياته، صحيح أنها في بعض جوانبها مهنية إلا أنها في جوانب أخرى أمنية ينبغي التعامل معها بحذر شديد.

والغريب أن الأخبار التي يستقيها البعض من المصادر الإسرائيلية لإثبات صحتها تكون أحياناً أخباراً محليةً بحتة أي أننا نحن أقرب إليها من هذه المصادر الإسرائيلية، فلا حاجة للذهاب بعيداً من أجل إثباتها، وقد بلغ بأحدهم ذات مرة أن يستدل على عدد الشهداء الفلسطينيين في إحدى الاجتياحات برواية إذاعة الجيش الإسرائيلي مع أن المستشفى بجواره ويستطيع أن يحصل منها على المعلومة، ولكن ماذا نفعل والبعض يعاني من عقدة الخواجة، فكل ما يقوله الأجنبي-حتى لو كان احتلالاً-فهو مقدس.

وأحياناً يكون مجرد تحليل لكاتب إسرائيلي هو بشر مثلنا يأكل مما نأكل منه ويشرب مما نشرب، مبني على تقديره الشخصي، وكثيراً ما يخطئ هذا التقدير، ومع ذلك يسارع البعض إلى تلقفه والترويج له على أنه الرواية الرسمية لدولة إسرائيل وأنه من لدن عليم خبير، أستغفر الله العظيم.

أكتب هذه الخواطر التي تدفقت إلى عقلي دون سابق إنذار ونحن نعايش لحظات تاريخية يبدأ فيها مسار تحول الشعوب العربية من الهبوط إلى الصعود، ولا نريد أن نكون في هذه المرحلة عوامل تثبيط وإحباط، فنرسم صورةً قاتمةً لحالة عربية قد بدأت طريق الازدهار، ولكنني أنبه إلى أن هذه اللحظة الراهنة هي اللحظة المناسبة للتحرر من عقد النقص والعجز واستعادة الشعور بالثقة، وأن التحرر من عقدة الأجنبي هو شرط لا يمكن تجاهله من أجل استعادة الأمة لدورها الحضاري الرائد.

والله هو الهادي إلى سواء السبيل..

الجمعة، 7 يناير 2011

لماذا لا نقرأ؟

(إننا لن نغير شيئاً بالانفعالات والعواطف والغرق في تفاصيل الأحداث، وإن من لا يوطن نفسه على القراءة الجادة خمس ساعات في اليوم على الأقل فلن يستطيع أن يقدم لأمته ومجتمعه إضافةً نوعيةً مهما بلغت حماسته وانفعالاته..)


لماذا لا نقرأ؟

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

حين أفرغ من كتابة مقالة أجلي فيها فكرةً وأضيف فيها معنىً يراودني شعور بالرضا أن ساهمت بإضاءة شمعة، لكن هذا الشعور سرعان ما يتبدد حين أتذكر أنني أكتب في وسط لا يقرأ فيه إلا من رحم الله، فأتساءل: ما قيمة أن أكتب مئات المقالات وأن أحشد كل الأدلة والبراهين لتوضيح فكرة بينما الناس لا يقرءون، وما فائدة محطة الإرسال دون جهاز استقبال، وماذا ينفع أن نوجد في عصر الطوفان المعرفي وبين أيدينا شبكة عنكبوتية جبارة من ملايين الكتب والمواقع، بينما لم نصنع الإنسان القارئ، وإذا كانت عيناك مظلمتين فماذا ينفعك ضياء الكون؟..

إن إيجاد الإنسان القارئ مقدمة لا بد منها حتى لا تكون كتاباتنا نقشاً على الماء أو صرخةً في واد..

القراءة هي التي تعطي للإنسان معنى، ومثل الذي يقرأ والذي لا يقرأ كمثل الحي والميت..والقراءة ليست مجرد هواية كما يسميها البعض، بل هي فريضة واجبة وضرورة تمليها طبيعة العصر، فنحن في عصر العلم والمعرفة، والقراءة هي معراج الصعود وسبيل صناعة الحضارة..

