الثلاثاء، 21 سبتمبر 2010

الإنسان يصنع قدره

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

ظهرت فرقة في تاريخ المسلمين عرفت باسم الجبرية، تعتقد بأن الله هو الذي يخلق أفعال العباد وأن الإنسان مسير لا مخير..

هذه الفرقة وإن غاب اسمها في أحشاء التاريخ، إلا أن روحها لا تزال حيةً في قلوب أكثر المسلمين، بل أكثر الناس الذين يزعمون أن الظروف والأحداث هي التي تسيرهم، وأن أمواج الحياة تتقاذفهم لا يستطيعون ردها، وأنهم خيرون طيبون لولا أن الظروف اضطرتهم لئلا يكونوا كذلك..

ما يدفع الإنسان لمثل هذا الاعتقاد أنه يجد راحةً في إعفاء نفسه من تحمل المسئولية، وتعليقها على القضاء والقدر.فالاعتقاد بالجبرية يعني أن ما يواجهنا من مصائب لم يكن من كسب أيدينا، وأنها كما جاءت وفق المشيئة الإلهية على غير إرادتنا، فإن الخلاص منها لن يكون إلا بالمشيئة الإلهية وحدها دون أن نقوم بأي دور تجاهها وأنها ليس لها من دون الله كاشفة.

وبذلك تصير النظرة إلى الأحداث بأنها تقع بشكل عشوائي، كلسان حال الشاعر الذي قال (جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت ..ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت ..وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت)

وخطورة هذه النظرة أنها تلغي أي أهمية للجهد البشري، بل إنها تلغي إنسانية الإنسان وتحوله من الإنسانية إلى الشيئية يسير على غير إرادة وهدى، وما دامت هذه هي نظرة الإنسان للحياة فلن يكون هناك أي قيمة للسعي وللعمل، لأن الحياة تسير على نحو عبثي دون سنن وقوانين تضبطها، وحين يظن الإنسان أن العبثية هي التي تحكم الوجود فلن يكون هناك داع للعمل والأخذ بالقوانين، فالعبثية تلغي جدوى القانون.

إن هذا الظن هو وصفة للتكاسل والتواكل والسلبية، وللفساد في الأرض، فمن يظن أنه لا دور له فيما يصيبه من أحداث وأن أمواج الحياة تتقاذفه بخبط عشوائي فلن يراجع نفسه ولن يصلح عمله.

لقد ميز الله الإنسان عن غيره من المخلوقات بالقدرة على الاختيار "وهديناه النجدين"، ومبدأ الاختيار هو الأمانة التي عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، والاختيار في دلالته العميقة يعني أن الإنسان قادر على صناعة قدره بنفسه، فالله قد استخلفه في الأرض ومنحه القدرة على فعل ما يريد على أن يتحمل مسئولية اختياره، لذلك فإن الحساب والعقاب هو الوجه الآخر للحرية، وهذا هو تكريم الإنسان أن يختار ما يريد ويتحمل عاقبة هذا الاختيار: "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى".

وحين يتحدث القرآن عما ينتظر الإنسان سواءً في الدنيا والآخرة فإنه يربطها بعمله "جزاءً بما كانوا يعملون"

إن قدرة الإنسان على الاختيار يعني أنه مسئول عن نتيجة كل أفعاله، وأن كل ما يفعله اليوم سيلاقي نتيجته غداً، وإذا كانت أفعال اليوم هي التي تصنع حياة الإنسان في الغد، فإن واقعه اليوم أيضاً ما هو إلا صناعة الأمس، فإذا تساءلنا عن المصائب التي تواجهنا في حاضرنا:أنى هذا؟ فإن علينا أن نبحث عما قدمت يدانا، فهي لم تكن لتصيبنا إلا بما كسبت أيدينا: "قل هو من عند أنفسكم".

لكن أكثر الناس على اختلاف أديانهم وألوانهم بدل أن يلتفتوا إلى داخل أنفسهم فإنهم يبحثون عن أسباب مشكلاتهم خارج ذواتهم، ونقصد الذات هنا في جميع مستوياتها: الفردية، والجماعية، والحضارية، فالفرد يسب المجتمع والظروف لأنه فشل في حياته، والشعوب تحمل حكامها مسئولية الفساد والاستبداد، والعرب يحملون الغرب مسئولية خيبتهم وتأخرهم الحضاري، والغرب بدورهم يحملون العرب مسئولية الإرهاب والظلامية، ولا يفكرون بالأسباب التي قادت إلى هذه النتائج، وهكذا فإن كل حزب بما لديهم فرحون.

إن البشر يتقنون تبرئة النفس وتقديسها والعيش بنفسية الضحية وأنهم مظلومون مضطهدون، وحين تحل المصيبة بأحدنا فإننا نتعاطف معه بالقول إنه لا يستحق ما حدث له، وحين نتحدث عن تاريخنا نستفيض في وصف الجرائم التي قامت بها جيوش التتار تجاه عاصمة الخلافة، من جبال الجماجم وإحراق المكتبات، واسوداد نهر دجلة، وقتل الخليفة، ولكننا لا نبحث بجدية في حياة الخليفة الغارقة في الترف مما كان سبباً في تجرأ التتار على غزو ديارنا .

ونفس المنهج في حديثنا عن تاريخنا المعاصر فنرسم صورةً ورديةً بأننا كنا نعيش بأمن وأمان وادعين مسالمين، وفجأةً نزلت علينا البلايا من السماء، وغزانا الاستعمار، وأقيمت إسرائيل على أنقاضنا..

لكن القرآن قد جاء بفكرة انقلابية تنسف هذه المفاهيم السائدة، فهو لا يقر نفسية الضحية، وعلى العكس من ذلك يرسخ فكرةً غير مألوفة بين البشر وهي فكرة (ظلم النفس)، والبشر يتحدثون عن ظلم كل أحد لهم إلا ظلمهم لأنفسهم وهو الظلم الرئيسي الذي يركز عليه القرآن دائماً "وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم"، "وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون"، "ظلمنا أنفسنا"..

إننا نحن المسئولون عما يواجهنا من مصائب لأن الله قد أعطانا القدرة على الاختيار، ونحن الذين نملك أن نصنع الحياة بالطريقة التي نريدها فحياتنا من صنع أفكارنا، ولا يتغير واقعنا إلا إذا غيرنا الأسباب التي قادت إليه "حتى يغيروا ما بأنفسهم"..

إن القرآن يبرز دائماً المسئولية البشرية في كل ما يصيب البشر، ففي قضية الإيمان والكفر، والهدى والضلالة يبين أنها ليست عشوائيةً فالله لا يضل إنساناً إلا إذا اختار هو الضلالة "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً"، "قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مداً"، وفي المقابل إذا صدق إنسان في البحث عن الهداية ورغب في اتباع الحق فإن الله سيوفقه في ذلك "والذين اهتدوا زادهم هدى"..

الإنسان هو الذي يبدأ، والله يعطيه ما يريد ، فهو مخير لا مسير.

إن الإسلام يعزز دور الإنسان في اختيار قدره بدعوته على الالتفات إلى داخل نفسه لتغيير واقعه، فهناك في الإسلام مبادئ مثل الاستغفار والدعاء ينبغي ألا نفهمها بالطريقة التعبدية وحسب، بل لها دلالتها الفلسفية العميقة، فالاستغفار يكون لتدارك أخطاء الماضي حتى نتجنب آثارها المستقبلية، فهي محاولة للتأثير في المستقبل، والدعاء كذلك بمعناه الإيجابي أن الإنسان يحاول أن يستجلب شكلاً معيناً للمستقبل وأنه يستطيع أن يرد القدر بالقدر فلا جبرية أو حتمية (لا يرد القضاء إلا الدعاء)..

