الخميس، 11 نوفمبر 2010

عدلكم أفضل من حجكم أيها المسئولون
أحمد أبورتيمة
رحم الله المفكر الجزائري مالك بن نبي وهو يشرح لنا أطوار الحضارة، وكيف أن الحضارة في أوج قوتها وصعودها تزدهر فيها الفكرة والمعنى، فإذا جرت عليها سنة التاريخ وبدأت منحدر الهبوط واقتربت ساعة أفولها زاد اهتمام الناس بالصور والمظاهر والطقوس بينما خمدت حرارة الإيمان في الصدور..
في حياتنا تزدهر الطقوس والصور الإسلامية إلى حد كبير، فالناس يحيون الأعياد والمناسبات الدينية، ويقيمون الاحتفالات ويؤدون الطقوس والشعائر من صوم وصلاة، ويتسابقون إلى الحج والعمرة كل عام، ولكن الصورة لا تمضي على هذا النحو الإيجابي بعيداً، فتجد بعضاً ممن يحج إلى بيت الله الحرام ويؤدي العمرة في رمضان، ويسابق لشراء الأضحية ويهتم بزخرفة المساجد ويبالغ في الإنفاق عليها، ويقيم الاحتفالات ويوزع الحلوى في ذكرى المولد والهجرة تجد هذا البعض هو ذاته من يجمع أمواله بالحرام، وقد أثقل كاهله بحقوق الناس ومظالمهم، ويماطل في أداء الديون ورد الأمانات، وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها، فقرب أقاربه، وخان الأمانة التي اؤتمن عليها.
إن الاهتمام بالطقوس الظاهرية دون الاستفادة من معانيها العميقة في الحياة هو تفريغ للدين من محتواه، فالله عز وجل لم يفرض علينا الشعائر والمناسك إلا لتستقيم حياتنا النفسية والاجتماعية العميقة "لعلكم تتقون"، "ليقوم الناس بالقسط"، وما لم نحيي معاني هذه الشعائر في حياتنا تصبح بلا مفعول أو قيمة "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"..
حالة الازدهار في المظاهر والأشكال يمكن تعليلها بسهولتها على النفس فهي أقرب إلى الجانب الاحتفالي منها إلى الالتزام والانضباط ولا تتطلب ذات الجهد والتكلفة التي يتطلبها إحياء المعنى والفكرة..
لذلك لا غرابة أن نجد أصحاب السلطان في أي مجتمع يقيمون هذه الطقوس الظاهرية، بينما في سلوكهم الاجتماعي والسياسي هم أبعد ما يكونون عن روح الإسلام، فتجد الرئيس أو الوزير يؤدي صلاة الجمعة والعيد، ويقيم الاحتفالات الدينية، ويحج عاماً بعد عام، بينما هو مقصر في أداء أمانة الحكم وقد انتشر الظلم في عهده وعم الفساد وشاعت الواسطات والمحسوبيات..
حين يقوم المسئول بأداء الشعائر امتثالاً لفريضة افترضها الله عليه فإنه لا يسع أي مؤمن إلا أن يثني على ذلك ويدعو له بالقبول..
لكن الكارثة تكون حين تؤدى هذه الشعائر على حساب العدل الذي من أجله قامت السموات الأرض وعلى حساب حقوق الناس
في هذه الأيام مثلاً حيث الحج إلى بيت الله الحرام ترى بعض المسئولين يسارعون إلى مزاحمة الحجيج في قوافلهم إلى بيت الله الحرام، وقد أدى حجة الإسلام التي افترضها الله عليه من قبل، وربما تكون هذه المرة الثالثة أوالرابعة، مع أن هناك من الناس يتشوقون إلى الحج للمرة الأولى منذ سنوات ولم يخرج اسمه، وهناك من يتجاوز عمرهم الخامسة والستين أو السبعين ترى أعينهم تفيض من الدمع خوفاً أن يفوتهم قطار العمر دون أن يحجوا، وهم يشاركون في الاقتراع مرةً بعد مرة دون أن تخرج أسماؤهم..
ومما يزيد الأمر كارثية أن تكون تكاليف حج بعض هؤلاء المسئولين مقتطعةً من المال العام أو من أموال الحجاج، فيشكلون عبئاً إضافياً على الحجاج وعلى شعوبهم التي يقتطعون الأموال منهم، فصارت الشعوب في خدمة المسئول ورفاهيته، ولم يعد المسئول مسئولاً ومحاسباً من قبل الشعب..
وتكتمل قتامة المشهد حين يكون المسئول الذاهب إلى الحج مقصراً في وزارته أو مؤسسته ومفرطاً في الأمانة العامة، وربما تسبب تقصيره وأخطاؤه في إزهاق أرواح ، وقد علم أن الله لم يفترض عليه الحج أكثر من مرة، وربما أسقطت عنه هذه المرة إن لم يستطع إلى ذلك سبيلاً، بينما افترض عليه أن يؤدي أمانته وأن يحكم بين الناس بالعدل وألا يأكل أموال الناس بالباطل، وأن يتقن عمله، ولن يشفع له أن يحج عشرات المرات دون أن يعيد الحقوق إلى أهلها ويحارب الفساد من مؤسسته ويحاسب الظالم على ظلمه، فالحج صورة الدين بينما إقامة العدل هو حقيقته وغايته، وكما قال ابن القيم رحمه الله : أينما كان العدل فثم شرع الله..
إن وظيفة المسئول ليست في حج أو صيام أو قيام نافلة، بل إن وظيفته الأولى هي أن يقيم العدل بين الناس، ويقضي حوائجهم ويقيل عثراتهم ويدخل السرور على قلوبهم، فإذا أتم هذه الواجبات بإتقان نال رضا الله حتى وإن كان حظه من النوافل قليلاً..
إن تحقيق شرع الله يكون بتحقيق العدالة الاجتماعية ورد الحقوق إلى أهلها وإنصاف المظلومين ومحاسبة الظالمين، قبل أن يكون بإحياء الصور والطقوس والاحتفالات..
إن تولي المسئولية العامة لا يمنح صاحبها تفويضاً إلهياً بأن يزاحم الناس، وأن يقدّم على غيره فيخرج اسمه إلى الحج وهو جالس في بيته دون مشقة أو سعي، بينما غيره يجهد نفسه سنوات طوال وهو يسعى إلى الحج، وإن كان المسئول مصمماً على الحج ولا بد، فعليه ما على أي إنسان من سعي ومشقة وأن يكون هناك تكافؤ في الفرص بين الجميع فيدخل اسمه في القرعة مثله مثل أي واحد من المسلمين، ويجري الاختيار بشكل حر ونزيه فإما قدر له أن يحج، وإما انتظر كما ينتظر غيره في الأعوام القادمة..
إنه لمن التناقض أن يعلن إنسان أنه يقصد من حجه مرضاة الله بينما لا يتحرز من اغتصاب حق غيره للحج، ولو أنه ظل في بيته وقدم على نفسه رجلاً طاعناً من المسلمين ممن يخشى ألا يدركه موسم الحج القادم لكان خيراً له عند الله.
ولا يشفع للمسئول أن يعلن بأنه سيحج هذا العام عن أسير، والعام القادم عن شهيد، والعام الذي يليه عن أبيه أو جده، وبذلك يبرر لنفسه أن يزاحم المسلمين كل عام، فإعطاء الفرصة للأحياء ليحجوا بأنفسهم أولى، ومثل هذه المواقف أمام وسائل الإعلام يخشى أن يتسرب فيها إلى النفوس شيء من حب السمعة..
أختم مقالتي بهذه القصة لعله يكون فيها عبرة لأولي الألباب:
جاء رجل إلى بشر بن الحارث رحمه الله وهو من ربانيي الأمة وقال له يا أبا نصر إني أردت الحج فهل توصيني بشيء؟ قال له: كم أعددت من النفقة للحج؟ قال: ألفي درهم، فقال له: هل تريد الحج تزهُّداً أو اشتياقاً إلى البيت أم ابتغاء مرضاة الله؟ قال: والله ابتغاء مرضاة الله، قال: هل أدلُّك على ما تحقِّق به مرضاة الله وأنت في منزلك؟ إذا دللتك على شيء من هذا تفعل؟ قال: أفعل، قال: تذهب تعطي هذا المبلغ عشرة أنفس، فقير ترمِّم فقره، ويتيم تقضي حاجته ومدين تقضي عنه دَينه، ومُعيل تخفِّف عنه أعباء عياله،..، فقال له: يا أبا نصر السفر في قلبي أقوى، فقال له: إن المال إذا جُمِع من وسخ التجارات والشبهات أبت النفس إلا أن تقضيه في شهوتها..
نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين وأن يهدينا إلى سواء السبيل..
والله أعلى وأعلم..