القراءة هي التي توسع آفاق الإنسان، وتبصره بأسرار الحياة، وتضاعف خبرته فيكسب إلى حياته حيوات مضاعفةً، وحين سئل عباس العقاد عن سر ولعه بالقراءة قال:إن حياةً واحدةً لا تكفيني..وهو يعني بهذا أنه حين يقرأ كتاباً فإنه يهضم خلاصة تجربة حياة كاتبه في عشرات السنين، فيقطفها القارئ في ساعات قليلة، فكأنما أضاف إلى عمره عمراً جديداً..

القراءة هي سبيل المعرفة. والمعرفة هي التي تمكن الإنسان من تسخير الطبيعة، ومن إمساك مقاليد الأمور، وتمنحه شعوراً بالأمان والسيطرة..فلو جاءت معلومة إلى إحدى الدول بأن سفينةً معاديةً تقترب من شواطئها دون تحديد طبيعة السفينة وتوقيت مجيئها وخط سيرها ونوع الأسلحة التي تحملها، فإن الدولة ستضطر إلى استنفار آلاف العناصر من قواتها البحرية على طول شواطئها وتزويدهم بالأسلحة المختلفة للتصدي لهذه السفينة المجهولة، ومراقبة كل السفن القادمة وتفتيشها، والانتظار لأوقات طويلة قبل أن تصل السفينة..كل هذه التكلفة الباهظة نتيجة غياب المعلومة الدقيقة..لكن ماذا لو كانت هناك معلومات محددة تمتلكها الدولة حول طبيعة السفينة وعدد العناصر الذين على متنها ونوع الأسلحة التي يمتلكونها، ومكان وزمان رسوها، فإنها ستختصر هذه التكلفة إلى أدنى حد ممكن، وستكتفي بإرسال عناصر قليلة بأسلحة محددة للتعامل معها..

أرأيتم كم هو الفرق الذي تصنعه المعرفة كبيراً "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"..

القراءة هي التي توسع أفق الإنسان وتعطيه الرؤية الشاملة المحيطة فتتغير نظرته للحياة، فلا يستغرقه نكد اللحظة ولا تحبطه مآسيها ونكباتها، وإن عظمت، لأنه يراها في سياق أوسع فهو قد غاص إلى بواطن الأمور واطلع على سير الأولين فعلم أن هذه الحياة تسير في خط معلوم، وأن ما يبدو شراً هو خير بالنظر إلى صيرورته وعاقبته..

إن القراءة كانت دائماً شرطاً للارتقاء وهي أكثر إلحاحاً في هذا العصر الذي باتت فيه المعلومة أكثر فاعليةً من الأسلحة المدججة.وإذا أردنا أن تكون لنا مكانتنا اللائقة بين الأمم، فإن ذلك لن يتأتى إلا بإيجاد جيل قارئ.

القراءة ليست ترفاً يمارسه الفارغون، بل هي رسالة حياة وهي جهاد في سبيل الله، يؤجر المرء عليها حين يستحضر النية بأنه يريد أن يقرأ لينفع الناس ويقدم حلولاً إبداعيةً تخرجهم من الظلمات إلى النور

بل إن القراءة بهذه النية هي الجهاد الأكبر، وهي واجب الساعة، لأن كل عمل لا يبنى على علم ومعرفة فهو عمل مهتز لا يملك أساساً متيناً يمكنه من الصمود في مواجهة الرياح العاتية..

وحتى تكون القراءة مثمرةً ينبغي أن تكون قراءةً شاملةً متنوعةً، فلا يقرأ الإنسان من أجل الشهادة الجامعية أو الوظيفة، ولكن يقرأ لأنه صاحب رسالة، فيقطف من كل بستان زهرة وينهل من حكم الأولين والآخرين، والشرقيين والغربيين، والإسلاميين والقوميين، يطالع في الفكر والتاريخ، والسياسة والإدارة، والتراث والحداثة، والآداب والعلوم، لا يقتصر في قراءته على لون فكري واحد حتى لا ينتهي إلى الجمود وضيق الأفق، ولكن ينوع مصادره فتتوسع آفاقه ويبصر الحياة من زوايا جديدة، فيكون الإبداع والانفتاح الفكري، ويتحرر من التعصب والانغلاق..