هل لنا أن نفهم السر الذي يميز قصة قوم يونس في القرآن الكريم عن غيرهم من الأقوام..إنها تمثل برهاناً على أن البشر يستطيعون بأنفسهم أن يصححوا مسار التاريخ، فهلاك الأمم ليس حتميةً تاريخيةً، ولكنه اختيار قابل للتعديل إن هم تابوا ورجعوا إلى الطريق الصحيح، هذه لفتة استفدتها من المفكر السوري جودت سعيد.

إن إرادة الله الغالبة لا تنفي دور الإنسان في صناعة القدر، نحن نعلم أنه لا يكون إلا ما يريد الله ولكننا لسنا مطلعين على علم الله حتى نتحرك بناءً عليه، فنحن حين نعمل فإننا نعمل وفق اختيارنا وليس بناءً على معرفتنا باختيار الله، وما نصنعه في النهاية يكون هو إرادة الله، فنحن نتحرك ضمن قدر الله ولا نلغيه، فنفر من قدر الله إلى قدر الله، إن المرض والهزيمة والفقر أقدار إلهية ولكن العافية والنصر والغنى هي أقدار إلهية أيضاً، والسعي لتغيير الحال من هزيمة إلى نصر، ومن مرض إلى عافية هي أقدار أيضاً..

إن الإسلام يذهب بعيداً في إعلاء قيمة الدور الذي يستطيع الإنسان أن يقوم به في صناعة قدره حتى يشمل ذلك الدور أموراً تفصيلةً نظن أنَّ أحداً من البشر لا يستطيع التأثير عليها، وأنها قدر إلهي محض لا نملك تغييره، مثل الطريقة التي سنموت بها، وهذا ما توضحه قصة الأعرابي الذي ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أنه اتبعه على أن يصاب بسهم في حلقه فيخرج من نحره فكان الجواب النبوي: إن تصدق الله يصدقك ، وهو ما كان له فمات بالطريقة التي يريدها بالضبط، ونفس المعنى في الحديث أن صدقة السر تقي مصارع السوء أن الإنسان يملك بعمله أن يختار طريقة موته.

إذا كان الإنسان يمكن أن يبلغ درجةً يختار فيها حتى طريقة موته، وإذا كان هناك من عباد الله الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره، فهذا يعني أنه لم تعد هناك دائرة للغموض والقلق والعشوائية في هذه الحياة، وأن الإنسان يملك أن يمسك زمام قدره بيديه، وهذه هي قمة التكريم الإلهي للإنسان الذي نفخ فيه من روحه، وكون الإنسان فيه نفخة إلهية فهذا يعني أن فيه أثراً من صفات الله، وكما أن الله يفعل ما يريد، فإنه قد أعطى للإنسان القدرة على أن يفعل ما يريد، طبعاً في حدود بشريته وعبوديته "وما تشاءون إلا أن يشاء الله"..

وكما ذكرنا مثالاً من المستوى الفردي فإننا نذكر مثالاً آخر من المستوى الجماعي وهو قول الله عز وجل:"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض"، والمعنى أن الإنسان يستطيع أن يؤثر في الظواهر الطبيعية بتغيير رصيده النفسي..وبذلك تصير الطبيعة مسخرةً للإنسان، ويكون مسيطراً عليها بدلاً من أن يكون تائهاً حائراً مصدوماً أمام غضبها كما هو حاله اليوم .

جميل أن خبراء التنمية البشرية أدركوا جانباً من هذا المعنى الإيجابي للقدر فخرجوا لنا بقانون الجذب الذي يقول في خلاصته أننا نحن الذين نختار مستقبلنا إيجاباً أم سلباً، نجاحاً أم فشلاً..

إن هذا الفهم الإيجابي للقدر يؤكد لنا أن الحياة لا تسير على نحو غامض فتشقينا يوماً وتسعدنا آخر، أو أن الحظ يبتسم لنا يوماً فننجح، ويتجهم آخر فنفشل، ولكننا نعيش وفق اختياراتنا، وبذلك نتحرر من أغلال السلبية والتواكل والتكاسل، وتنطلق طاقاتنا باتجاه التغيير لبناء مستقبل أفضل..

والله أعلى وأعلم..

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

تمزيق المصحف وتمزيق الأمة

أحمد أبورتيمة

abu-rtema@hotmail.com

ثارت ثائرة الثائرين حين أعلن شخص معتوه لم يكن العالم يسمع به قبل أيام قليلة فقط عن اعتزامه إحراق المصحف، وتعامل البعض مع هذه الخطوة وكأنها تهدد بناء الإسلام بالانهيار، وكأن إحراق أوراق المصحف سيؤدي إلى شطب القرآن من الوجود.

أغلب الظن أن هذا القس والذي وصفته ابنته بأنه فقد عقله، والذي يقل عدد مرتادي كنيسته عن الخمسين شخصاً أعلن عن هذه الخطوة طلباً للشهرة وهو الهدف الذي نجح في تحقيقه بامتياز، ساعدته في ذلك آلة إعلامية جبارة كل همها هو الإثارة فحسب دون أي استشعار للمسئولية، كما ساعده بعضنا من حيث لا يدري بإعطائه أهميةً لا يستحقها، وحين يرى شخص يعاني من اضطرابات نفسية تظاهرات تخرج ضده فإن ذلك لن يكون مصدر إزعاج له، بل إن تلك التظاهرات ستشبع نفسيته المريضة وستشعره بالنشوة وستخلق لديه إحساساً بأنه شخص ذو قيمة وتأثير، وأنه صار قاهراً للأعداء..

يحق لذلك القس-والذي تعمدت ألا أحفظ اسمه لأن هناك ما يكفي من الأولويات لأشغل بها حيزاً من ذاكرتي- يحق له بعد اليوم أن يفتتح معهداً للتدريب على كيفية نيل شهرة عالمية في أقل من أسبوع، وأتوقع له نجاحاً كبيراً في أوساط جمهور فارغ باحث عن الشهرة.

لكم أن تتصوروا لو أنه قام بفعلته بعيداً عن كل هذا الصخب والضجيج، وأن أحداً لم يعره أي اهتمام هل كان سيضر الإسلام شيئاً، وماذا علينا لو امتثلنا للهدي القرآني فأعرضنا عنه "وأعرض عن الجاهلين"..

إن الكرة الأرضية يسكن فيها ستة مليار إنسان ولن تعدم بين هذا العدد المهول حاقدين ومرضى نفسيين، ولن نستطيع أن نجمع الناس على عدم الإساءة إلى رموزنا، وكما قال الشاعر لو كل كلب عوى ألقمته حجراً لأصبح الصخر مثقالاً بدينار، فالحل الأمثل في التعامل مع هؤلاء هو التجاهل والإعراض، لأن الرد عليهم سيغري مزيداً من السفهاء باقتفاء أثرهم لتحقيق ما حققوه من شهرة وإحساس بالأهمية، وهذا ما نراه من الموجة المجنونة الحالية من الإساءة لرموزنا التي تجتاح العالم .

إننا نقع في ذات الخطأ الذي وقعنا فيه أثناء أزمة الرسوم الساخرة، فنصنع من أشخاص تافهين أبطالاً في نظر شعوبهم، في أزمة الرسوم المسيئة حوَّلنا شخصاً مجهولاً في بلد مجهول إلى أشهر من نار على علم فأحرقنا صوره في التظاهرات ونشرناها في المواقع الالكترونية وفي الفضائيات فصار موضع ثناء وإعجاب عند قومه ينال الأوسمة والجوائز من المؤسسات والزعماء الغربيين وآخرهم المستشارة الألمانية.

لكن وللاستدراك فإنني أسجل شهادةً بأننا كنا هذه المرة أقل انجراراً إلى الاستفزاز، فآثر كثيرون التجاهل وعدم إبداء أي اهتمام تجاه الحادثة لكن كثيرين في المقابل لم يتعلموا الدرس بعد فكانت هذه الكلمات ذكرى وموعظةً لهم.