الاثنين، 8 نوفمبر 2010

فضائيات خارج الزمن
أحمد أبورتيمة
abu-rtema@hotmail.com
أعجب من حال بعض الفضائيات التي لا يربطها بالزمان الحاضر سوى تقنيات الصوت والصورة، وما عدا ذلك فهي أبعد ما تكون عن تحديات العصر ومقتضياته..
تجد هذه الفضائيات منصرفةً عن الأخطار المحدقة بالأمة الإسلامية خارجيةً وداخليةً من مخططات معادية واستبداد وفساد داخلي ..وقد جعلت لنفسها هماً واحداً ووحيداً كرست له جهودها وأوقاتها وهو مهاجمة الشيعة وشيطنتهم والتحذير من خطرهم..
لست في معرض الدفاع عن الشيعة، فمن حق الجميع أن ينتقد ما يراه خطأً ولكن ليس بالأسلوب الفتنوي المثير للكراهية الذي تنتهجه هذه الفضائيات، وليس بإصدار أحكام عامة فالقرآن قد علمنا منهج "ليسوا سواءً".
وقد سمعت شخصياً من الخرافات والضلالات عند بعض الشيعة -وأؤكد على بعض- التي تجعل الحليم حيراناً..فقد سمعت أحدهم يقول إن الأنبياء كلهم عبيد للحسين، وآخر يقول إن الله يقول الشعر في علي..
لكن ليس هذا موضوع حديثي فالدنيا مليئة بالخرافات، ولو أننا رددنا على كل خرافة لما اتسعت أعمارنا لذلك ولتعطلت حياتنا عن كل عمل نافع..
موضع انتقادي لهذه الفضائيات هو التركيز على مواضيع قديمة، والانشغال بالرد عليها بدل الاهتمام بقضايا نهضة الأمة وفاعليتها..
هذه الفضائيات تمارس دوراً خطيراً فهي تحشد الناس وتشحن النفوس باتجاه معركة مفتعلة ليست هي معركتنا الرئيسة وتسعى لأن تسوق بأن تناقضنا الرئيس هو تناقض داخلي وليس مع الأعداء الخارجيين الذين يتربصون بنا الدوائر ويخططون لتقسيم البلاد وإذلال العباد..
مشكلة القائمين على هذه الفضائيات أنهم حين يفعلون ذلك ويثيرون كل هذا المقدار من الحقد والتعبئة السوداء فهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم بذلك يتقربون إلى الله زلفى، وأنهم يخدمون دينهم ويدافعون عن عرض النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم.
فضلاً عن كون الأسلوب المتبع في هذه الفضائيات أبعد ما يكون عن الحوار الهادئ الذي يؤلف القلوب ولا ينفرها وعن الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن التي أمرنا القرآن بها، فضلاً عن الأسلوب فالملاحظة الأهم هي حول جوهر القضايا المثارة، فهي قضايا تاريخية قديمة عفا عليها الزمن ولم تعد مناقشتها ذات أهمية كبيرة في عصرنا الحاضر، فماذا يفيدنا مثلاً أن نثبت بعد ألف وأربعمائة عام أن أبابكر كان أحق بالخلافة من علي رضي الله عنهما، وهل تتوقف رسالة الإسلام دين الرحمة للعالمين على مناقشة هذه القضية؟ وهل سينهار بناء الإسلام إن لم نثبت أحقيتنا في بعض القضايا الثانوية في خلافنا مع الشيعة؟؟..
إن الاستغراق في الماضي والتعصب له حتى لو كان من باب الدفاع عن الصحابة رضوان الله عليهم لا يخدم الإسلام لأنه يصوره وكأنه دين مستغرق في الماضي، وأنه لا يملك أجوبةً شافيةً للتحديات الراهنة، وأن كل ما يستطيع أن يفعله في الوقت الحاضر هو الحنين إلى أمجاد الماضي واجترار الخلافات القديمة والتعصب لأمة قد خلت في الزمان الغابر دون أن يكون له شهود حضاري في هذا الزمان..
الحق أن الإسلام في حالة شباب متجدد ولديه ما يقوله للإجابة عن تحديات كل عصر، وأفضل خدمة نقدمها للإسلام هو أن نلتفت إلى التحديات المعاصرة ونوجد لها الأجوبة الملائمة النابعة من هدي الإسلام.
لقد علمنا القرآن منهجاً غايةً في الروعة للتحرر من أثقال الماضي فقال الله تعالى "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون"..هذه الآية العظيمة تكررت في سورة البقرة مرتين، وهي تدعونا بشكل صريح إلى الالتفات إلى الحاضر بدل الاستغراق في الماضي واجترار أحداثه وأخطائه وتراكماته، لأننا لا نملك تغييره ولن يحاسبنا الله عليه، أما ميدان العمل والفاعلية فهو الحاضر والمستقبل ..
إن الإسلام يقول لنا إننا أبناء الحاضر، وليس بقايا الماضي، واستحضار الماضي يكون فعالاً إذا كان لاستلهام دروسه، وليس إذا حولناه إلى عائق يقيد تفكيرنا ويحول دون انطلاقتنا ووحدتنا ويشوش نظرتنا إلى المستقبل..
حتى إذا كان الحديث عن فضائل الصحابة وأمهات المؤمنين، وهو عمل طيب يشكر عليه أصحابه، إلا أن المبالغة في هذا الجانب فيه خلط للأولويات، ولو تأملنا القرآن الكريم لوجدنا أن الآيات التي تختص بذكر فضائل الصحابة قليلة العدد مقارنةً مع الآيات التي تدعو مثلاً إلى إقامة العدل والقسط، وتحذر من عاقبة الظالمين، والتي تعد بالمئات، ومن بين عشرات آلاف الصحابة الأجلاء لم يذكر القرآن بصريح العبارة سوى اسم صحابي واحد وهو زيد رضي الله عنه، وهذا الاختلاف في نسب التركيز على المواضيع في القرآن الكريم ليس بدون دلالة، ومن فقه المؤمن كما قال العلامة القرضاوي أن يضخم ما ضخمه القرآن ، وحين يركز القرآن في كل سورة تقريباً على العمل الصالح بينما لا يخصص للحديث عن فضائل الصحابة سوى نسبة ضئيلة، فلأنه يريد منا أن نظل مرتبطين بالمنهج الصافي المجرد المتعالي على الأشخاص وعلى أحداث التاريخ، وهذا ليس تبخيساً من قدر الصحابة ولكنه درس لنا..
استناداً إلى هذا النهج القرآني فإننا مطالبون بالالتفات أكثر إلى قضايا الحاضر، والالتفات إلى تحديات العصر، والإعراض عن الجدل في قضايا تاريخية تجاوزها الزمن..
لقد كان موسى عليه الصلاة والسلام متنبهاً إلى خطورة الاستغراق في مناقشة الماضي لأن ذلك سيكون على حساب القضية الأساسية الحاضرة، فحينما سأله فرعون ما بال القرون الأولى لم يتورط موسى في هذا النوع القاتل من النقاش ولكنه سارع إلى إغلاق الباب بالقول: "علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى"..فليس مهماً تقييم الأمم التي خلت ولكن المهم هو هداية الأمم الحاضرة..
لا أظن أنه سيسر النبي صلى الله عليه وسلم لو قدر له أن يبعث بيننا فرآنا ونحن نصرخ في حبه وفي الدفاع عن زوجته المبرأة عائشة وعن أصحابه الأجلاء ونخصص الخطب والفضائيات لذلك، بينما نحن عاجزون عن التصدي لأعدائنا فضلاً عن قيادة العالم نحو العدل والرحمة ، إن أكثر ما يسر نبينا صلى الله عليه وسلم هو أن نحيي القرآن في حياتنا وأن يرانا مجتمعين متآلفين على هديه سائرين..
إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وأرضاهما قد نجحا في تقديم صورة مشرقة للإسلام ليس بالتباكي على زمن الرسول صلى الله عليه وسلم والاكتفاء بالخطب العصماء في تعديد مناقبه وإفحام شائنيه، ولكنهما خدما الإسلام بمواجهة تحديات عصرهم التي لم تكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حروب الردة وغيرها، وإن كنا صادقين في حبنا لأبي بكر وعمر فإن ذلك يكون بالسير على نهجهما في مواجهة تحديات زماننا المستجدة كما فعلوا مع زمانهم..
إنه لا يعقل أن تستغرقنا الخلافات القديمة إلى هذا الحد، ونغفل عن الأخطار الوجودية التي تتهددنا من كل جانب، فالسودان على شفا حفرة من نار التقسيم أو الحرب، والقدس تهود كما لم يفعل بها من قبل، والصهاينة يعدون العدة لشطب آخر ما تبقى من معالم العروبة والإسلامية في فلسطين ويعلنون على الملأ ضيقهم من وجود الفلسطينيين في أرضهم، والفساد والاستبداد ينخر في بلادنا..أليس في كل هذه الأخطار ما يكفي لاستفزاز عقولنا وتنبيهنا إلى معركتنا الحقيقية؟؟
كأني بالعالم وهو ينظر إلى مثل هذه الفضائيات يسخر من حالنا ويتعجب أن يوجد بشر على كوكب الأرض بهذه الدرجة من السذاجة يناقشون قضايا ميتة ويغفلون عن النار التي تلتهم ديارهم..
إن هذه الفضائيات علمت أم جهلت تقوم بتخدير عقول الأمة وصرفها عن أولوياتها وهي تسير في خط الأنظمة الاستبدادية حتى وإن لم تكن تدري بذلك، لأنها تقوم تصرّف غضب الشعوب إلى مجرى طائفي بدل أن ينفجر في وجه الفساد والاستبداد الذي تمارسه الأنظمة..
يؤسفني أن هناك من أساء توظيف هذه المقالة حين نشرتها قبل أيام وحرف الكلم عن مواضعه فوضعها جزءً من حملة لمهاجمة كل فضائية تذكر الناس بالدين والأخلاق..لذا أرى لزاماً على أن أبين أنني لم أقصد في هذه المقالة تلك الفضائيات التي تدعو إلى مكارم الأخلاق بالحكمة والموعظة الحسنة.فهذه تقوم بدور محمود وهي تساهم من إحدى الجوانب في المشروع الكبير لنهضة الأمة، وإذا قارنا بين هذه الفضائيات وبين فضائيات الخلاعة والمجون فالفرق بينهما كالفرق بين الجنة والنار.ولا يعقل أن يكون لكل ناعق سخيف فضائية، ونحرم ذلك على الذين يدعون الناس إلى الحب والخير والتسامح وصفاء القلوب..
لكنني قصدت في هذه المقالة بصريح العبارة تلك الفضائيات التي تسب وتلعن وتشتم آناء الليل وأطراف النهار..فهذه هي التي تعمق تخلفنا وتزيد أمد رقادنا..
إن ما تحتاجه الأمة اليوم هو فضائيات تجمع ولا تفرق، توعي الأمة بأولوياتها وبالأخطار المحدقة بها، وتقود الأمة في مشروع نهضوي حضاري يجعل لها مكاناً تحت الشمس حتى لا نظل سخرية للآخرين وفتنةً للذين كفروا..
"ربنا لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم"
والله أعلى وأعلم..