والقراءة للآخر لا يشترط فيها أن نتفق مع كل أفكاره..لأن قيمتها هي أنها تنبهنا بأن هناك زوايا نظر جديدة، وأننا لسنا وحدنا في هذا العالم، وأن المسألة تحتمل أفهاماً أخرى، فلنوطن أنفسنا على القراءة للآخرين حتى ننقذ أنفسنا من الجمود والانغلاق على الذات..

إن للكتاب ميزات لا تشاركه فيها أية وسيلة أخرى، وعبثاً يظن فريق من الناس أنه يستطيع أن يبني نفسه معرفياً من خلال التلفاز فيهمل الكتاب..لأن التلفاز كما يقول علي عزت بيغوبيتش رحمه الله يعزز الثقافة الاستهلاكية فيتلقى المشاهد وجبته اليومية من المحتوى التلفزيوني تلقياً سلبياً دون أن يكون أمامه وقت للتفكير، والمناقشة..

ويستفيض الكاتب صهيب الشريف في شرح خطورة تقديم التلفاز على الكتاب كوسيلة معرفية فيقول:

(إن سرعة انتقال الصورة-في التلفاز- التي تحتوي ملايين النقاط الضوئية pixel والموجه على الشاشة لا تترك فرصة للمتلقي كي يدرك كنهها , لأن حجم ما تحمله من المعلومات أكبر بكثير من قدرة الدماغ على استيعابها بوقت قصير.

كما أن الرسائل الإعلانية التي لا تكاد تحتوي على معلومة مفيدة, تكرر وبسرعة خاطفة صور متتالية ,كأنها ضرب على رأس المشاهد ,ولا يبقى إلا اسم السلعة المعلن عنها, وهنا يتحول المشاهد إلى زبون يتلهف لتلقف السلعة, وليس لديه الوقت للتبصر بمدى حاجته إليها.

هذه الميديا البصرية تعمل على الاستئثار باهتمامنا,ولكن لا تتيح لنا الفرصة للتأمل والتفكير.)

لهذا السبب الذي أبدع الأستاذ صهيب الشريف في شرحه يتبين أنه لا بديل عن الكتاب مصدراً للمعرفة يدربنا على التفكير التفاعلي والإيجابية..

وكما أن التلفاز لا يعد بديلاً عن الكتاب، فإن الانترنت ليس بديلاً كاملاً كذلك، لأنه يعطي عناوين أكثر من إعطائه معرفةً عميقةً، ومستخدم الانترنت بطبيعته يميل إلى سرعة الملل والتنقل بين المواقع فيحرم نفسه من ميزة التركيز والعمق التي يمنحها الكتاب..

ولأننا في عصر الانفجار المعرفي ولأن أعمارنا قصيرة فإننا لا ندعو إلى القراءة العشوائية ولكن لا بد من ترتيب الأولويات فنقرأ الأهم قبل المهم، ونميز في التعامل مع الكتب، فهناك منها ما يكفي أن تطالع عنوانه وفهرسه ومقدمته، وهناك ما يكفي فيه القراءة السريعة، وهناك من الكتب العميقة التي تعب عليها أصحابها والتي تعد خلاصة تجارب حياتهم فهذه ينبغي التوقف عند كل جملة فيها لأنها تمثل إضافةً نوعيةً وليست مجرد حشو وتكرار..

ليس من المقبول في عصر الثورة المعلوماتية أن نسمع من يقول: إنني لم أتعود على القراءة، فالنفوس قابلة للتحول نحو عادات جديدة، وإنما العلم بالتعلم، فلنجاهد أنفسنا ولنلزمها بالإقبال على القراءة، وإن لم نشعر برغبة تجاه القراءة، فلنتعامل معها كما نتعامل مع الدواء المر الذي لا نكاد نسيغه ولكننا لا نستغني عنه طلباً للشفاء والعافية، وكما أن الدواء يشفي الأبدان فإن القراءة تشفي الأرواح، ويستطيع المرء إذا عزم النية ليصبح قارئاً أن يبدأ بالقصص والروايات، وأن يخصص للقراءة وقتاً معلوماً، على أن يتدرج حتى تكون قرة عينه ولذة روحه في القراءة فلا يستطيع أن يستغني عنها لأنها غدت جزءً من كينونته..