إننا نخطئ حين نقلب الأولويات ونحشد طاقات الأمة في معركة جانبية بينما نغفل المعركة الرئيسية، وكأن مشاكلنا بدأت للتو مع أمريكا بفعلة ذلك الشخص مع أنه من المهين بحق أمة يبلغ تعدادها مليار ونصف مليار إنسان أن ينجح فرد واحد أو مجموعة أفراد باستفزازها واستثارة غضبها..

إن حقيقة مشكلتنا مع أمريكا ليست في هذه الحادثة، ولكنها في سجلها الأسود الحافل بالظلم والإجرام ضد الإنسانية..

إن مشكلة أمريكا ليس مردها إلى هذه الأفعال الصبيانية، ولكنه في سياساتها الداعمة للكيان الصهيوني على أرضنا، وفي نهب ثرواتنا وحمايتها لأنظمة القمع والاستبداد الجاثمة على صدورنا..

لعل من موافقات القدر أن يتزامن هذا الصخب حول إحراق المصحف مع تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية تبشر فيها بانقسام السودان وتوحي لسكان الجنوب بالتصويت لصالح الانفصال بالقول إنه صار أمراً محتوماً، وبينما نحن مستنفرون إلى آخر مدىً في معركة إحراق المصحف فإن هيلاري بدأت بتقسيم الغنائم قبل بدء المعركة وأخذت تتحدث عن ثروات جنوب السودان ونفطه.

هذه المواقف الأمريكية الرسمية الساعية إلى تفكيك المفكك وتجزئ المجزأ من بلادنا لم نجد فيها ما يستفزنا ومرت دون أي موقف رافض مع أنها أخطر بدرجة لا تقارن من تصرفات فردية رعناء أقدم عليها شخص أرعن.

فبينما لا يملك ذلك القس أكثر من قلب أسود معبأ بالكراهية ، وبعض التصرفات الصبيانية، فإن أمريكا الرسمية التي تمثلها هيلاري تسخر كل إمكانياتها الجبارة ومخططاتها، ومكر الليل والنهار في خلق وقائع عملية ملموسة تعزز واقع الضعف والتفكك العربي وتجهض أي محاولة للنهوض.

ولأن أمريكا الرسمية أكثر دهاءً ومكراً من بعض مواطنيها المعتوهين فإنها غير معنية بمثل تصرفات القس التي لا تحقق لها أي مصلحة سياسية لذا وجدنا إدانةً لها. وقد جاءت إدانته على لسان الوزيرة هيلاري كلنتون أيضاً، فما دام تنفيذ المخططات جار على قدم وساق فلا ضير من إظهار احترام الأديان والمقدسات، حتى تظل الأمة في سباتها العميق، فإسكات مثل هذه الأصوات المتطرفة هو مصلحة لمشروع الهيمنة الأمريكي قبل أن يكون مصلحةً للأمة.

إن تمزيق الأمة أخطر ألف مرة من تمزيق أوراق المصحف على بشاعته، وإن انتصارنا للقرآن لا يكون بردود أفعال عاطفية هوجاء ولكن بإحياء معانيه في حياتنا فنعتصم ونتوحد ونجاهد الظلم ونسير على الصراط المستقيم الذي دعانا إليه.

لقد مزقنا القرآن قبل أن يمزقوه باتخاذه مهجوراً وبتعطيلنا للطاقة الحضارية الهائلة التي يحتويها ولو قمنا بواجبنا تجاه القرآن حق القيام لاختلف حال العالم وتغير وجه التاريخ..

متى نفقه أولوياتنا ونتجاوز حالة ردود الفعل العاطفية إلى الجهد الواعي المنظم لننهض بواقعنا، ونوجه بوصلتنا إلى وجهتها الصحيحة فلا ننحرف عن المعركة الرئيسة إلى معارك جانبية يفرضها علينا أشخاص تافهون..

"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب وألقى السمع وهو شهيد"..

والله تعالى أعلم..