الاثنين، 1 نوفمبر 2010

التحرر من ضغط الثقافة..

بقلم أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

كل مولود يولد على الفطرة، وحين تتفتح عيناه على الحياة يكون متحفزاً للتفكير والإبداع، لكن ضغط المجتمع والثقافة السائدة سرعان ما يطفئ هذا النور الفطري، ويجهض أشواقه للاستكشاف والمعرفة، ويضعه في قوالب جامدة لا روح فيها، فيتأطر الفرد وفق ما يريد له المجتمع من تقاليد وأنماط صارمة..

يكبر الفرد ويكبر معه تمسكه بهذه الأنماط التي وجد آباءه عليها، حتى تغدو جزءً راسخاً من كينونته لا يستطيع الفكاك منها، وهي التي توجه سيره وتحدد سلوكه بطريقة لا شعورية، فهو لا يستطيع أن يفكر إلا في دائرة المحددات الثقافية، حتى وإن ظن نفسه حراً في التفكير فليس هذا الظن سوى وهماً كبيراً مثله في ذلك كمثل الكائن الحي في محمية طبيعية فهو ينطلق فيها بأقصى سرعته ويذرعها مجيئاً وإياباً ويظن أنه يمتلك الحرية للانطلاق حيثما شاء دون أن يدرك أنه لا يستطيع ذلك إلا في الحدود التي يسمح بها حراس المحمية، وهو لن يدرك أن حركته مقيدة إلا إذا وقف على حدود المحمية واستشرف العالم الخارجي، حينها فقط سيدرك أن هناك عالماً أوسع وأنه ليس حراً بالقدر الكافي، ونفس الشيء مع الإنسان فهو لا يدرك المقيدات الثقافية والاجتماعية التي تحول دون انطلاق تفكيره إلا إذا اعتزل صخب المجتمع وضوضاءه، وفكر خارج الإطار السائد..

إن الإنسان في غمرة استغراقه في المجتمع وثقافته لا يتصور أن هناك حقيقة خارج الأطر التي رسمها له المجتمع، فالقيم والعادات والتقاليد هي الطريقة المثلى حسب تعبير فرعون "ويذهبا بطريفتكم المثلى"، وليس بالإمكان أبدع مما كان ولو كان خيراً لسبقونا إليه، ويبين لنا القرآن إلى أي مدى يصل الإنسان في استغراقه في الأفكار التقليدية ورفضه لأي جديد حتى تصبح الحقيقة الواضحة موضع استهجان لا لشيء إلا لأنها ليست ضمن الأطر القديمة:"أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب"، هذا في الجانب الفكري أما في الجانب العملي السلوكي فنجد قوم لوط حين استغرقوا في حياة النجاسة صارت الطهارة في مقياسهم تهمةً تستحق الإدانة: "أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"..

إن القرآن الكريم أعطى اهتماماً كبيراً لضرورة تحرير عقل الإنسان من الأطر السائدة والقوالب الجامدة، ومن يتأمل القرآن بموضوعية وتجرد يدرك أن رسالة القرآن الأساسية هي إيجاد الإنسان المفكر المتحرر "لعلهم يتفكرون"..

إن المجتمع يمثل قوة ضغط هائلة على الفرد تمنعه من التفكير الحر المتجرد من الرؤى المسبقة، والإنسان الفرد حين يخلو مع نفسه ويتجرد من الهوى والقيود الاجتماعية فإنه سيهتدي إلى الحق، لكنه حين يعود بعد ذلك إلى ضوضاء المجتمع وصخبه فإنه سرعان ما ينتكس على رأسه ويجرفه التيار الاجتماعي .لأن مسايرة المجتمع أسهل على النفس من مخالفته، وبذلك فإن الإنسان بين دافعين دافع عقلي وآخر انفعالي، فهو حين يخلو بنفسه ويتجرد للحق فإنه يفكر بعقله لكنه حين ينتكس إلى التقليد الأعمى للمجتمع، فإنما يفعل ذلك بدافع عاطفي انفعالي، ولعل هذا ما دفع القرآن إلى استعمال التعابير الانفعالية في حديثه عن المجتمعات "غمرتهم"، "سكرتهم"، "كل حزب بما لديهم فرحون"..فلم يقل مؤمنون ولا مقتنعون، ولكن فرحون وهذه التعبيرات تدل على سلوك انفعالي..