إننا لن نغير شيئاً بالعواطف والانفعالات واللهاث خلف الأحداث، وإن من لا يجاهد نفسه ليجلس أمام الكتاب خمس ساعات في اليوم على الأقل فلن ينجح في إضافة خدمة نوعية لأمته، ولن يكون أكثر من تكرار لنسخ تقليدية مهما كانت حماسته وانفعاله..

إن مما يؤسف له أن تكون أمة "اقرأ" أقل الأمم قراءةً ..بينما في الأمم الأخرى يستثمرون كل لحظة في سبيل المعرفة حتى في أوقات الأزمات كما رأينا في المطارات الأوروبية في بركان آيسلندا.فلم يقض المسافرون أوقات الانتظار في الثرثرة وقزقزة اللب، ولكن رأينا الواحد منهم يمسك كتاباً ويتصفحه حتى لا تضيع ساعة من أوقاتهم دون فائدة..

أليس من العبث أن نتساءل بعد ذلك عن سر نهضتهم وتفوقهم علينا..

والله أعلى وأعلم..


لماذا نكتب؟

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

أن يملك الإنسان القدرة على الكتابة فهذه نعمة يمن الله بها عليه "خلق الإنسان علمه البيان"، والقدرة على البيان تمكن الإنسان من التواصل والامتداد، والتعالي على محدوديته، , والتعبير ليس فقط عما يجيش في صدره بل عما يجيش في صدور الناس ولكنهم يعجزون عن التعبير عنه فيشفي صدورهم بتبيانه. مما يشرح صدره ويشعره أن أثقالاً جاثمةً قد انزاحت عن كاهله، لأن احتباس المعاني دون القدرة على التعبير عنها يشعر النفس بالاختناق، ولعل هذا ما دفع موسى عليه السلام إلى القول: "ويضيق صدري ولا ينطلق لساني".فثمة علاقة سببية بين عدم انطلاق اللسان وضيق الصدر..

وحتى يشكر الكاتب نعمة الله التي أنعمها عليه فلا بد أن يسخر قلمه في الدعوة إلى الخير والتحذير من الشر، وفي البناء لا الهدم، وذلك حتى يكون له دور إيجابي مميز في هذه الحياة..

فالكاتب أولاً ينبغي أن يكون موضوعياً قدر استطاعته متجرداً من الأهواء الحزبية والطائفية والسياسية، وهذه الموضوعية هي بلغة الدين الصدق والعدل فلا يلبس منظاراً قاتماً من التعصب والحزبية والمواقف المسبقة لا يرى الأحداث والعالم إلا من خلالها، ولكن يكون قائماً بالقسط "كونوا قوامين لله شهداء بالقسط"، يكتب ما يراه حقاً ولا يصمت عما يراه باطلاً وإن على نفسه أو حزبه"ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه".ليس شرط ذلك أن يتخلى عن انتماءاته السياسية والفكرية فهذا أقرب للمستحيل، ولكن ألا يمنعه انتماؤه من وزن الأمور بعقلانية وموضوعية فلا يدافع دفاعاً أعمى لأنه إن فعل ذلك فسينال غضب الله أولاً وسيفقد مصداقيته عند الناس ثانياً، والقراء ليسوا على قدر من السذاجة والسطحية ليصدقوا كل دعوى وإن كانت مخالفةً للمنطق، والإنسان يستطيع أن يوظف قلمه لإقناع الناس ليس بالانفعال وإعلاء الصوت وشيطنة الخصوم ولكن بالطرح العقلاني الهادئ الذي يقدم الحجج والبراهين ويرد على المخالفين بأخلاقية عالية دون أن يفجر في الخصومة..