الثلاثاء، 7 سبتمبر 2010

الزيف الضارب في مجتمعاتنا
أحمد أبورتيمة
حين يغيب الصدق والوضوح من حياة الناس تطغى المجاملات الرخيصة والنفاق، وحين يكون الجوهر فارغاً والعمل الحضاري الفاعل معدوماً يرتدي الإنسان أردية الزيف والتكلف في محاولة لتعويض نقصه الداخلي..
هكذا هو حال كثير من أفراد مجتمعاتنا..يعيشون حياة الزيف والمظاهر الكاذبة، ويغيب عنهم الصدق والمكاشفة والجدية.
مواقف كثيرة نلمسها تكشف حقيقة هذا الصنف من الناس، هذه المواقف وإن كنا نحسبها هينةً ونرى أنها لا تستحق التعليق إلا أنها مؤشر على طبيعة مكونات شخصيات أصحابها..
لعلنا جميعاً تعرضنا لهذا الموقف حين نستقل سيارة أجرة، يتفق أن يعرف السائق أحد الركاب، وربما تبدأ المعرفة للتوّ في السيارة أثناء تداول الحديث في الشأن العام، وبعد أن يشبعا قضايا الأمة تعليقاً وتحليلاً يحين موعد دفع الأجرة فيمد الراكب يده بالأجرة، وبدلاً من أن يتعامل السائق مع الأمر ببساطة ويأخذ الأجرة التي هي مصدر رزقه فإنه يصر على ارتداء ثوب من التكلف المقيت والادعاء الزائف فيقول للراكب:خلّي علينا، ولأن الراكب بدوره يعلم أن طلب السائق هزل وما هو بالجد فإنه يجاري السائق فيقسم بالله عليه أن يأخذ أجرته، ويحلف السائق بالطلاق من امرأته أن يخلي الراكب الأجرة عليه..وبعد سلسلة من الأيمان المغلظة والأخذ والرد تنتهي المسرحية المملة كما هو مرسوم لها ويأخذ السائق أجرته ويرجع الفكة.وينزل الراكب لتبدأ المسرحية مع أشخاص آخرين في دورة لا تنتهي من الزيف والتمثيل.
واللافت أن نفس السائق الذي يظهر كرماً في غير موضعه هو الذي يزاحم السائقين بعد قليل وربما تسبب في حادث مروري من أجل أن يسبقهم إلى راكب واحد من على الطريق مما يؤكد أن ادعاء الكرم كاذب.
ولو حصل افتراضاً أن الراكب صدق دعوة السائق وأخذ بظاهر النص وأعاد النقود إلى جيبه لظل السائق طوال الطريق وصدره يغلي غيظاً وغضباً ويؤنب نفسه على هذه الصفقة الخاسرة وهو يعلم أن أحداً لم يجبره على هذا التصنع.
وهكذا فإن ارتداء الإنسان للباس مصطنع غير لباسه وبعده عن التلقائية يدخله في تناقض وصراع ويجعل صدره ضيقاً حرجاً.
أحياناً حين أتعرض لمثل هذا الموقف أتعمد إحراج السائق لأنني أعلم بأنه لا يعني ما يقول فأقول له مبتسماً إذاً لماذا تعمل في هذه المهنة ما دمت لا تريد أن تأخذ الأجرة.
ونحن لم نذكر السيارة إلا على سبيل المثال، لأن نفس السلوك تجده في مختلف التعاملات التجارية في الأسواق والمحلات التجارية، فالجميع يتصنع ويتكلف، والوضوح والبساطة لا تجدها إلا قليلاً.
من أمثلة الزيف والتكلف أيضاً أن يعزم أحدهم صديقه إلى بيته أثناء سيرهما في الطريق ويقسم عليه أن يتناول الطعام عنده، وهو يعلم في قرارة نفسه أن وقته غير مناسب لهذه الدعوة الحاتمية، فربما كان متأخراً عن عمله وربما كان مرهقاً بحاجة إلى قسط من الراحة، فلو حل صديقه ضيفاً عليه لكان من ذلك في حرج، ولضاق صدره بصديقه،وكان الأولى به إن كان صادقاً أن يشيعه بكلمة طيبة وابتسامة صادقة ولا مانع أن يدعوه إلى وقت أفضل..ويبلغ التصنع ببعضهم أن يدعو صاحبه إلى بيته أثناء الانصراف من صلاة الفجر أو في وقت متأخر من الليل وهي أوقات لا تصلح فيها زيارات المجاملة.
ولأن الزيف شاع وانتشر فقد تشوهت علاقاتنا الاجتماعية وتحولت إلى علاقات صورية باهتة نزعت منها روح الحياة، فهي أقرب لتأدية طقوس روتينية منها إلى استشعار الروح، وهذا ما نراه جلياً في ولائم الأفراح التي يكثر فيها البذخ والترف ويثقل صاحب الوليمة كاهله بالاستدانة حتى يقال جواد كريم، مع أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها وكان يكفيه أن يولم بشاة دون حرج، وتبدأ الجموع الغفيرة بالتوافد لأداء الطقوس، ويقف أمامهم شخص يمسك في يده كراساً وقلماً، أما وظيفته فهي أن يسجل اسم كل واحد من الحاضرين وأمامه نوع الهدية التي أحضرها ولا يخجل إن تعذر عليه معرفة أحدهم أن يبادر إليه ليسأله عن اسمه، بل إن الحاضرين وهم يشاركون في إخراج المسرحية يتعمدون إظهار أنفسهم أمام هذا الشخص حتى يسجل أسماءهم ولا يضيع مسعاهم سدىً، فإذا انقضت الوليمة حفظ السجل في مكان أمين ليرد لكل صاحب هدية هديته بالضبط في المستقبل، فهي في حقيقتها لم تعد هدايا للمحبة ولكنه دَين واجب الأداء، فحتى لو كنت فقيراً معدماً لا تجد قوت يومك فإنك يجب أن تستدين لتعيد للغني هديته التي أهداها إياك، وإلا فإنك لا تعرف في الأصول والذوق، وربما تسبب عدم رد الهدية بخصومة وكراهية مع أن العدل هو أن يعطي كل إنسان حسب استطاعته فالقضية ليست سداد دين، وإن لم يستطع فما عليه من حرج "لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله".
بالتأكيد فإن ما تقدم ليس دعوةً للبخل، ولكن أن يكون الكرم نابعاً من إحساس داخلي ورغبة ذاتية لا أن يكون متكلفاً مصطنعاً وخالياً من الروح.
ولأننا نتحدث عن الزيف والشيء بالشيء يذكر فقد شهدت موقفاً ينصح فيه رجل رجلاً بأن يلتزم دوره في الطابور فما كان من ذلك الرجل ومن باب التخجيل الذي يتقنه الزائفون إلا أن عرض على ذلك الناصح أن يأخذ دوره في الطابور معقباً بمجاملة رخيصة بأن أكثر ما يهمه هو رضا ذلك الرجل (وإنه ما يطلعش زعلان)، وهذا إسفاف بالقيم، فالقضية ليست شخصيةً حتى يهمه رضا ذلك الشخص أو غضبه، ولكنها قضية مبدأ ينبغي أن يحترمه الإنسان رضي عنه من رضي وسخط من سخط.
رب قائل يقول:لماذا التركيز على هذه الأمور البسيطة، لماذا التعقيد والتحبيك (خذوا الأمر ببساطة)، ولكنني أقول إن هذه السلوكيات البسيطة تدل على ما هو أكبر، فهي تكشف عن خلل في بناء المجتمع، ومن يتربى على المجاملات الكاذبة والتكلف في مواقف صغيرة فإن حياته كلها ستصير زيفاً ونفاقاً.وخطورة الزيف أنه يصنع شخصيةً زائفةً لا تحترم نفسها ولا تزن كلمتها، والصدق الذي أمرنا الإسلام به عميق فهو يبدأ بالصدق مع النفس قبل الصدق مع الناس، والصدق مع النفس يعني أن يكون ظاهر الإنسان كباطنه لا يخفي في قلبه البغضاء بينما يظهر الابتسامة الكاذبة والمجاملة الرخيصة للناس..
وحين تطغى في حياتنا المجاملات الشخصية فإن ذلك يكون على حساب الحقيقة ومصلحة المجتمع، فيرى الإنسان الخطأ أمامه ويظل أخرس لا يتكلم لأنه لا يريد أن يخسر صديقه، بل يجامله كذباً ونفاقاً ويؤيده في موقفه تجاه خصمه، ولو قلبت الأدوار وكان صديقه في موقف الخصم لجامله أيضاً، ونحن نستطيع أن نكون بين ذلك قواماً فلا نخسر أصدقاءنا، وفي ذات الوقت لا نخسر مبادئنا وهو الأهم، فننقد أخطاءهم بالقول اللين أو بالتلميح، وأضعف الإيمان إن لم نقل خيراً أن نصمت ولا نجامل نفاقاً..
إن حل المشكلات يتطلب مواجهةً صريحةً بعيدةً عن المجاملات الشخصية، وما لم نغلب المصلحة العامة ونعتمد الأسلوب الموضوعي المتجرد فإن أحوالنا ستظل في تأخر وتراجع مستمر..
أما المجاملات السخيفة فهي تعزز المشكلات بدل مواجهتها وحلِّها وبذلك يمضي المجتمع قدماً نحو الهلاك.
إن الزيف والتكلف يفسد الفطرة السليمة ويخلق ازدواجيةً في الشخصية وتناقضاً بين الظاهر والباطن مما يولد اضطراباً وتشويشاً داخلياً ينسي الفرد هويته ويفقده ذاتيته.
إن التلقائية في الأقوال والأفعال والتعبير عن الذات بطريقة مباشرة سهلة هو الذي يهدي الإنسان إلى الإيمان إذ أن صدقه مع نفسه سيدفعه إلى التسليم بالآيات والبراهين حين يتبين له أنه الحق، كما أن التلقائية تكشف الإبداع الكامن في النفوس وتنميه، ولا يمكن لإنسان أن يكون متصنعاً متكلفاً، ويكون في ذات الوقت مبدعاً مجدداً، لأن الإبداع هو التعبير عن الجوهر، والتكلف يلبس الإنسان أقنعةً تمنعه من التعبير عن نفسه.
ما أحوجنا إلى أن نربي أنفسنا على الصدق والصراحة والمباشرة والتلقائية في كل معاملاتنا صغيرةً أو كبيرة، وأن يكون الإنسان نفسه، وأن نجاهد أنفسنا ليكون ظاهرنا كباطننا، وألا نقول ما لا نفعل "كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون"، وألا نقول إلا حقاً وإن كنا مازحين.فإن الصدق يشرح الصدر فيشعر الإنسان بالتوافق الداخلي والانسجام مع ذاته ويتحرر من التناقض والتكلف ويخلع رداء الزيف والنفاق، وبذلك يتقدم ويرتقي ويركب طبقاً عن طبق صعوداً إلى ربه ، وتتفتح أمامه أبواب الإبداع والتفوق ويكون على خلق النبي صلى الله عليه وسلم "وما أنا من المتكلفين".
والله أعلى وأعلم..

الجمعة، 3 سبتمبر 2010

شكراً..كلامك رائع

لا أسعد كثيراً حين يعلق أحد الإخوة أو الأخوات على مقال لي بالقول: ما شاء الله ..كلامك جميل.. مقالاتك رائعة.. شكراً لك..