إن التحرر من هذا الضغط الاجتماعي الهائل لا يكون إلا بالخلوة مع الذات واعتزال تماثيل المجتمع التي هم لها عاكفون:"قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا"..ويتساءل المرء:ما سر تخصيص العدد باثنين أو واحد، والإجابة نفهمها في ضوء ما تقدم أن الإنسان حتى يتفكر تفكراً موضوعياً فإنه يجب عليه أولاً أن يتحرر من هيمنة المجتمع وقوالبه الجامدة، ويعيد الاعتبار للعقل الذي كرمه الله به، وهذا لا يصلح أن يكون في تجمعات كبيرة لأنه إذا اجتمع عدد كبير فإن اجتماعهم سيصبغ بالسمات المميزة للمجتمع، فلا يزيد الأمر عن كونه إعادة نسخ لقوالب ميتة، و سيعزز اجتماعهم النمط السائد بدل أن يتحرر منه، كدأب قوم إبراهيم حين نكسوا على رءوسهم بعدما تبين لهم الحق فقالوا حرقوه وانصروا آلهتكم..

لذا لا غرابة لمن يتأمل حياة الأنبياء والفلاسفة والمصلحين أن يجد أن الخطوة الأولى في مسيرتهم الإصلاحية هي الاختلاء مع الذات وتأمل الطبيعة والبعد عن صخب المجتمع ولغوه، نجد هذا عند موسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وعند بوذا وغيرهم كثيرون..

إن القرآن الكريم يكرر أكثر من أربعين مرةً ذمه لاتباع الأقوام السابقة الأعمى لما وجدوا عليه آباءهم "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون"..والآباء هم رمز للهيمنة الاجتماعية، فالإنسان حين ينشأ فإنما يقلد أباه وأقرب الناس إليه ثم المجتمع بمجمله..ومثل هذه القصص القرآنية لا ينبغي أن نسقطها على قريش وعاد وثمود وحسب، بل إن لنا نصيباً من الوقوع في هذه الأمراض فهي أمراض إنسانية عامة، وحال المسلمين كحال غيرهم في مواجهة دعوات التجديد والإصلاح هي قولهم:إنا وجدنا آباءنا على أمة، أو ما يقاربها من ألفاظ كقولهم:حسبنا ما ألفينا عليه السلف الصالح، والعيب ليس في اتباع السلف والآباء من حيث المبدأ، ولكن العيب هو في تعطيل الملكة النقدية والتفكير، واستبدال التقليد الأعمى للسلف بها، لذلك فإن القرآن كان يرد على دعوى الآبائية بالقول:"أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم"..فإن وجدنا هدىً في المجتمع والثقافة أخذنا به وعززناه، ولكن إن وجدنا طريقةً أهدى وجب علينا أن نترك ما كان عليه آباؤنا وأن نتبع الحق..وحتى نكون قادرين على التمييز بين ما نأخذه وما نرده من إرث المجتمع، فإن ذلك لا يكون إلا بالتحرر الفكري، والانعتاق من قيود الثقافة وضغط الأنماط السائدة، والنظر النقدي إلى المنظومة الاجتماعية وإعادة فحص المسلمات وليس تقديسها..

إن قال قائل إننا نحن المسلمين حالة خاصة لأن بين ظهرانينا القرآن الذي لا ينطق عن الهوى فإننا نرد عليه بالقول: صحيح أن القرآن مقدس ويجب أن نأخذه كوحدة واحدة، ولكن تفاعلنا مع القرآن وتفسيرنا له ليس مقدساً، والمسلمون ليسوا ترجمةً دقيقةً لآيات القرآن، ولكنهم خليط من الصواب والخطأ، لذلك فإنه يصيبهم ما يصيب الأقوام والمجتمعات الأخرى من مرض الجمود والانغلاق، والقرآن نفسه هو الذي يلح علينا دائماً بضرورة التفكر والتدبر والتعقل والتحرر من ضغط الآباء..

إن التحرر من ضغط المجتمع يتطلب قوةً هائلةً للانعتاق من الجاذبية، ولا يقدر عليه إلا آحاد الناس من الذين أوتوا العلم والإيمان فيرفعهم الله درجات، وعبر التاريخ فإن أكثر الناس مقلدون ، وقليل هم الذين ينجحون في السباحة ضد التيار الجارف، لذلك فقد خلدهم القرآن بأنهم "السابقون السابقون أولئك المقربون"..لكن هؤلاء القليل هم الذين يغيرون وجه التاريخ دائماً وهم الذين يرتقون بالواقع الإنساني، ولولا هؤلاء القلة لبقي الواقع البشري جامداً معطلاً عن الإبداع متقهقراً إلى الوراء، ولأدى ذلك إلى الانغلاق والتقوقع والموت..

إن النهوض من واقعنا البئيس لا يكون باعادة إنتاج نفس الأنماط التقليدية السائدة والأفكار الميتة فهي علة تخلفنا، ولكن إنتاج واقع جديد يتطلب فكراً جديداً ورؤيةً جديدة، وتحرراً من التقليد والجمود.

إن طريق النهضة لا يكون إلا عبر التجديد وإطلاق العنان للتفكير المتحرر من أية ضغوط وإكراهات..

طوبى للمجددين السابقين الصادقين..فهم الذين يصنعون التاريخ في الدنيا، وهم المقربون في الآخرة..

والله أعلى وأعلم..


الثلاثاء، 26 أكتوبر 2010

التعامل السنني مع القرآن الكريم

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

يقول الله عز وجل في سورة الإسراء: " وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً..سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً"..

ألمس في هاتين الآيتين الكريمتين إشارةً لسنة اجتماعية وتاريخية مطردة ما أحوجنا إلى فقهها في زمننا المعاصر..

هذه السنة تقول أن وجود الآخر الذي يحمل فكراً جديداً مختلفاً عن النمط السائد يمثل سياجاً حامياً للمجتمع من الضمور، وأنه ضرورة لنمو المجتمع وتقدمه وليس كما ينظر إليه الأكثرون بأنه عبء ثقيل يهدد قيم المجتمع فيسعون للتخلص منه..

حين ندرك أهمية وجود الآخر في المجتمع تتغير النظرة فبدلاً من مقاومته والسعي للقضاء عليه، فإننا نعزز وجوده ونعطيه الحرية للتعبير عن نفسه، وحتى إن لم يكن موجوداً فإننا نسعى لإيجاده.

قيمة وجود الفكر الجديد الذي يخالف النمط السائد أنه يعطي الجرعة التوازنية لسير المجتمع فيحميه من الانحراف والمغالاة، كما أنه يلقي صخرةً في المياه الراكدة فيحدث حراكاً فكرياً وتدافعاً اجتماعياً يؤدي إلى تقدم المجتمعات ونضجها ويحميها من الجمود والانغلاق..

كذلك فإن أهيمة وجود المجدد في المجتمع أنه ينبه إلى وجود الأخطاء ويضعها في دائرة الضوء بعد أن تكون من اللا مفكر فيه، والتنبه للأخطاء هو الخطوة الأولى لمعالجتها وما يتبع ذلك من الارتقاء بالمجتمع، أما في حال غياب المجددين فإن مثل المجتمع يكون كمثل المركبة التي تسير دون فرامل، فتتراكم الأخطاء وتتجذر في بنية المجتمع دون أن يتنبه إليها حتى تودي به إلى الهاوية.

لذلك فإن المجتمع الذي يخلو من الآخر ويقتل أي محاولة للتجديد ويجمد على أوضاع معينة فإن المطاف ينتهي به حتماً إلى التقوقع والانغلاق، وهذا هو الموت..

في الآية التي بين أيدينا فإن الله عز وجل يحذر بأن إخراج النبي من مكة أو المدينة-ونحن لا يهمنا كثيراً هذا الخلاف بين المفسرين لأنه لا يؤثر على القيمة الموضوعية التي تتضمنها الآية-المهم أن إخراج النبي سيتبعه حتماً هلاك من أخرجه، ويؤكد القرآن في الآية التي تليها أن هذا ليس وضعاً استثنائياً للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولكنها سنة تاريخية مطردة حصلت مع جميع المرسلين..