والكاتب ذو الدور الفاعل ليس هو من يتبع طريقة التمجيد والتبرير، فيصفق لحزبه ويكيل له عبارات الثناء والمديح ويجعل في شخص قائده شجاعة خالد، وكرم حاتم، ودهاء عمرو، وذكاء إياس، فإن أخطأ حزبه أو قائده، اجتهد في إيجاد الأعذار لهم، ولوى عنق الأحداث، ونقب في كل قواعد المنطق والتاريخ والدين لتبرير خطئهم، وهذا الأسلوب المنتشر في عالمنا العربي لا يساهم إلا في مزيد من التراجع، ويفقد الكاتب أهليته لأن دوره يتحول من إصلاح الواقع إلى تزويقه، ومن نصح الجماهير إلى تخديرها، وحتى لو كانت عبارات الثناء والمديح مستحقةً فهي تكرار للواقع، ووظيفة الكاتب ليس تكرار الموجود، بل النقد البناء وإكمال النقص والتوجيه نحو موطن العمل..

وفي المقابل تجد فريقاً من الكتاب تفيض مقالاتهم بالتشاؤم ولعن الواقع والشكوى والتذمر والقول بأن الناس قد هلكوا، دون أن يوجهوا نحو خطوات عملية للتغيير، وهم بذلك لا يقدمون للقارئ جديداً، فحتى العجائز يحسنّ أسلوب الشكاية والتذمر، ومهمة الكاتب هي أن يوقد شمعةً لا أن يلعن الظلام ألف مرة فيناقش المشكلات نقاشاً موضوعياً علمياً، وينفذ إلى الأسباب العميقة ويقدم الحلول الإبداعية.

والكاتب ينبغي ألا يكتب لمجرد الكتابة، ولا تكون كتاباته حشواً تضيع وقت القارئ دون أن تضيف له جديداً، ولا تكون كتاباته لتسجيل حضور في الأحداث وحسب، ولكن ينبغي أن يكتب لهدف، فيسأل نفسه قبل الشروع بكتابة أية مقالة:هل سأضيف للقارئ فكرةً جديدةً، أو أرسخ مفهوماً قائماً، أم ستكون فكرةً مكررةً مستهلكةً تقليديةً؟ فإن كان نعم فليتقدم وإن كان لا فليتأخر..فنحن في عصر الطوفان المعرفي والإنسان حائر ماذا يقرأ وماذا يترك فلا ينقصنا الكم، ولكن تنقصنا الإضافة النوعية..

وحتى يكون الكاتب قادراً على تقديم الإضافة النوعية فلا بد أن يكون قارئاً جيداً، فالأفكار لا تأتي من فراغ، ولكنها إفراز للحصيلة المعرفية، وكلما كان الكاتب مشبعاً بالوعي والمعرفة كلما قدم مادةًً أكثر فائدةً وعمقاً، وكان أبعد عن السطحية والتكرار، وفي هذا الصدد أفادتني نصيحة قيمة للمفكر خالص جلبي وهي إذا أردت أن تكون الكاتب الأول فكن القارئ الأول..

ومن أمارات صدق الكاتب أنه لا يعاني من مرض تضخم الذات فلا يهمه تحقيق شهرة وبناء مجد شخصي بقدر ما يهمه تبيان حقيقة وتصحيح مفهوم، فإذا رأى فكرةً مفيدةً لكاتب آخر حسنها وقواها ونسبها إلى صاحبها دون أن يجد حرجاً في نفسه وقد كان الإمام الشافعي رحمه الله يود لو أن الناس تعلموا علمه دون أن ينسبوه إليه، فهو لا يهمه إثبات الفكرة لنفسه بقدر ما يهمه إيمان الناس بالفكرة، ولا يجد مشكلةً أن يكثر في مقاله من الاقتباسات وتذكير القراء بصاحب الفكرة الحقيقي.ومما يؤسف له ما تجده من أمراض بعض الكتاب التي تتضح في الحوارات التي تجري بينهم فيقول الأول لقد كتبت مقالاً حول كذا وكذا فيرد الثاني وأنا كتبت مقالةً حول كذا وكذا، فيرجع الأول ليقول وأنا كتبت مقالةً في موضوع ثالث. فبدل أن يتناقشوا ليبلوروا فكرةً جديدةً يصبح هم أحدهم أن يسوق نفسه ويضخم ذاته، وبذلك يغرد كل كاتب في سرب خاص به دون أن تتضافر الجهود وتصدق النيات للخروج بعمل فكري متكامل ينفع الناس.