أحياناً يكون لمثل هذه العبارات دور إيجابي في إعطاء دفعة معنوية تساعد على المواصلة وتستفز لمزيد من الإبداع.
أما الإكثار منها والاقتصار عليها دون تجاوزها إلى جوهر الفكرة فإن ضُرَّه أكبر من نفعه
إن المجاملات وعبارات الثناء لا تضيف للفكرة جديداً وربما أصابت صاحبها بالغرور، وهنا يأتي سياق الحديث الشريف(احثوا في وجه المداحين التراب)..
ومما يؤسف له أن المواقع التفاعلية مثل الفيس بوك وغيره تساهم في تعزيز هذا الاتجاه السلبي، وذلك بابتكار تقنية (أعجبني هذا) فيصير دور القارئ مقتصراً على ضغطة زر لإبداء إعجابه بالموضوع دون مناقشة الفكرة أو نقدها..وفي هذا قتل لروح النقاش والتفكير، وتعزيز لثقافة الاستهلاك، فصرنا حتى في قرائتنا مستهلكين لما يكتبه الآخرون دون إنتاج..
إن ما نحتاجه هو أن نتجاوز لغة المجاملات وأن نتعمق في مناقشة الأفكار من أجل الخروج بحلول مفيدة لمشكلاتنا الاجتماعية..
إن المشكلات الاجتماعية لا تحل بعبارات الثناء والكلمات الإنشائية ولكنها تحل بالولوج إلى أصل المشكلة ومواجهتها والبحث الجاد المستفيض فيها.
حين ألاحظ أن تعليقات بعض الإخوة الطيبين لا تتجاوز الشكر والثناء فإنني أتأسف لأنني أشعر أنهم لم يفهموا ما أريد أن أقوله، وأنه لا يوجد لديهم ما يضيفونه أكثر من تطييب خاطري.
أما المثقفون حق الثقافة فإنهم يناقشون الفكرة ويثرونها.
إن نقد الفكرة وتخطيئها خير من الثناء الفارغ عليها.. لأن تخطيئ الفكرة يعني أنها فَهمت، ولا ضير بعد أن تفهم أن يتم تجاوزها، وفي جميع الأحوال سيكون لي فضل أنني نبهت إليها، أو شققت طريقاً جاء بعدي من يكمل السير فيه.
أما (شكراً كلامك جميل) فتعني أن القضية صارت مجاملات شخصية وتطييب خواطر لا أكثر
إننا بحاجة إلى تجاوز المظاهر الاحتفالية وأن نخرج من المظهر إلى الجوهر..
والله أعلى وأعلم..

الجمعة، 27 أغسطس 2010

عدالة القرآن

أحمد أبو رتيمة

تأملوا معي هذا المشهد الرائع من سورة النساء الممتد من الآية 105 إلى الآية 113

يقول الله في إحدى آياته:"ومن يكسب خطيئةً أو إثماً ثم يرم به بريئاً فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً"..

ربما يكون مفاجئاً للبعض بأن البرئ الذي تذكره الآية وكان سبباً في نزول هذه الآيات، هو يهودي كان يسكن في المدينة واتهم بالسرقة، فغار الله في سمائه وأبى إلا أن يحق الحق، فأنزل نحواً من عشر آيات بينات انتصاراً ليهودي، وماذا يعني أن يكون يهودياً، يعني ذلك أنه يكذب بالقرآن، القرآن ينتصر لمن لا يؤمن به أصلاً ويعاتب النبي صلى الله عليه وسلم على تصديقه لمن اتهمه "ولا تكن للخائنين خصيماً"

إن القرآن لم يصمت ولم يواري ويداري، ولم ينزل جبريل لينبه النبي في السر بأن اليهودي مظلوم، بل نزلت الآيات على الملأ تتلى إلى يوم الدين بأن اليهودي المكذب بالقرآن على حق.

إن هذا المشهد القرآني هو شهادة لدين الإسلام، فهو ليس عنصرياً ولا فئوياً بل هو رحمة للعالمين، وهو مبدأ إنساني عام لا يقدم أي اعتبار سياسي أو مصلحة فئوية على إقامة العدل..

لكن العدالة في القرآن لا تقف عند هذه الآيات، بل تمتد لتكون سمةً مميزةً له في جميع آياته وأحكامه، هذه العدالة لا تتأثر بخصومة وعداوة، فتجده منصفاً حتى مع الأمم التي أساءت إلى الله، ومن ذلك اليهود الذين قالوا في حق الله جل في علاه قولاً عظيماً، ومع ذلك ظل القرآن منصفاً لهم مبتعداً عن لغة التعميم فقال عنهم: ليسوا سواءً، وقال: منهم المؤمنون، وقال: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون..

بينما في واقعنا البشري إن اختصم أحدهم مع شخص من إحدى العائلات، ثم سئل عن تلك العائلة لقال: كلهم سيئون، إياك والتعامل مع أحد منهم، ونفس أسلوب إصدار الأحكام العامة نجده في التعامل مع الشعوب والأمم الأخرى وحتى مع الأحزاب السياسية حين تختلف مع بعضها فالحزب الآخر أفراده كلهم عملاء أو خونة وكل حزب بما لديهم فرحون.

التعميم فيه مجانبة للعدل، فليس من العدل أن نطلق صفةً عامةً على أمة أو شعب أو حزب أو عائلة، ولكن أسلوب التبعيض كما علمنا القرآن فمنهم ومنهم وهم ليسوا سواءً..

حتى في التعامل مع الشخص الواحد ينبغي أن نتحرر من النظرة الثنائية، فلا نتعامل مع الناس بأنهم إما ملك وإما شيطان، إما مقدس وإما دنس ولكن العدل أن نحكم على الموقف والعمل فنتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم، وإذا ظهر من الإنسان عمل سئ فهذا لا يعني أن نقطع أي صلة به، وأن نحكم عليه بالإعدام المعنوي وأنه لن يفعل في حياته خيراً قط، ولكن نرفض عملاً ونقبل آخر، والنبي صلى الله عليه وسلم لم تدفعه محاربة قريش له وإخراجه من بيته بأن يخرج عن شهادة العدل قيد أنملة فقال عن حلف الفضول الذي أنشئ في الجاهلية:لو دعيت لمثله في الإسلام لأجبت.

وكما أنه ليس من العدل شيطنة الخصم، فليس من العدل كذلك التعامل مع القريب بأنه ملاك كريم منزه عن الخطأ، فلا يعني أن يكون الإنسان موالياً أو صديقاً أو قريباً أنه معصوم وأن كل ما يصدر منه مبرر ويجب الدفاع الأعمى عنه، ونجد ذلك في هدي النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأبي ذر رضي الله عنه:إنك امرؤ فيك جاهلية، فكونه صحابي ومن السابقين إلى الإسلام لا يمنع انتقاده في موقف أخطأ فيه.

يخشع المرء حين يتأمل الأسلوب القرآني واتسامه بالموضوعية حتى في حديثه عن الشياطين التي هي رمز الشر فيتحدث عن تسخيرهم للعمل مع سليمان عليه السلام:{وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ}..هكذا "وكنا لهم حافظين" بأسلوب موضوعي دون التعريج إلى كونهم شياطين بينما إذا أراد كثير من الناس الحديث عن عدو له أكال سيلاً من السباب والشتائم والشيطنة له قبل أن تفهم جملةً مفيدةً تخبر عن الموضوع الذي يريد الحديث عنه..وهذا الأسلوب الموضوعي نجده جلياً في قصة بني إسرائيل في سورة الأعراف، ففي آيتين متتابعتين يثني في الأولى على صبر بني إسرائيل على أذى فرعون، وفي الآية التي تعقبها مباشرةً يتحدث عن قولهم لموسى عليه السلام:اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة..وكم هو عظيم أن يصل الإنسان إلى هذه الدرجة من العدل والصدق والموضوعية.

إن القرآن قد جاء برسالة العدل المطلق الذي لا يتأثر بقرابة أو عصبية أو حب أو كره، فالإنسان يقول الحق ولو على نفسه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا"

وهي درجة لا يبلغها الإنسان بسهولة بل تحتاج إلى مجاهدة وتدريب "وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ".