مع الأسف أن الثقافة السائدة بين المسلمين وحتى بين المفسرين تجعلنا نركز على الجانب الغيبي للآيات القرآنية دون أن نتفكر في المحتوى السنني لها، فنتصور أن الله لا يعمل إلا وفق أساليب خارقة للعادة خارجة عن سنن المجتمع والتاريخ لا نستطيع دراستها دراسةً علميةً تجريبيةً، وفي ضوء هذه الثقافة السائدة فإننا حين نتلو هذه الآية مثلاً فإننا نتخيل أنه تعامل استثنائي من الله تعالى مع النبي أو الأنبياء، وفق مشيئته المطلقة التي لا يخضعها للسنن والقوانين، وأن الله سيهلك قوم النبي إذا أخرجوه بصاعقة من السماء أو بخسف الأرض بهم أو بطوفان أو زلزال أو غير ذلك من الصور الخارقة التي ليس فيها علاقة واضحة لنا بين المقدمة والنتيجة. ولا يخطر ببالنا أنه بشيء من التدبر للقرآن والمقارنة بين العمل البشري والجزاء الإلهي فإننا نكتشف رابطاً سننياً يحول ما نظنه غيباً وخوارق إلى سنن نفسية واجتماعية ملموسة لا تتبدل ولا تتحول، وأننا نستطيع أن نفهم سنة الله في إطار المألوف من صيرورة التاريخ والتحول التدريجي للمجتمعات، وليس فقط عبر الخوارق والمعجزات والضربات الكبرى المفاجئة..

وهذا ما حدث فعلاً إذ أن هزيمة قريش والتمكين لرسالة الإسلام لم تكن بالضربة القاصمة التي ما لها من فواق كما في الأقوام السابقة، ولكنها كانت بطريقة التحول الاجتماعي البطيء الذي يمكن أن يحدث مع أي حركة تجديدية حتى لو لم يكن قائدها نبياً يوحى إليه..

فهل هناك علاقة مشاهدة بين إخراج النبي من المجتمع وبين إهلاك قومه بعد ذلك بقليل "إذاً لا يلبثون خلافك إلا قليلاً"؟

إذا استعنا بما نفهمه من سنن اجتماعية فإننا نجد مقاربةً مباشرةً يمكن إدراكها عقلاً..فإخراج النبي من قريته يعني أن هذا المجتمع منغلق فكرياً لا يرحب بالآخر وأنه غير مهيأ للتجديد، وأنه طال عليهم الأمد فقست قلوبهم وسدت منافذ أفهامهم. وما دام المجتمع على هذه الشاكلة فإنه سيجمد ويتقوقع على نفسه، ولن يكون فيه أي حراك فكري واجتماعي، والحركة هي الحياة بينما السكون هو الموت، وبذلك فإنه سيظل يعيد إنتاج نفسه في قوالب ميتة فاقدة للحياة وسيفقد قدرته الإبداعية ويتوقف نموه الحضاري فيتقوقع ويموت..

هذه محاولة متواضعة للفهم السنني لآيات القرآن الكريم، وهي بكل تأكيد محاولة يشوبها كثير من النقص، ولكن حسبي في هذه المرحلة أن ألفت الأنظار إلى التعامل مع القرآن وفق السنن العلمية، والقرآن الكريم جاء ليعلن انتهاء عصر الخوارق وبدء عصر العلم، وهذا ما نجده في المقارنة بين طريقة إجابة القرآن على ذات السؤال في مرحلتين تاريخيتين مختلفتين، فحين سأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحيي الموتى كان الجواب على هيئة معجزة أن أعاد الله الحياة للطيور حتى يطمئن قلب إبراهيم، ونفس الشيئ مع عزير إذ أماته الله مائة عام ثم بعثه.ولكن حين سأل أحد المشركين ذات السؤال للرسول صلى الله عليه وسلم لم يجب عليه القرآن بمعجزة، ولكن أجابه بمنطق علمي سنني:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة"، ونفس طريقة الإجابة تتكرر في القرآن إذ يوجه أنظارنا إلى ظواهر طبيعية مثل اخضرار الأرض بعد موتها ويدعونا لأن نستنج من ذلك إمكانية إحياء الموتى.

هذه الطريقة السننية في التعامل مع آيات القرآن الكريم هي التي تمكننا من إدراك القيمة العلمية الموضوعية التي يحتويها واكتشاف كنوزه ، بالطبع فإننا لا نقصد بهذه الطريقة أن ننفي البعد الغيبي للقرآن، ولكننا نثري هذا البعد بالشواهد الحاضرة وفق المعادلة القرآنية "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق". ففهم القرآن وفق سنن الآفاق والأنفس يبين للناس أنه الحق، فنحن نخدم القرآن بهذه الطريقة ، وتبقى دائرة الغيب الواسعة ضرورية لاستفزاز العقل وحثه على مزيد من التفكر وليظل في تقدم متواصل، كما أنها تظل ضروريةًَ لإشعار الإنسان بالتواضع وبأنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً..

والله أعلى وأعلم..


الثلاثاء، 19 أكتوبر 2010

مليار جائع..ذنب الطبيعة أم الإنسان
أحمد أبورتيمة
بمناسبة يوم الغذاء العالمي الذي وافق السادس عشر من أكتوبر قبل أيام أطلقت منظمة الأغذية الدولية الفاو تحذيراً مرعباً بإعلانها أن عدد جوعى العالم بلغ مليار إنسان وهو رقم مهول يعني أن واحداً من كل ستة أشخاص في كرتنا الأرضية لا يتوفر لهم الحد الأدنى من الغذاء..
هذه المشكلة الخطيرة التي تهدد هذا العدد الهائل من البشر بالموت غالبيتهم من دول الجنوب في أفريقيا وآسيا تأتي في الوقت الذي يتهدد فيه الموت آخرين ولكن لسبب آخر وهو التخمة الناتجة عن الإسراف والتبذير إلى حد الطغيان، وبذلك صارت المعادلة على هذا النحو:الجوع للكثيرين والتخمة للقلة.
بعض الإحصاءات التقريبية تبين لنا مدى اختلال القسمة.هذه الإحصائيات تقول إن 20% من سكان الأرض، وغالبيتهم من الشمال يحوزون على أكثر من 80% من الثروات، بينما ال80% الآخرون يحوزون على أقل من 20%..
هناك قول مأثور لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه بأنه ما افتقر فقير إلا بغنى غني، هذه المقولة الحكيمة تعني أن مشكلة الجوع ليست بسبب نقص الموارد أو لزيادة أعداد البشر كما يزعم المترفون ليخلوا ساحتهم من المسئولية، ولكنها نتيجة اختلال العدالة وسيطرة الجشع، وهذه الحكمة تؤكدها الأرقام التي تثبت بأن موارد الأرض تكفي لإشباع سكانها وزيادةً، وأن الخلل هو في سلوك الإنسان وليس في الطبيعة.
يقول الباحثان فرانسيس مور لابيه وجوزيف كولينز في كتابهما الذي اختارا له اسم (صناعة الجوع.. خرافة الندرة)، وهو كتاب معبر في عنوانه وقيم في مضمونه، يقولان إن العدد الهائل للجوعى في العالم يوجد في مواجهة وفرة الموارد وهنا تكمن الإهانة.
وبحسب الإحصائيات الواردة في الكتاب فإن العالم ينتج كل يوم رطلين من الحبوب لكل رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض، هذا عدا البقول والفواكه والخضروات واللحوم، وهذا الإنتاج الوفير لكوكب الأرض الذي يدحض فكرة أنه لا يوجد غذاء للجميع يأتي رغم أن الأرض لم تستنفد طاقتها فعدد الأراضي المزروعة في الأرض لا تبلغ نسبتها أكثر من 44% من الأراضي الصالحة للزراعة..
ما دام الإنتاج الغذائي بهذه الوفرة إذاً أين تكمن المشكلة؟
يقول جيفري ساكس مدير معهد الأرض فى جامعة كولومبيا الأمريكية وأحد أكثر مائة شخصية تأثيرا في العالم في كتابه " نهاية الفقر " إن الدول الغنية قادرة وخلال فترة وجيزة على القضاء علي الجوع و الفقر لكنها لا تريد..
إذاً فالمشكلة هي مشكلة إرادة وليس قدرة..
وقد كشف الدكتور جاك ضيوف المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة الفاو في لقائه مع الإعلامي أحمد منصور مدى الخداع الذي تقوم به الدول الكبرى وهي تتحدث عن مكافحة الفقر والجوع بينما لا تبذل جهداً حقيقياً في هذا الاتجاه.
يقول جاك: إن ميزانية أكبر منظمة معنية بمحاربة الجوع في العالم لا يزيد عن 350 مليون دولار في العالم في الوقت الذي يبلغ فيه عدد الجوعى مليار إنسان مما يعني أن نصيب كل جائع سنويا لا يزيد عن أربعين سنتا هذا في حالة أن المنظمة لا تنفق شيئا علي إدارتها..
ويبدو أن مسئولية الدول الغنية عن مشكلة الجوع لا تقتصر على ضعف الإرادة عن بذل جهود حقيقية لمكافحته، ولكنها تتعدى ذلك إلى كونها تستعمل الغذاء كسلاح سياسي لتحقيق أطماعها في فضيحة أخلاقية يندى لها جبين الإنسانية، فهذه الدول المترفة لا تقدم معونةً للدول الفقيرة لوجه الله تعالى، وهي لا تفعل ذلك إلا بعد حسابات سياسية واقتصادية تضمن لها مزيداً من السيطرة والنفوذ..
وفي ذلك يذكر كتاب صناعة الجوع أن السيناتور هيوبرت همفري في منتصف القرن الماضي انتقد الذين يريدون أن تكون المعونة الغذائية مجرد وسيلة للتخلص من الفائض، ورأى في الغذاء سلاحاً سياسياً قوياً، وهذا ما ترجمته السياسة الأمريكية حين قطعت المعونة عن تشيلي فجأةً عندما انتخبت حكومةً لا تتوافق مع أهواء مصالح الشركات الأمريكية..
ولهذا السبب أيضاً رفضت الولايات المتحدة عام 1974 توسيع برنامج الغذاء العالمي الهادف لمعاونة مناطق المجاعات لأنهم لا يريدون المساهمة بالغذاء في المناطق الأقل خضوعاً لسيطرتهم والتي لا يستطيعون فيها التأثير بشكل ملموس في توزيع المعونة..
ليس هذا فحسب بل إن أمريكا تعمل جاهدةً على منع قيام اكتفاء ذاتي من الغذاء في بلدان العالم الثالث لضمان ألا تكون تنمية حقيقية، فتضع القيود على زراعة القمح، ويدل على ذلك رهن نفقتها السنوية على مصر بعدم التوسع في زراعة القمح..
إن أمريكا تمارس تجاه بلدان العالم الثالث ما يمكن وصفه بسياسة حماية التخلف لإبقائها سوقاً استهلاكيةً لصادراتها، وحتى تظل يد أمريكا هي العليا ويد هذه البلدان السفلى..
إن العدالة الإلهية قد أودعت في الأرض من الكنوز والثروات ما يحقق الكفاية والرخاء للناس جميعاً، وإن الأرض رحبة لم تضق يوماً على سكانها، وما كان الله ليظلم الناس ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما مشكلات العالم إلا من صنع أيدي البشر ليذيقهم بعض ما كسبوا من الجشع والطمع واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا فلم يظلم بعضهم بعضاً لفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض..
إنه لمن العار على حضارة القرن الواحد والعشرين التي غزت الفضاء وقفزت إلى مستويات خيالية من العلم والتكنولوجيا ألا تحل مشكلة هذا العدد المهول من الفقراء فضلاً عن أن تكون سبباً في إيجادها، وإنه لا قيمة لحضارة تتقدم فيها المادة ويهان فيها الإنسان الذي هو سيد الكون. وإن كل هذه الحضارة المادية لا تعني شيئاً ما دامت عاجزةً عن إطعام الناس من جوع وتأمينهم من خوف، وما دامت هذه الحضارة قائمةً على الجشع بعيدةً عن الأخلاق والإنسانية فإنها تفتقد إلى مبررات البقاء، وتسير نحو الهاوية، وهي كما وصفها المفكر روجيه جارودي تحفر قبرها بيديها..
أليس غريباً بعد كل هذا أن يتساءل الغرب عن سر كراهية الشعوب لهم، وعن سبب انتشار العنف والإرهاب، ألا يحق لمن لا يجد قوت يومه أن يخرج على الناس شاهراً سيفه؟
والله أعلى وأعلم..

الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

غير المسلمين..هل هم كفار دائماً؟
أحمد أبورتيمة
هل هي ثنائية حتمية إما كفار وإما مسلمون..وهل كل من ليس معنا فهو علينا بالضرورة..هذه النظرة الحدية في التعامل مع الآخر بحاجة إلى مراجعة وتدقيق خاصةً في عصر يكثر فيه الحديث عن قيم التعايش والتسامح والتنوع الثقافي، ولا نقصد بالمراجعة أن نأتي بدين جديد يتناسب مع العصر، ولكن أن ننفض عن الدين ركام العصور وأن نرجع إلى المنهج القرآني الصافي لنقارن بين تعاليمه المجردة وبين تصوراتنا الذهنية المتراكمة عبر التاريخ والتي هي خليط من الصواب والخطأ.
لا أقصد في هذا المقال إصدار فتوى أو حكم قاطع في المسألة فالمسألة أكبر من تحسمها مقالة متواضعة، ولكن غاية ما أرجوه هو أن أنجح في إعطاء إشارات تحرك العقل وتلفت نظره إلى أبعاد جديدة، وتحرره من قيود النظرات المسبقة، والقوالب الجامدة.
لو تدبرنا القرآن لفهم معنى الكفر والكافر الذي يقصده الإسلام فإن كلمة الكفر ومشتقاتها تجيء في سياق الحديث عن تكذيب الإنسان بالآيات البينات والأدلة الواضحة واستكباره ومعاندته، ومن هنا جاءت عبارة (الكفر عناد)، وحتى في المعنى اللغوي فإن فعل (كفر) معناه التغطية والدفن، لأن الكافر يقوم بدفن الحق الذي يعلمه ويؤثر إتباع هواه والمعاندة، لذلك فالكفر هو سلوك غير عقلاني يقوم به الإنسان وليس قناعةً عقليةً، فلا نسمي المختلف معنا في قناعة توصل إليها بالتفكير الموضوعي المتجرد من الهوى بأنه كافر وهذا المعنى أستدل عليه من القرآن فالقرآن دائماً يذم الكفار بأنهم لا يتفكرون ولا يعقلون، فالمشكلة ليست في التفكير ولكنها في عدم التفكير ويوم القيامة يقولون "لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير"، ..فلو كان الكفر في الدنيا ثمرةً لاجتهاد عقلي لما قالوا هذه العبارة، ولكنهم قالوها لأنهم كانوا يتصرفون خلاف قناعاتهم العقلية التي كانوا يخفونها في قرارة أنفسهم:"بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل"، وتبرز حقيقة معنى الكفر في حديث القرآن عن آل فرعون الذين كانوا يعلمون الحق ولكنهم يجحدون به:"وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً"..
بهذا الفهم فإن الكفر والإيمان لا يتحددان إلا حين يتبين للإنسان الحق وتأتيه الآيات البينات فإذا سلم بها كان مؤمناً وإن أصر على الضلال وعاند واستكبر كان كافراً.
الكفر يكون بعد معرفة "فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به" أما من لم تبلغه الأدلة بعد فلم أجد في القرآن وصفاً له بأنه كافر، ربما تكون التسمية الأكثر دقةً له هي أنه ضال أو مشرك.فالشرك يمكن أن يكون نتيجة جهل، لذلك فإن القرآن يضع احتمالاً لهداية المشرك حين يتخلص من جهله فيقول "وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون"، ولا ينطبق نفس الشيء على الكافر لأنه قد عرف الحق فعلاً من قبل فجحد به ودفنه، ولذلك سمي كافراً.
ولأن الكفر لا يكون إلا بعد معرفة، فهذا يقتضي أن تكون هناك إشراقة عقلية في بادئ الأمر حين تتضح الأدلة الساطعة فيقتنع بها الإنسان اقتناعاً لحظياً لكنه ينتكس ويطفئ نور فطرته ويختار البقاء على الضلال. وهذا الاقتناع اللحظي يقيم الحجة على الإنسان لأنه عرف الحق، ولم تعد المشكلة لديه في نقص الأدلة، ولكنها في معاندته واستكباره..
ومثال هذه الومضة الإيمانية التي يطفئها الكافر نراها في قصة إبراهيم مع قومه حين أقام عليهم الحجة العقلية ببطلان أصنامهم.لنتأمل هذا المشهد التصويري: "فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ*ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ*"..إنها لحظة الصفاء والإشراق العقلي التي يعلم فيها الإنسان الحق، ولكنه ينكس بعدها على رأسه فتحق عليه الضلالة..
وجميع الأقوام التي يقص علينا القرآن خبر كفرها فإنه يصفها بالكفر بعد مجيء الأنبياء لهم بالآيات والدلائل، وليس قبل ذلك، أما قبل أن يأتيهم الأنبياء فقد كان الناس أمةً واحدة.
وقوم قريش مثلاً سموا كفاراً بعد أن استبانت أمامهم الطريق، ولم يسعهم في إحدى المرات حين سمعوا سورة النجم ووصل النبي إلى آخرها "فاسجدوا لله واعبدوا" إلا أن يخروا سجداً، وبذلك أقيمت عليهم الحجة في أنفسهم..
والقرآن يستعمل تعبير البلاغ المبين وهذه هي مهمة الأنبياء التي يجب أن يؤدوها قبل أن يحق على أممهم العذاب، والبلاغ المبين يعني أن يشرح لقومه الحقائق شرحاً مفصلاً لا تبقى معه شبهة إلا أزالها ولا حجة إلا ذكرها، فهو بلاغ بين واضح وضوح الشمس لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
والقرآن يقرر بوضوح أن الحساب والعذاب مشروطان بإرسال الرسل، فالله العدل لا يعذب إنساناً إلا بعد أن يتبين له الحق فيرفضه "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً"
إذاً فالمؤشر الدقيق الذي يعتمده القرآن لإطلاق كلمة الكفر هو التكذيب بالآيات البينات والدلائل الساطعة بعد مجيئها "بل كذبوا بالحق لما جاءهم" فإن لم يأتهم الحق أصلاً، فعلى أي أساس نسميهم كفاراً..