وبعد ذلك فالكاتب لا ينبغي أن يكون منفعلاً تفقده الأحداث صواب الرؤية فيكتب مندفعاً تحت تأثير اللحظة دون أن ينظر إلى الأفق، فالكاتب المنشود هو الفاعل وليس المنفعل..إننا بحاجة إلى الكاتب الذي يتجاوز تفاصيل الأحداث الصغيرة ليقدم رؤيةً متكاملةً بعيدة المدى، فلا يبقى في دائرة ردود الفعل تستنزفه التفاصيل وتشتته الأحداث، ولكن ينظر إلى الواقع بموضوعية وهدوء ويتجاوز أعراض المشكلة، وتعدد مظاهرها إلى أسبابها الجوهرية وقواعدها العامة، ويحسن تشخيص المرض ليقدم الدواء الشافي.

والكاتب حتى يكون له دور إيجابي فإنه ينبغي أن يتناول أموراً عمليةً لا نظريةً وجدليةً، وكما قال سلفنا الصالح فإن كل قول لا يبنى عليه عمل فهو لغو..فلا يتناول قضايا تاريخيةً تجاوزها الزمن، ولا يخوض في مسائل نظريةً العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر، ولكن يتناول هموم الناس الملحة، وقضاياهم الحية، لا يشبعهم وعظاً ومثاليات وحسب ولكن يقدم لهم مقترحاً عملياً مهما كان متواضعاً فإنه سيضيء شمعةً ويضع لبنةً وسينقلنا من الشعارات العامة إلى الخطوات العملية..

وحتى ينجح الكاتب في مهمته فإنه ينبغي أن يوجه تركيزه نحو المعاني لا نحو زخرفة الألفاظ وتنميقها، فالكتابة في المقام الأول من أجل توضيح فكرة، وليس من أجل إبراز المهارات اللغوية والتكلف باستعمال ألفاظ معقدة مبهمة للإيجاء بالثقافة، ولا ضير أن يستعمل الكاتب أسلوباً مبسطاً لإفهام الناس فكرته، فمقياس المقالة هو عمق الفكرة وليس غموض الألفاظ وتعقيدها، وأروع المقالات هي التي يعبر فيها الكاتب عما يريده بعفوية وتلقائية دون تنميق ألفاظها..

والكاتب ينبغي أن يستشعر خطورة الثغر الذي يقف عليه، وأن كلماته التي تخطها يمينه هي سهام تنطلق فلا يستطيع ردها، فيحرص على أن يكون داعية خير يسدد ويقارب ويؤلف ويزرع الحب في النفوس، لا أن يعميه تعصبه الحزبي فيؤجج الفتن ويشعل الحرائق ويعمق الشرخ في المجتمع، وينثر بذور الكراهية والحقد..

قال لي أحد أصدقائي إنه حين كتب رسالة الماجستير دقق في اختيار كل كلمة فيها لأنه قبل أن يكتب الكلمة كان يتخيل هذا الكتاب بعد عقود من الزمن في يد الأجيال القادمة فأراد أن يقدم لهم علماً ينفعهم في حياتهم، وينفعه بعد موته، وهذه الروح إذا تحلى بها الكاتب فإنها تجعله أكثر مسئوليةً وأقل اندفاعاً وتهوراً..

وما من كــاتب إلا سيفنى *** ويبقى الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء *** يسرك في القيامة أن تراه

وصدق ربنا العظيم الذي قال: "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد..

والله أعلى وأعلم..