هذه العدالة القرآنية هي التي دفعت الصحفية البريطانية إيفون ريدلي إلى اعتناق الإسلام بعد خروجها من أسر طالبان عام 2001 ، وحين سئلت عن سبب ذلك وهي التي كانت تعد ذلك المستحيل بعينه فقالت: لقد درست القرآن فأذهلتني العدالة المطلقة فيه..

لكن هذا التباهي بعدالة القرآن لن ينفعنا في شئ وسيكون حجةً علينا لا حجةً لنا إن لم نستفد منه في حياتنا العملية فنوطن أنفسنا أن نكون قوامين لله شهداء بالقسط، فلا نؤثر العصبية والجاهلية والحزبية على شهادة الحق، ولا يجرمنا شنآن قوم على ألا نعدل اعدلوا هو أقرب للتقوى..

إن أمة الإسلام ينبغي أن تكون أمة مبادئ وإنسانية وليست أمة مصالح وأطماع وعصبية، وكل اعتبارات السياسة لا تبرر أن يظلم إنسان واحد، أو أن يسكت عن قول شهادة الحق على الملأ ولو كان فيها إدانة للذات و مصلحة للأعداء..

وبذلك نكون قد نلنا الأهلية الأخلاقية للتمكين في الأرض ليس بالقوة والإكراه والاستعلاء على الشعوب، ولكن بالعدل والكلمة السواء..

"والله يقول الحق وهو يهدي السبيل"..

الجمعة، 20 أغسطس 2010


في المعارضة حياة..

أحمد أبورتيمة-كاتب من فلسطين

abu-rtema@hotmail.com

في بلادنا العربية نضيق ذرعاً بكل من يعارضنا الرأي، ونعتبره خطراً يهدد وجودنا، ونظن أن أمارة الصحة والعافية هي ألا يسمع إلا صوت واحد ورأي واحد، وأن ذلك مؤشر على استقرار البلاد وأمنها..

هذه الطريقة في التفكير هي في بعدها النفسي العميق من أشكال الشرك الخفي الذي يناقض مبدأ التوحيد، لأن من يريد ألا يكون هناك معقب لحكمه، وأن يكون الأمر كله له ويظن أن رأيه هو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، فهو يظن أنه وصل إلى درجة الكمال، وهو بذلك ينازع الإله في صفاته، إن لم يقل ذلك بلسان المقال فبلسان الحال..وهذا يدل على أن كثيرين منا يعيشون في جاهلية وشرك..

التوحيد الحقيقي يعني أنه لا يوجد إلا إله واحد في السماء، أما من على الأرض فكلهم بشر يصيبون ويخطئون، وكونهم يخطئون فهذا يؤكد الحاجة إلى وجود من ينبههم إلى أخطائهم، وهذا هو دور المعارضة..

لذا فإن المؤمن الحقيقي بوحدانية الله وبقصوره البشري لا يضيق ذرعاً بوجود الرأي الآخر بل يرى فيه ضرورةً حيويةً لإكمال نقصه، فلو لم تكن هناك معارضة لبحث عنها وأوجدها بنفسه ليستفيد منها عملاً بقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي".

هذا الترحيب من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمعارضة لم يكن نظرياً فحسب بل نجد ذلك في سيرته العملية حين وقف أعرابي يعترض عليه في المسجد، فلم يسكته لأنه أفقه منه، ولم يزاود عليه بتاريخه النضالي في الغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم بل فرح بوجود هذا النفس المعارض، وحمد الله على الوعي المبكر من قبل الأمة بدورها تجاه الحاكم وقال كلمةً دخلت التاريخ: لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها..


إن دور الشعوب ليس هو التصفيق للحاكم والاكتفاء بعدّ مناقبه وإنجازاته فهذا يصيبه بالغرور، إنما دورها أن تراقبه وتنصح له وتحاسبه، والحاكم الراشد يرحب بهذه المعارضة ليس ترحيباً للمجاملات والعلاقات العامة وحسب، بل يستفيد منها في تقويم سلوكه وتحسين أدائه.

أما الذين يضيقون ذرعاً بالمعارضة فهم إنما يتبعون خطا ابن آدم الأول حين قال لأخيه "لأقتلنك"، وفي هذه الكلمة تلخيص لثقافة الإلغاء والإقصاء والرغبة في التفرد بالأمر.

إن المعارضة البناءة تكمل دور الحاكم ولا تناقضه لأنها من حيث موقعها في المعارضة ومخالطتها للجماهير ترى ما لا يراه الحاكم فتكون أكثر انتباهاً لأخطائه فرداً كان أم حزباً، أما الحاكم فإن انشغاله بمسئوليات الحكم يغرقه في التفاصيل فتغيب عنه رؤية الصورة الكاملة، وبذلك تقع الأخطاء والتجاوزات، فتكون الحاجة إلى وجود فرامل تضبط السير وتمنع الانزلاق نحو الهاوية..

أما في ظل غياب المعارضة فإن الأخطاء -وهي حتمية الوقوع كون الحاكم بشراً- لن تجد من يعالجها مما سيؤدي إلى تفاقمها وتراكمها حتى تصل بالمجتمع إلى الهلاك.

حتى لو كان للمعارضة أهدافها الحزبية من انتقادها للحكومة كما تتذرع بذلك الحكومات المستبدة لتبرير قمعها فإنه لا بأس في ذلك ما دامت هناك خطوط وطنية عامة يلتزم بها الجميع، ويمكن توظيف هذه الحزبية بشكل إيجابي لأن سعي المعارضة لتسجيل نقاط لصالحها يجعلها تنظر إلى أخطاء الحكومة بمنظار مكبر، وهذا شيء إيجابي، لأن تكبير الخطأ يساهم في التنبيه إليه، ومن ثم معالجته..

إن جدلية العلاقة بين الحكومة والمعارضة يمكن تلخيصها بالتعبير القرآني "أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى"..إذا ضلت الحكومة ذكرتها المعارضة بتسليط الضوء على أخطائها فتضطر الحكومة للتراجع إن لم يكن رغبةً فإلجاءً.

وإذا كانت فلسفة الوجود قائمةً على قانون الزوجية "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"، والتزاوج هو سبب النمو والتكاثر، فإن هذا الشيء ينطبق على زوجية الحكومة والمعارضة، فوجودهما معاً يؤدي إلى تطور المجتمعات ونموها، بينما الاستفراد يؤدي إلى الاستبداد والفساد.

إن وجود معارضة قوية فاعلة هو ضمانة للمجتمع تحميه من الاستبداد، والحاجة إلى المعارضة لا يلغيها أن تكون الحكومة راشدةً أو رشيدةً، فمهما بلغت كفاءة الحكومة فإن رأي الواحد ليس كرأي الاثنين مهما بلغت حكمة ذلك الواحد، ومهما كثرت إنجازات الحكومة المستبدة فإن ذلك لن يغفر لها الخطيئة الكبرى وهي مخالفة مبدأ الشورى والاستفراد في الحكم..

لقد قرر القرآن في أول سورة نزلت قاعدةً مهمةً تصلح أن نتخذها أساساً للحياة السياسية، وهي "إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"..فالأصل في الإنسان هو الطغيان وحب الاستبداد إلا من رحم ربك، والبيئة الاجتماعية هي التي تقاوم هذه النزعة أو تنميها، فإذا كانت تلك البيئة تشجع الاستفراد في الحكم وتعطي الثقة المطلقة للحاكم دون رقيب أو حسيب فإن ذلك سيشجعه على الاستبداد، كما يقول المثل العامي (المال السايب بيعلم السرقة)، والفرق بين حاكم غربي ديمقراطي، وآخر عربي مستبد ليس أن الأول هو أتقى وأخشى، ولكن لأن بيئة الحكم في بلاده لا تسمح له بإطلاق العنان لأهوائه، ولو تبدلت الأدوار وحكم بلداً عربياً لما اختلف كثيراً عن حكامها.