هذه الإضاءات القرآنية تفيدنا في التعامل مع واقع البشرية المعاصر، فهناك المليارات من غير المسلمين على وجه الأرض هل نعتبرهم جميعاً كفاراً لمجرد أنهم غير مسلمين..إذا افترضنا أن نسبةً منهم قلت أو كثرت قد عرفوا الحق ولكنهم لم يتبعوه عناداً واستكباراً، فماذا نقول في مليارات آخرين إما أنهم لم يعرفوا أن هناك إسلاماً أصلاً، أو أنهم سمعوا عنه بصورة محرفة مشوهة، فهو في نظرهم دين الإرهاب والفوضى والتخلف الحضاري فكيف يؤمنون بدين هذا ما بلغهم عنه..وعلى أي أساس نصفهم بأنهم كفار وهم لم تأتهم الآيات البينات بعد، ولم نقم بالبلاغ المبين تجاههم؟ وبأي مقياس نعتبر عجوزاً تقطن في أدغال أفريقيا أو مجاهل الهند كافرةً وهي لا تدري عن الإسلام أو القرآن شيئاً.
في إحدى المرات قال لي أحدهم مبرراً تكفيره للبشرية: لماذا لم يبحثوا عن الإسلام ويفهموا حقيقته؟ قلت له: وهل فكرت أنت مثلاً في يوم ما أن تقرأ في معتقدات الهنود، فكيف تطالب عجوزاً بالبحث عن الإسلام، ولا تسأل نفسك وأنت متعلم لماذا لم تفكر يوماً في البحث والقراءة للآخرين.قال: لأن ديني هو الدين الحق فلا حاجة لي في البحث في المعتقدات الضالة.قلت له صحيح أن ديننا هو الدين الحق، ولكن تلك المرأة العجوز تظن أن دينها هو الحق فلا ترى حاجةً للبحث عن دين آخر..
وحتى لا يكون نقاشنا جدلياً فإن ما يهمنا في هذا الموضوع هو الجانب العملي الإيجابي، والسؤال الإيجابي ليس هو لماذا لم يبحثوا عن الإسلام، ولكن لماذا نحن لم نذهب إليهم ونقوم بواجب البلاغ المبين، فنبين لهم حقائق الإسلام وأنه دين الرحمة للعالمين، ودين الحق والعدل والسلام..
إننا نحن الملومون والمحاسبون تجاه هذه الأمم التي لا تعرف حقيقة الإسلام، فبدل أن نكفرهم علينا أن نخطئ أنفسنا لأننا أعرضنا عن الآيات البينات التي تأمرنا بالدعوة وبالبلاغ المبين تجاههم..
كثيراً ما نسمع عن أناس من غير المسلمين يعتنقون الإسلام، وننشر هذه الأخبار بفرح وسرور، ولكنني سأستدل من هذه المسألة على شيء آخر، فهذا الذي يدخل الإسلام بعد أن يكون كافراً في نظرنا فإن إسلامه يعني أنه كان يملك القابلية للإيمان، وأن المشكلة لم تكن عناداً وكبراً، ولكن لأن الحق لم يكن قد تبين له فلما تبين له الحق أسلم له واتبعه..وإذا كان هذا الإنسان قد أسلم فور تبين الحق له فما الذي يمنع أن يكون مثله في قومه كثيرون يمتلكون هذه القابلية للإيمان وهم بحاجة إلى من يقوم تجاههم بواجب البلاغ المبين ليصيروا مؤمنين بالفعل..وهل يعقل أن نسمي من يمتلك قابليةً للإيمان كافراً..
إن هذا الفهم لقضية الكفر هو أكثر إنسانيةً وأنسب لخطابنا الحضاري في هذا العصر، فهو يحررنا من الشعور بالتناقض حين نتحدث إلى العالم عن التعايش والسلام ونبذ الكراهية والمساواة الإنسانية بينما نخفي في صدورنا أن هؤلاء كفار وأنهم أقل منا شأناً وأنهم إلى النار خالدين فيها وبئس المصير..أما حين نفهم الكفر فهماً إنسانياً خالياً من التعصب والانغلاق فإننا لن نكون في حرج، ولن يكون عندنا ما نخفيه عن الناس، فإذا سألنا أحدهم لماذا تكفرون الناس قلنا له إن الكفر في ديننا هو المعاندة والاستكبار والجمود الفكري، وهذه المعاني مذمومة إنسانياً لا يقبلها صاحب فطرة سليمة، حتى وإن كان غير مسلم ..
لعل ما شجعني على تناول هذه القضية هو استئناسي بآراء عدد من العلماء تنبهت منهم إلى هذا الفهم هم العالم السوداني الفاضل جعفر شيخ إدريس، والداعية الفاضل أحمد بن عبد العزيز بن باز والذين دعوا إلى مراجعة تعريف الكافر في ضوء هذه المعاني القرآنية.
لكنني رغم قوة الأدلة التي أجدها في هذه المسألة، ولأنني أتناول أمراً يخالف نظرةً شائعةً بين الناس فإن الأسلم هو الابتعاد عن أسلوب القطع فيه، لذلك لا أدعو إلى الأخذ بهذا الرأي بيقين ولكنني أعطي إشارات لتحرك العقل ولتنبه إلى إمكانية فهم جديد..ولعله كان مريحاً لي أن أصمت ولا أتناول مثل هذه المسائل، ولكن ماذا أفعل: لئن أبين فأخطئ أهون علي من أن أسكت فأكتم.
والله أعلى وأعلم..

الأحد، 26 سبتمبر 2010

ملهمة الأحرار

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

قبل سبع سنين قتلت ناشطة السلام الأمريكية ريشيل كوري في جريمة بشعة ارتكبها الاحتلال الصهيوني في مدينة رفح الفلسطينية التي قدمت إليها لتتضامن مع أهلها في مواجهة جرافات الاحتلال وهي تدمر بيوتهم وتشردهم في العراء..

لم يرحم الاحتلال ضعف ريشيل، ولم يراع أي اعتبار لخلق أو إنسانية أو قانون فسحقت جرافاته جسدها النحيل سحقاً، لا لذنب اقترفته إلا لأنها أجابت داعي الحق والعدالة وجاءت من أقصى الدنيا لتتضامن مع شعب مظلوم مقهور، ولتغسل شيئاً من العار الذي لطخ به بوش وإدارته اسم بلادها.

قتلت ريشيل لكن مقتلها لم يكن خسارةً لمبدئها الذي عاشت من أجله، فقد استطاعت برحيلها أن تفضح مدى بشاعة وجه الاحتلال وإجرامه ولا أخلاقيته، وإثبات أن كل المساحيق التي يحاول أن يجمل بها وجهه لا تخفي حقيقة وجهه القبيح وأنه لا يقاتل مجموعةً من الإرهابيين كما يزعم، بل إنه يحارب قيم الإنسانية والحرية والحياة التي كانت تمثلها ريشيل..