لذلك فلا رهان على تقوى الإنسان وإيمانه الفردي، لأن الفرد لا تؤمن فتنته، والضمانة الحقيقية للحكم الرشيد هي المشاركة السياسية وآليات الحكم الجماعي وتعزيز الشورى وتقوية المعارضة والتداول السلمي للسلطة..

إن مشكلة ثقافتنا العربية أنها تعزز الفردية في الحكم ، فيكثر عندنا استعمال تعبيرات مثل أن الحاكم الفلاني رجل طيب، وحتى في دعائنا فإن ثقافة الفردية هي المهيمنة فندعو الله بأن يهيئ للأمة قائداً ربانياً، وما ينقصنا قبل القائد الرباني هو الأمة الربانية، وحينها يكون هناك قادة ربانيون وليس واحداً، وهناك من يرى الحل في وجود خليفة، وثالث ينتظر المهدي المنتظر، ورابع يبحث عن صلاح الدين أو عن المعتصم، وكل هؤلاء يتفقون في تصورهم بأن الحل السحري سيأتي على يد فرد واحد ملهم وليس من خلال نظام حكم جماعي، ونصفق كثيراً حينما نقرأ قصة عن كرم أحد الخلفاء حين أمر بآلاف الدنانير لأحد الشعراء مكافأةً له على إحدى قصائده، ولا نتساءل عن آليات الرقابة والشفافية والمحاسبة، وأين كان دور الخزانة ووزارة المالية..كل هذه الأدبيات تكشف عن تغلغل ثقافة الفردية في مجتمعاتنا، وأننا لا نرى الحل إلا من خلال حاكم عادل مستبد..

إن الإسلام يفرض علينا أن نعدل حتى مع أعدائنا، وإننا ملزمون بالاعتراف للغرب بأنه سبقنا في هذا العصر بتعزيز آليات الحكم الجماعي والمحاسبة، وخير ما فعله في هذا المضمار أنه نزع الحكم من الأفراد، فالحاكم مهما علا قدره لا يزيد دوره عن موظف يؤدي وظيفته في خدمة شعبه بضع سنين، وإذا أخطأ فالمعارضة له بالمرصاد..

ربما نسمح في بلادنا العربية لوجود معارضة بصلاحيات محدودة، ولكن دورها أقرب إلى ديكور تجميلي للأنظمة المستبدة التي تضع لها سقفاً يحظر تجاوزه، وبذلك تفقد مضمونها فالمعارضة الفاعلة هي التي تذهب إلى آخر مدىً في معارضتها السلمية للحاكم، وليس من حقه أن يمنعها، بل يكون من حقها إخراجه من الحكم بطريقة سلمية، لا أن تكون معارضتها منةً من الحاكم، لأن الديمقراطية التي تعطى بقرار فوقي تنزع بقرار فوقي أيضاً، بل تكون نابعةً من إدراك بتساوي الحقوق العامة بين المعارضة والحكومة.

حين تتعزز في بلادنا ثقافة الشورى وآليات الحكم الجماعي وأجهزة المراقبة والمحاسبة والتدقيق وسيادة القانون على الجميع فإنه لن يختلف كثيراً أن يكون الحاكم ربانياً أو دون ذلك لأنه سيكون مقيداً بآليات صارمة تحاسبه على كل خطوة يخطوها، ومعارضة تترصد له كل حركة وسكنة، وإذا لم يثبت كفاءته في موقعه، فإن عليه أن يغادره ويخليه لمن بعده..ومفهوم الحاكم الرباني هو الذي يعمل وفق مبدأ الشورى والمشاركة والتناصح..

إن وجود حاكم متواضع الكفاءة في نظام ديمقراطي خير من وجود حاكم عبقري ملهم في نظام فردي، لأن الأول سيعوض نقصه توزيع السلطات ووجود آليات المحاسبة والتدقيق التي ستقيله بعد ذلك إن لم يؤد أمانته، أما الثاني فإن استفراده في الحكم سيدفعه غالباً إلى التقصير في أداء مهمته، واتباع أهوائه البشرية فيقرب من يحب ويبعد من يبغض دون اعتبار للمصلحة العامة، وبذلك يسير بالبلاد نحو الهاوية..

في بلادنا العربية نبرر قمع المعارضة بالتشكيك في مقاصدها أو المزاودة عليها بالتاريخ النضالي وخدمة الوطن، وهذا ليس إلا نتيجة جهل سياسي، لأن ما يهمنا هو الظاهر، فإذا كان احتجاجها في محله فإننا نستفيد منه في معالجة الخطأ وتدارك موطن القصور، وإن لم يكن في محله، رددنا على الكلمة بالكلمة وأوضحنا موقفنا للرأي العام بالحجة والبرهان..

إننا بحاجة ملحة إلى تعزيز ثقافة المعارضة في بلادنا العربية والسماح لكل ذي رأي بالتعبير عن رأيه بحرية مهما بدا ذلك الرأي سخيفاً أو لا يستحق المناقشة، لأن إيجاد أجواء من النقاش الحر تحت الشمس هو الذي يقضي على الجراثيم الفكرية، أما القمع والملاحقة فإنه سيوجد جواً غير صحي تفرخ فيه الأفكار المنحرفة التي ستنتج العنف والتطرف ..

إن الوطن ليس ملكيةً خاصةً لفرد أو حزب، ولكنه السفينة التي يركبها الجميع، وحين يخرقه أحدهم فإن الجميع مهدد بالغرق.لذا فمن حق الجميع أن يدلي بدلوه وفق ما يراه صواباً وخيراً للمجتمع .

والله أعلى وأعلم..


الأحد، 15 أغسطس 2010

لا تقتلوا الحب..

أحمد أبورتيمة-كاتب من فلسطين

abu-rtema@hotmail.com

بالحب تصفو النفوس، ويشيع السلام بين الناس، فيحيون إخوةً متحابين تنمو بينهم الطمأنينة والثقة، ويمسي أحدهم آمناً في سربه، وبالحب نغزو قلوب الناس ونملكها، ونهزم مشاعر الحقد والغل والكراهية، حتى في نفوس الأعداء فيتحولون إلى أصدقاء.

هذه الوصفة الناجعة نبهنا إليها القرآن الكريم فقال:"ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"، ونصح بها المسيح عليه الصلاة والسلام حوارييه فقال:أحبوا أعداءكم.

وهو لا شك أمر شاق على النفس أن تحب عدوها الذي يكن لها البغضاء، وبلوغ هذه الدرجة العظيمة بحاجة إلى مجاهدة ومكابدة طويلة، لذلك عقب القرآن فقال:"وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم".

وصول هذه المرحلة بحاجة إلى تصبر وتدرب شاق، على العفو عن الإساءة، والتماس العذر للمسئ، ومحاولة تفهم ظروفه، وتنقية القلب من الخواطر السلبية، حتى يصير أبيض كالثلج لا يحمل غلاً ولا ضغينةً لأحد.

وقد خاطب القرآن الصحابة مخبراً عن حالهم فقال:"هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم"، وفي هذا إخبار عن حال وقع فعلاً، وهذا أبلغ من الأمر بالمحبة "أحبوا أعداءكم"..كذلك صور القرآن حال الصحابة الذين قدموا أروع مثال لمحبة الإنسان لأخيه:"يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

حين يحب المرء عدوه فإنه يحرر قلبه من الأغلال والضغائن، ويتعالى عن الإخلاد لأثقال الأرض والطين، ويحلق في سماء الروح، وهذا الحب ينتج عن الفصل بين المريض والمرض فأنت تحب في الذي بينك وبينه عداوة النفخة الإلهية، والروح الإنسانية، دون أن يعني هذا الرضا والإقرار بجاهليته، كمثل الطبيب الذي يعمل للقضاء على المرض، ليس لأنه يكره المريض، بل إن دافعه في ذلك هو الرغبة في شفائه. وحين ترتفع أخلاق الإنسان فإنه ينظر إلى الناس في ضلالهم بأنهم مرضى يستحقون الشفقة والرأفة بحالهم فهو طبيبهم الحريص على علاجهم، ولا ينظر إليهم نظرة ازدراء وتعال أو كره ورغبة في التشفي والشماتة، هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم ذو الخلق العظيم، الذي بلغ به شدة حبه للناس وحرصه على هدايتهم أن تطلب الأمر جرعةً توازنيةً من الوحي حتى لا يهلك من شدة خوفه على قومه فينزل القرآن مخاطباً إياه:"إنك لا تهدي من أحببت"، ويخاطبه:"فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً"..