لا يسع المرء إلا أن يخشع أمام هذا النموذج الإنساني الرائع الذي قدم البرهان على أن البذل والعطاء لا تحده الحدود..فما الذي كان يجبر هذه الفتاة الأمريكية المنعمة في بلادها أن تترك حياة الرفاهية وتأتي إلى مخيمات البؤس والحرمان لتناصر شعباً لا يربطها به رابطة دين أو جوار أو قومية..

أتذكر وأنا أتابع سيرة راشيل الآية الكريمة "وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"..فهي مثال بأنه لا يزال في الأرض بقية من حق وعدل، وأن هناك من البشر من لا تزال قلوبهم تنبض بحب الخير والعدالة، لم تتلوث فطرتهم السليمة في زمن علت فيه لغة المصالح وحسابات السياسة وساد الجشع والطمع وانعدمت الأخلاق..

كانت راشيل وهي الفتاة العشرينية تستطيع أن تظل في حياة الرغد والرفاهية.. كان يمكنها أن تتصرف مثل الشباب الطامحين في بلادها فتسعى لتحقيق ذاتها عن طريق الجامعة أو تنضم لمؤسسة الفضاء أو تسعى لتكون مخترعةً أو تشق طريق الثروة والشهرة..كانت أيضاً تستطيع أن تناصر القضية الفلسطينية بالكتابة والأنشطة الثقافية من مكتب مريح في بلدها، وكان يمكنها أن تشارك بين الحين والآخر بمسيرات تأييد أمام البيت الأبيض دون أن تضطر إلى المجيئ إلى مكان يتهدده الخطر والموت من كل مكان..

لكن نداء الإنسانية المنبعث من أعماقها أبى عليها وهي ترى صور الأشلاء والدمار وتسمع آهات المعذبين إلا أن تشاركهم محنتهم وتتقاسم معهم لحظات الألم والصمود فخلعت عن نفسها دثار القعود والإخلاد إلى الأرض ونفرت إلى ميدان المعركة وهي لا تملك عدةً للمواجهة سوى قلب نابض بحب العدالة وإرادة تأبى التسليم بواقع الظلم والاستعباد.

لقد أدركت ريشيل أن الحياة موقف، وأنه لا معنى لها إلا بالجهاد في سبيل الحق والعدل والإنسانية، وأن حياة النعيم والترف لا تحقق إنسانية الإنسان..

صحيح أن الحياة من أجل المبادئ تجلب للإنسان المتاعب والصعوبات وتحرم جسده من الراحة والتنعم، وربما يفقد حياته في سبيل مبدئه، لكنها هي الحياة الوحيدة الحقيقية لأن الإنسان حينها فقط سيشعر بتحرر روحه من الأغلال، وسيشعر بلذة روحية لا تعادلها كل ملذات الجسد الفاني.

لقد فهمت راشيل هذه المعادلة جيداً، وعلمت أنه لا خير في حياة يتمتع فيها أناس بينما إخوة لهم آخرون من بني البشر يعانون ويتألمون، فحق لها أن تكون مفخرةً لبني الإنسان..

أليس جديراً بنا أن نتواضع أمام هذا المثال المشرق للعطاء بلا حدود

حين أفكر بالمقارنة بين أنموذج ريشيل وبين واقع الظلم والظلمات الذي تحياه الشعوب العربية فإنها تكون مقارنةً أليمةً بلا شك،فمن المفارقة أن فتاةً أمريكيةً ليس لنا عليها حق دين ولا جوار ولا قرابة رحم تسافر إلينا في سبيل قضيتنا وتتصدى بجسدها النحيل لجرافات الموت الصهيونية وتقدم حياتها دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، بينما إخوة لنا من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا لنا عليهم حق الدين والتاريخ والقومية واللغة والمصير المشترك يغرقون في حياة اللهو واللعب لا يبالون بما يصيب إخوانهم الذي يجاورونهم، هذا إذا لم يكونوا عوناً لأعدائهم عليهم..ألا تخشون أيها المتقاعسون أن تكونوا ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين..ألا تخشون أن تجري عليكم سنة الله فيستبدل قوماً غيركم من أمثال ريشيل ثم لا يكونوا أمثالكم.. أليس أولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله..

إن راشيل وأخواتها وإخوانها من أحرار العالم قد أقاموا الحجة على المخلفين القاعدين في بيوتهم الذين تنقضي سنين عمرهم وهم يتمتعون ويأكلون دون أن يقدموا لأمتهم أو للإنسانية شيئاً نافعاً

شتان بين من يذكره التاريخ في صفحات المجد والخلود، وبين من يكتب في سجل المتخاذلين القاعدين في أسفل سافلين..

لقد قدمت لنا تجربة ريشيل البرهان بأن الحرية والكرامة لا تحدها حدود دين أو لون أو عرق، فلنتواضع قليلاً ولنكسر كبرياء أنفسنا فنحن بشر ممن خلق، ومن قعدت همته عن تقديم العون لإخوانه فلا أقل من أن يشكر من يقدمه بدل أن يسلقهم بألسنة حداد لأنهم ليسوا على مذهبه ولونه، والله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً أياً كانت ملته "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون"..

لقد ظن الاحتلال حين قتل ريشيل بأنه سيقتل روح الإرادة الحرة في نفوس أحرار العالم ليخلو له الجو بعد ذلك فيواصل جرائمه كما يشاء.. لكن ظنه قد خاب.وهكذا هي قوى الظلم والاحتلال عبر التاريخ تقع في الحسابات الخاطئة، فيحيق بهم مكرهم السيئ من حيث لا يشعرون..إنهم لا يملكون أكثر من القمع والإرهاب..فيستعلمون أدوات إرهابهم ظناً منهم أنها توهن من عزيمة الأحرار، لكنها على العكس من ذلك فهي تزيدهم استشعاراً بضرورة الصمود والانتصار..وها هي ريشيل تنتصر على أصحاب الأخدود فيؤمن معها كل صاحب فطرة نقية محبة للخير، وتتنامى حركة التضامن الشعبية العالمية مع القضية التي قتلت من أجلها، فهي لا تزال حيةً في قلوب أحرار العالم يستلهمون منها معاني الحرية والعطاء..

إننا نراها قادمةً مع نشطاء السلام وهم يركبون البحار ويواجهون الأخطار ويصرون على خوض المواجهة مع آلة الاحتلال والعدوان لا يملكون سلاحاً في المواجهة سوى إرادة الحق والانتصار..

لقد سجل التاريخ مشهد المواجهة غير المتكافئة بين جالوت الظالم المدجج بالسلاح وداود الفتى الإسرائيلي الذي لا يملك سوى الإيمان والحجر..لكن الغلبة كانت للإيمان الأعزل على الظلم المدجج "وقتل داود جالوت"..

وها هو التاريخ يستعيد دورته، ويرتسم مشهد المواجهة بين داود وجالوت من جديد..لكن جالوت اليوم ليس هو جالوت الأمس..فقد أصبح جالوت نووياً يمتلك أسلحة الدمار الشامل..ولعل من سخرية التاريخ أن جالوت اليوم هو إسرائيلي بعد أن كان الإسرائيلي هو داود في الزمن الغابر..

ويقف داود الأعزل ممثلاً هذه المرة بنشطاء الحرية الذين لا يمتلكون أي سلاح سوى سلاح الحق والإرادة يواجهون بصدورهم العارية آلة الموت والدمار وهم يستلهمون من روح ريشيل التي حملت إحدى سفنهم اسمها معاني الحرية والإنسانية ويخوضون المواجهة، وينتصروا فيها ليسوءوا وجوه إسرائيل، ويكشفوا حقيقة كونهم مجرمي حرب، وليقدموا برهاناً آخر على قوة الإيمان في مواجهة الطغيان..

لقد تحولت ريشيل بعد رحيلها إلى كابوس يقض مضاجع الصهاينة ويلاحقهم في محاكم التاريخ والعدالة..

إن أصحاب المبادئ لا يموتون، وحين تصيبهم سهام الظلم تكون تلك هي اللحظة التاريخية الضرورية لبث روح الحياة في نفوس الشعوب..

سلام على الخالدين..