ونصوص الكتاب والسنة تفيض بهذه الدعوة السلامية، فالكلمة الطيبة صدقة، والقرآن يدعو إلى الأحسن في الفعل والقول "وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن"، "وقولوا للناس حسناً"، ولأن الإسلام حريص على إقامة المجتمع المتحاب المتماسك كانت هذه الطريقة الرائعة لإرساء المحبة بين الناس" "ألا أدلكم على شئ إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم".

وفي مقدمة الحديث أن المحبة هي شرط الإيمان، فإذا لم توجد المحبة فلا إيمان "لن تؤمنوا حتى تحابوا".

وقد كان منهج الأنبياء في دعوة أقوامهم أنهم يتوجهون إليهم بروح الأخ الناصح الأمين يخاطبونهم بلين وإشفاق "ياقوم إني أخاف عليكم"، وهذه الكلمات التي تتكرر كثيراً في القرآن لمن تأملها تنبض بالحب والرحمة والشفقة والحرص على خير الناس، فالمرء يخاف على من يحب..

إن هذه الروح الخيرة السلامية هي التي تجذب الناس وترقق قلوبهم، وتستثير كوامن الخير في نفوسهم، أما الخطاب الفظ الغليظ المتعالي فإنه يعمق الفجوة، وينفر الناس ويدفعهم إلى المعاندة والإعراض عن نداء الهداية، وبذلك يكون أصحاب المبادئ عامل طرد لا عامل جذب حتى وإن كانوا على حق.

إن الناس في زماننا هذا تحتاج هذه الروح النبوية الرحيمة. إنهم يبحثون عن مسحة حانية وقلب رحيم يشعرهم بالرغبة الصادقة في جلب الخير لهم..إن الخطب والدروس والكتابات الجافة المجدبة من العاطفة والرحمة لا تترك أثراً عميقاً في النفوس، إن الناس في هذا الزمان الذي طغا فيه الجشع المادي والأطماع السياسية تبحث عمن يعيد الاعتبار لإنسانيتها ويخاطب فيها أشواق الروح..

إننا في حديثنا مع الناس، في المقالة والمحاضرة والمناقشة مطالبون بأن نبتعد عن الحديث الجاف، وأن تكون كلماتنا حيةً تنبض بالحب والسلام، وتحفر في الوجدان، أن نتحلى بمنهج "ياقوم إني أخاف عليكم".

حتى حين نختلف في الرأي ونختصم في السياسية ألا نفجر في الخصومة، فلا يغيب من حديثنا التسامح واللين في القول، وأن نتجنب استعمال الكلمات التصادمية العنيفة، بل نستعمل الكلمات التقريبية التأليفية، وإذا انتقدنا فبسهولة ورفق بعيداً عن التجريح والاتهام والفحش في القول، فما دخل الرفق في شئ إلا زانه وما نزع من شئ إلا شانه.

إن المعاملة الحسنة والكلمة الطيبة والدفع بالتي هي أحسن هي التي تهزم الشر في النفوس فينقلب العدو إلى ولي حميم.

الخطاب اللين الرحيم يقضي على بذور الكراهية، ويجهض التفكير الشرير في مهده. ويرفع الغطاء الأخلاقي عن الذين يتربصون بالمجتمع السوء، فيعزلهم عن الوسط المحيط، وبذلك يصعب عليهم مهمة تنفيذ مخططاتهم الشريرة، أما الخطاب الذي ينضح بالعنف والقسوة فإنه يوفر لهم المبرر الذي يستندون إليه في تنفيذ مكائدهم، ويهيئ البيئة المناسبة التي تفرخ العناصر المتطرفة التي تمارس العنف.

إن لغة السباب والشتائم وتقاذف اللعنات وشيطنة الخصوم، وهي موجودة مع الأسف في فضائياتنا وصحافتنا، لن تقنع أحداً بل ستفض الناس من حولنا لأن النفس البشرية تنفر من الكلمات الغليظة القاسية بينما يجذبها الخطاب الحاني التأليفي الوحدوي.

إن أكثر ما تفعله لغة السب والشتم والإغلاظ في القول أنها تفرغ الطاقة المكبوتة بطريقة سلبية ليشعر صاحبها براحة مؤقتة، وفي مقابل ذلك تؤدي إلى تعميق الكراهية وتوتير النفوس وشد الأعصاب، وتهيئة الأجواء الاجتماعية لمزيد من التفكك والصدام، وقطع طريق الرجعة على المصالحة وتأليف ذات البين.

لقد علمنا القرآن منهجاً رائعاً بأن نبقي باباً للرجعة مهما بلغت العداوات، وألا نقطع شعرة معاوية مهما استشرت الخصومات فقال: "عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً"، وختم الآية "والله غفور رحيم"، إذ أن التأليف والتصالح هو من مظاهر رحمة الله بعباده.وهذا المعنى يؤكده الحديث أو القول المأثور أبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما..

إن الحب ينبع من القلب ثم يفيض فيرى أثره في الكلمة والنظرة والسلوك..إن الحب عطاء وهو الذي يخرج من الإنسان أفضل ما عنده، إذ تتجلى النفخة الإلهية فتستثار كوامن الخير وتختفي عوارض الشر، وكما تعلمت من أستاذي المفكر جودت سعيد أن الإنسان بالحب والإقناع يقدم روحه وكل ما يملك، بينما بالإكراه لا يعطي إلا الحد الأدنى اضطراراً تحت ضغط التهديد.

إن الكره يخرج من الإنسان أضغانه، ويحوله إلى شيطان مريد..

الحب يعود على الإنسان بالطمأنينة القلبية والصحة النفسية، بينما الكراهية تشعل القلوب بالوساوس والشكوك، والقلق الذي تنتج عنه الأمراض والآفات، فيرتد ضررها على الذات ويمارس صاحبها انتحاراً بطيئاً.

إن الحب والتسامح هو جنة الدنيا وكما قيل فإن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وحتى ندخل الجنة فإن علينا أن نتخلق بأخلاق أهلها، فننزع ما في صدورنا من غل، ويصبح كلامنا في الدنيا سلاماً سلاماً وبذلك نتهيأ لأن ينادى علينا يوم القيامة "ادخلوها بسلام آمنين"، فندخل دار السلام لا خوف فيها ولا هم يحزنون تحيتهم فيها سلام، ونحيا كما قال ربنا: "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين"، "لا يسمعون فيها لغواً ولا كذاباً إلا قيلاً سلاماً سلاماً".

إننا بحاجة إلى صناعة المحبة ابتداءً من البيت فنكون لأبنائنا حضناً دافئاً ونغدق عليهم الحب والحنان حتى يفيضوا به على الناس، لأن فاقد الشئ لا يعطيه، ونعودهم على العطاء والإحساس بالآخرين والسعي لتقديم الخير لهم، كما أن وسائل الإعلام مطالبة بأن تبث هذه الروح السلامية فتسدد وتقارب، وتقول التي هي أحسن، في خطاب وحدوي تجميعي تقريبي، وبذلك نصنع المجتمع المؤمن المتحاب المتكافل، وتكون على الأرض جنة قبل جنة الآخرة..

"رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ"

والله أعلى وأعلم..